حسام الحداد يكتب: عندما يخطط الإرهابيون.. استراتيجية حركة ميدان لاختطاف الدولة وتزييف الشرعية

الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 02:13 م
طباعة حسام الحداد يكتب:
 
تطل حركة "ميدان" عبر وثيقتها الفكرية بملامح مشروع يهدف إلى إحداث قطيعة كاملة مع مفهوم الدولة الوطنية، متجاوزةً حدود الاعتراض السياسي لتؤسس لما يمكن تسميته "السلطة الموازية". إن هذه الوثيقة لا تمثل مجرد وجهة نظر أيديولوجية، بل هي "مانيفستو" عملياتي يسعى لإعادة إنتاج خطاب القطبية الراديكالي في ثوب ثوري معاصر، حيث يتم استبدال لغة الإصلاح بلغة الهدم، وتجريد مؤسسات الدولة من عصمتها القانونية والسياسية. هذا المسعى الفكري يجد ترجمته الحركية في المحاولات اليائسة لصناعة كيانات موازية تهدف إلى إيهام الحاضنة الشعبية بوجود "بديل جاهز" ينتظر لحظة سقوط الدولة التي يعملون على استنزافها ليل نهار تحت ستار "التثوير" الشعبي.
ويتجسد هذا الانفصال عن الواقع في الدعوة الغريبة التي أطلقها "يحيى موسى" — القيادي بالحركة والمطلوب أمنياً في قضايا إرهاب كبرى — لعقد ما يسمى "المؤتمر الوطني الأول" لمناقشة مشاكل مصر ووضع خطط لمستقبلها. إن هذا المؤتمر لا يعدو كونه "بروباجندا" سياسية تهدف إلى شرعنة وجود الحركة ومنح قياداتها الهاربة صفة "رجال دولة" في المنفى، وهي محاولة هزلية لسرقة إرادة المصريين وتزييف وعيهم عبر طرح حلول وهمية لأزمات يساهم خطابهم التحريضي في تفاقمها. إن الربط بين "أيديولوجيا الهدم" في الوثيقة وبين "مسرحية المؤتمر" يكشف عن استراتيجية خبيثة؛ فبينما تؤصل الوثيقة لاستنزاف الدولة وإسقاطها بالقوة (الحرب)، يحاول المؤتمر رسم صورة "المُنقذ" الذي سيملأ الفراغ السيادي الذي يخططون لصناعته عبر الفوضى، مما يؤكد أننا أمام تنظيم يستخدم "التخطيط للمستقبل" كغطاء لتسويق مشروع "اللا دولة".

استراتيجية "نزع الشرعية الشاملة" (الأنظمة كاحتلال)
تتبنى الوثيقة لغة اصطلاحية تتجاوز حدود النقد السياسي التقليدي أو الاختلاف حول آليات الحكم، لتنتقل بحدة نحو "نزع الشرعية الوجودية" عن الأنظمة الحاكمة. فبدلاً من توصيف الأخطاء السياسية كإخفاقات إدارية أو خيارات استراتيجية خاطئة، يتم تأطيرها ضمن مربع "الخيانة العظمى" و"العمالة للأجنبي". هذا الإحلال المصطلحي يهدف بالأساس إلى إخراج النظام من دائرة "الشركاء في الوطن" أو حتى "الخصوم السياسيين" إلى دائرة "المرتدين عن المصلحة الوطنية والقومية"، وهو ما يمثل في جوهره "تكفيراً سياسياً" مبطناً يسقط كل حقوق العصمة عن مؤسسات الدولة، ويمهد وجدانياً وعقائدياً لرفض الانصياع لأي إطار قانوني تنظمه هذه الأنظمة.
تكمن الخطورة الاستراتيجية في الوثيقة عند ذهابها لمساواة الأنظمة الوطنية بـ "الاحتلال الأجنبي" في الأثر والنتيجة. هذا الربط ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو "تأصيل شرعي" يهدف إلى استدعاء فتاوى "دفع العدو الصائل" وإسقاطها على الواقع المحلي. فبمجرد صبغ النظام بصبغة "المحتل"، تفتح الوثيقة الباب على مصراعيه لشرعنة العنف المسلح تحت مسمى "الجهاد" أو "المقاومة المشروعة". إنها استعادة صريحة لأدبيات جماعات العنف التاريخية مثل "التكفير والهجرة" وتنظيم "الجهاد"، التي استغلت هذا المنطق لتبرير استهداف رجال الأمن والمؤسسات العامة، باعتبارهم "حامية للمحتل الوكيل" وليسوا موظفين في دولة وطنية، مما يحول الصراع الصفي من تنافس سياسي إلى "معركة تحرر" تستخدم الرصاص بدلاً من صناديق الاقتراع.
تسعى الوثيقة عبر هذا الخطاب الموتور إلى حشر الجماهير في خيار صفري؛ فإما القبول بـ "الاستعباد للأجنبي" (عبر الأنظمة الحالية) أو الانخراط في "الثورة المسلحة". من خلال تحويل الخصم السياسي إلى "عدو محتل"، يتم تجريد الدولة من صفتها ككيان جامع، وتصوير مؤسساتها (الجيش، القضاء، الشرطة) كأدوات قمعية تعمل لصالح قوى خارجية. هذا التنميط يخدم غرضاً واحداً وهو "صناعة المظلومية المقاتلة"؛ حيث يتم إقناع العناصر الشابة بأن الصدام المسلح ليس اختياراً بل هو "واجب شرعي ووطني" لاسترداد السيادة المسلوبة. وبذلك، توفر الوثيقة الغطاء الأخلاقي والفكري لأي عمليات تخريبية مستقبلاً، واصفة إياها بأنها "عمليات تحررية" ضد وكلاء الاستعمار، مما ينسف أي فرصة للحوار أو الاستقرار السياسي.

