أوغسطينوس" يعود إلى الواجهة مع زيارة البابا إلى الجزائر
الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 11:23 ص
طباعة
روبير الفارس
"
مع زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى الجزائر، يتجدد الحديث عن أحد أبرز أعلام الفكر المسيحي الذين خرجوا من أراضيها الفيلسوف أوغسطينوس، أسقف هيبون القديمة، مدينة "عنابة "حاليًا، والذي لا يزال يُعد من أعمدة اللاهوت والفلسفة في التاريخ الغربي.
وُلد أوغسطينوس عام 354م في مدينة طاغاست (سوق أهراس اليوم)، في شمال أفريقيا الرومانية، وعاش رحلة فكرية مضطربة بين الفلسفات القديمة والبحث الروحي العميق، قبل أن يعتنق المسيحية ويصبح أحد أبرز آباء الكنيسة اللاتينية. وفي عام 395م، رُسم أسقفًا على هيبون، وظل في موقعه حتى وفاته سنة 430م أثناء حصار الوندال للمدينة.
من الاعتراف إلى «مدينة الله»
لا يمكن فهم مكانة أوغسطينوس دون التوقف أمام عملين شكّلا منعطفًا في الفكر الإنساني. الأول هو كتابه الشهير "الاعترافات"، الذي يُعد من أوائل النصوص التأملية في التاريخ، حيث يروي سيرته الروحية بلغة داخلية عميقة، كاشفًا صراع العقل والقلب في رحلة البحث عن الحقيقة.
أما العمل الثاني فهو "مدينة الله"، الذي كتبه في سياق انهيار الإمبراطورية الرومانية، ليقدّم رؤية فلسفية للتاريخ تقوم على التمييز بين “مدينة الله” القائمة على المحبة الإلهية، و“مدينة الإنسان” المؤسسة على حب الذات. وقد شكّل هذا التصور حجر أساس في تطور الفكر السياسي المسيحي في أوروبا لقرون طويلة.
أسقف أفريقي بعقل عالمي
لم يكن أوغسطينوس مجرد لاهوتي، بل مفكرًا موسوعيًا انشغل بأسئلة الزمن والذاكرة والإرادة والحرية. تحليلاته للزمن – التي اعتبر فيها أن الماضي يعيش في الذاكرة، والحاضر في الانتباه، والمستقبل في الرجاء – سبقت بكثير تأملات الفلسفة الحديثة.
لاهوتيًا، كان لصوته تأثير بالغ في قضايا النعمة والخطيئة الأصلية وطبيعة الكنيسة، كما خاض سجالات حاسمة ضد التيارات المنشقة في شمال أفريقيا، مدافعًا عن وحدة الكنيسة وعالميتها.
الجزائر واستعادة الإرث
اليوم، ومع حضور بابوي على الأرض الجزائرية، يعود اسم أوغسطينوس بوصفه جزءًا من الذاكرة العميقة للبلاد. فالرجل الذي صار أحد أعمدة اللاهوت الغربي هو في الأصل ابن هذه الأرض، وتكوّن في فضائها الثقافي المتعدد، حيث امتزجت العناصر الأمازيغية والرومانية والمسيحية المبكرة.
واستعادة أوغسطينوس في السياق الجزائري لا تعني مجرد استدعاء ماضٍ مسيحي، بل إعادة قراءة مرحلة تاريخية كانت فيها شمال أفريقيا مركزًا فكريًا وروحيًا مؤثرًا في العالم المتوسطي. إنها تذكير بأن الجزائر لم تكن هامشًا في التاريخ، بل كانت يومًا من منابعه.
بين التاريخ والحاضر
تمنح زيارة البابا لاون الرابع عشر بعدًا رمزيًا لهذا الإرث، إذ تُعيد تسليط الضوء على شخصية أفريقية صاغت جزءًا مهمًا من هوية المسيحية العالمية. وبين أطلال هيبون القديمة في عنابة، ما زال صدى صوت الأسقف الفيلسوف حاضرًا، شاهدًا على أن الأفكار الكبرى قد تولد في مدن بعيدة عن مراكز السلطة، لكنها تغيّر وجه التاريخ.