الموقف المتذبذب من "الديمقراطية" (أداة لا غاية)
تبدي الوثيقة قراءة براغماتية نفعية لمفهوم الديمقراطية، حيث تحصر القبول بها في "الجانب الإجرائي" فقط، أي كآلية تقنية لعزل الحاكم أو اختياره. وفي المقابل، تشن هجوماً حاداً على الديمقراطية كمفهوم فلسفي وقيمي، واصفة إياها بأنها تؤدي إلى "تعبيد الناس لبعض الناس" من دون الله. هذا الفصل المتعمد بين "الآلية" و"الفلسفة" يهدف إلى تطويع الأدوات الحداثية لخدمة مشروع الحركة، مع تجريد الديمقراطية من جوهرها القائم على التعددية والمساواة، وتصويرها في سياقها الفكري كأداة "للخداع والسيطرة الطبقية" ووسيلة من وسائل "الطغيان والتحكم" التي تفرضها النخب.
يكشف النقد التحليلي لهذا الخطاب عن ازدواجية عميقة في التعاطي مع القيم الحداثية؛ فبينما تطالب الوثيقة بحق الشعب في اختيار حاكمه، فإنها ترفض بشكل قاطع مبدأ "السيادة الشعبية" في التشريع، وتعتبرها مناقضة تماماً لمفهوم "الحاكمية" والشريعة. إن رفض الوثيقة لليبرالية السياسية ينبع من خوفها من أن يمتلك الشعب حق "التشريع من دون الله"، وهو ما يجعل قبولهم بالديمقراطية مبتوراً؛ فهم يريدون "سيادة الشعب" في اختيار الأشخاص، لكنهم يسحبون هذه السيادة في وضع القوانين والتشريعات، مما يخلق نموذجاً سياسياً مشوهاً يجمع بين قشرة ديمقراطية وجوهر ثيوقراطي متشدد.
يؤكد تحليل الخطاب في الوثيقة أن الديمقراطية لدى هذا التيار ليست قيمة أصيلة أو إيماناً راسخاً بالتداول السلمي للسلطة، بل هي مجرد "تكتيك مرحلي" تفرضه الضرورة السياسية الراهنة. إن توصيف الديمقراطية كـ "وسيلة خداع" في حال لم تخدم أهداف التيار، يمنح الحركة مبرراً فكرياً للانقلاب عليها في أي لحظة تحت دعاوى "حماية الشريعة" أو "الشرعية الثورية". هذا الموقف المتذبذب يجعل من الصعب بناء ثقة سياسية مع هذا التيار، إذ تظل "صناديق الاقتراع" لديهم مجرد بوابة عبور لمرة واحدة نحو "التمكين"، وليست عقداً اجتماعياً مستداماً يحترم إرادة الشعوب في التغيير المستمر.

تفكيك "الدولة الوطنية" لصالح "الأمة الواحدة"
تشن الوثيقة هجوماً فلسفياً وعملياً على نموذج "الدولة الوطنية الحديثة"، حيث تعتبرها كياناً هجيناً فُرض قسراً لتمزيق وحدة "الأمة الإسلامية". وبدلاً من نقد مؤسسات الدولة بهدف إصلاحها، تقوم الوثيقة بـ "شيطنة" مفهوم الدولة من الأساس، واصفة إياها بالمركزية السلطوية التي تستعبد الفرد. هذا الطرح يحاول إحياء نموذج "الأمة العابرة للحدود" أو "الخلافة" كبديل رومانسي، وهو توجه يتجاهل كلياً الواقع الجيوسياسي المعاصر وتعقيدات القانون الدولي، ويسعى لاستبدال الهوية الوطنية الجامعة بهوية أيديولوجية فضفاضة تصطدم بالضرورات الواقعية لاستقلال الدول وسيادتها.
يمارس الخطاب في الوثيقة عملية تسطيح معرفي حاد لمهام الدولة التنظيمية؛ فالهجوم على وثائق إدارية مثل "شهادة الميلاد" و"تصريح الدفن" وتصويرها كأدوات "قهر وتسلط" يعكس رغبة في تفكيك العقد الاجتماعي بين المواطن ومؤسساته. إن هذا النقد لا يستهدف البيروقراطية، بل يستهدف "الشرعية الإجرائية" للدولة، ويهدف بالأساس إلى خلق حالة من "اللا دولة" أو الفوضى الإدارية. ومن منظور نقد الخطاب، فإن نزع القدسية عن مؤسسات الدولة التنظيمية هو خطوة استباقية لإقناع الجماهير بالتحلل من التزاماتها القانونية والمدنية تجاه السلطة المركزية، تمهيداً لإحلال سلطة التنظيم محل سلطة الدولة.
تكمن الخطورة الاستراتيجية في هذا الطرح في أنه يوفر البيئة المثالية لنمو الجماعات المسلحة والمليشيات؛ فحين يتم إضعاف مفهوم الدولة الوطنية في وعي الشعوب، ينشأ "فراغ سيادي" تسعى حركات "الإسلام السياسي الثوري" لملئه بكياناتها الخاصة. إن الهجوم على حدود الدولة ومؤسساتها هو في الحقيقة تمهيد لمشروع "التمكين" الذي تبحث عنه الحركة، حيث لا يمكن لمشروعاتها الأيديولوجية أن تنتعش إلا على أنقاض الدولة الوطنية الضعيفة. وبذلك، تصبح دعوات "وحدة الأمة" في الوثيقة مجرد غطاء لتبرير تدمير الدولة القائمة، مما يؤدي بالضرورة إلى تحويل المجتمعات إلى ساحات للصراع المليشياوي بعيداً عن أي إطار قانوني أو مؤسسي يحفظ الأمن القومي.

"تثوير الشعوب" كغطاء للعمل العنيف
تنتقل الوثيقة بشكل حاد ومدروس من لغة الوعظ الديني التقليدي والتأصيل الفقهي لمفاهيم الاستخلاف، إلى لغة التحريض الميداني المباشر. ومن خلال جعل "تثوير الشعوب" هي القضية المركزية للعاملين، تخرج الوثيقة من حيز "الدعوة" إلى حيز "إدارة الصراع العنيف". إن استخدام مصطلح "تثوير" هنا ليس مجرد دعوة لرفع الوعي أو المطالبة بالحقوق، بل هو استدعاء لحالة من الغليان الشعبي الموجه الذي يهدف إلى صدام مباشر مع السلطة، حيث يتم الانتقال تدريجياً في النص من الحديث عن "الرضا الشعبي" إلى الحديث عن "خلع الحاكم"، مع النص صراحة على أن هذا الخلع قد يتخذ شكل "حرب" معلنة، مما يحول الفرد من "مواطن" إلى "مشروع مقاتل" في ثورة دائمية.
يكشف تحليل الخطاب في هذا الجزء عن تعمد الوثيقة خلط الأوراق بين مفاهيم "المعارضة السياسية" السلمية وبين "العمل الثوري المسلح". فبينما تحاول الوثيقة إضفاء مسحة مدنية عبر استخدام مصطلحات مثل "الشورى" و"الرضا"، إلا أنها تضع "القوة" كخيار نهائي وأصيل في حال تعذر الوصول للأهداف سلماً. هذا التأصيل لخلع الحاكم بالقوة "إذا لزم الأمر" يمثل المنطلق الفكري الذي يفسر تقاطع قيادات حركة "ميدان" مع تنظيمات إرهابية مثل "لواء الثورة". إنها استراتيجية "توزيع الأدوار"؛ حيث يتم الحديث سياسياً بلغة الحقوق، بينما يتم التأصيل ميدانياً للعمل المسلح كضرورة شرعية، مما يجعل أي حراك جماهيري مجرد غطاء أو مرحلة تمهيدية لعمليات عسكرية منظمة.
يتحول مصطلح "التثوير" في أدبيات الوثيقة من كونه وسيلة للتعبير عن الرأي إلى استراتيجية شاملة تهدف إلى "استنزاف الدولة" وإحداث شلل في مؤسساتها. فالهدف النهائي ليس "الإصلاح" من داخل النظام، بل إسقاط مؤسسات الدولة كلياً لاستبدالها ببدائل الحركة الأيديولوجية. هذا الفكر لا يؤمن بالتراكم السياسي، بل يؤمن بـ "الهدم الكامل" كشرط للتمكين. ومن منظور الأمن القومي، فإن هذا الخطاب يسعى لتحويل الشارع إلى ساحة حرب استنزاف طويلة الأمد، يتم فيها إنهاك القوى الأمنية والاقتصادية تحت غطاء "الغضب الشعبي"، تمهيداً للحظة الانقضاض النهائي على مفاصل الدولة، وهو ما يجعل "التثوير" في جوهره أداة لتدمير الكيان الوطني وليس لبنائه.

البعد القومي/الإسلامي (القضية الفلسطينية كأداة حشد)
تؤسس الوثيقة لربط عضوي وشرطي بين نجاح المسارات الثورية المحلية في الدول العربية وبين معركة "تحرير القدس"، حيث تنظر إلى الكيان الصهيوني كـ "قاعدة عسكرية غربية" متقدمة، وُجدت لحماية الأنظمة التي تصفها بالعمالة. هذا الربط ليس مجرد تضامن قومي، بل هو استراتيجية لـ "عولمة الصراع المحلي"؛ فمن خلال تصوير إسرائيل كحارس لهذه الأنظمة، تصبح الثورة على النظام السياسي في مصر أو غيرها، في أدبيات الوثيقة، هي "الخطوة الأولى" والضرورية نحو التحرير الكبير. هذا الطرح يهدف إلى منح التحركات الميدانية الداخلية بعداً ملحمياً يتجاوز المطالب السياسية المباشرة، ليضعها في سياق معركة وجودية كبرى بين الأمة وأعدائها.
يكشف النقد التحليلي عن استخدام الوثيقة للقضية الفلسطينية كمعيار أو "ترمومتر" لقياس الشرعية والعمالة، وهو ما يُعرف بآلية "كاشف العملاء". إنها آلية كلاسيكية تستغلها حركات الإسلام السياسي لتوظيف العاطفة الدينية والقومية الجارفة تجاه فلسطين من أجل "تخوين" الخصوم السياسيين المحليين وصمهم بـ "حراس الحدود". فبمجرد إقامة علاقة تلازمية بين بقاء النظام واستمرار الاحتلال، يتم تجريد الخصم من أي مسحة وطنية، وتحويل الصراع السياسي الداخلي إلى معركة ضد "وكلاء الصهيونية". هذا التوظيف الأدواتي للقضية الفلسطينية يهدف بالأساس إلى حشد الجماهير تحت راية أخلاقية زائفة، تجعل من الانخراط في "تثوير" الداخل واجباً مقدساً لتحرير القدس.
تسعى الوثيقة من خلال هذا المحور إلى إضفاء صبغة "مقدسة" على العمل الثوري العنيف ضد مؤسسات الدولة، عبر تصويره كجزء من ملحمة كبرى لتحرر الأمة. إن الربط بين "سقوط النظام" و"الصلاة في المسجد الأقصى" هو محاولة لرفع سقف التوقعات الجماهيرية وتبرير التضحيات البشرية والمادية الجسيمة التي يتطلبها الصدام مع الدولة. من منظور تحليل الخطاب، يعمل هذا الربط كـ "خديعة أيديولوجية"؛ حيث يُختزل تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي في "مؤامرة" كبرى يكون النظام المحلي طرفاً فيها. وبذلك، تتحول ممارسات العنف أو التخريب ضد الدولة الوطنية، في وعي المستهدفين بهذا الخطاب، من "جرائم" أو "فوضى" إلى "عمليات بطولية" تخدم الهدف الأسمى للأمة، مما يغلق الباب أمام أي حلول وطنية وسطى أو إصلاح تدريجي.
تمثل وثيقة حركة "ميدان" "مانيفستو" للفوضى الخلاقة بصبغة إسلامية راديكالية، حيث تعمد إلى هندسة "الفراغ السيادي" عبر نزع الشرعية الشاملة عن الدولة ومؤسساتها السيادية، وتحويل الصراع السياسي إلى معركة "تحرر" مسلحة ضد ما تسميه "الاحتلال الوكيل". إن هذا الخطاب، الذي يمزج بين دغدغة مشاعر الفئات المستضعفة وبين التأصيل الفقهي للعنف وتخوين الخصوم، يعكس مأزقاً فكرياً يقود التيار الإسلامي الثوري بعيداً عن أروقة السياسة نحو سراديب العمل المليشياوي الاستئصالي؛ فالدعوة لـ "المؤتمر الوطني" ليست إلا قناعاً زائفاً لمشروع "اللا دولة" الذي يقتات على هدم الكيان الوطني وتزييف الوعي الجمعي تحت ستار "القدسية الثورية".

شارك