من المواجهة إلى الحصار.. خطة أمريكية لإنهاء الصراع دون هجوم جديد

الجمعة 17/أبريل/2026 - 12:55 م
طباعة من المواجهة إلى الحصار.. فاطمة عبدالغني
 
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث يتداخل التصعيد العسكري مع حسابات الطاقة العالمية وأمن الممرات البحرية، يبرز تحوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خيار المواجهة العسكرية المباشرة إلى استراتيجية الحصار الاقتصادي كرهان جديد لإنهاء المواجهة مع إيران دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. هذا التحول يأتي في سياق توتر متصاعد في الخليج، خصوصاً مع تهديدات طهران المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، ما يجعل أي خطوة أمريكية ذات انعكاسات تتجاوز حدود الصراع الثنائي.
رهان الحصار: خنق الاقتصاد بدل الحرب
يرى ستيفن كولينسون، كبير مراسلي CNN للشؤون السياسية أن الرهان الأمريكي يقوم على فكرة بسيطة لكنها محفوفة بالمخاطر: خنق الاقتصاد الإيراني عبر استهداف شرايينه الحيوية — الموانئ وصادرات النفط — بما يدفع طهران في نهاية المطاف إلى القبول بشروط واشنطن. 
ووفق هذا التصور، فإن منع إيران من تصدير النفط أو استيراد السلع الأساسية قد يسرّع انهيارها المالي، ويفتح الباب أمام ضغوط داخلية تدفع النظام إلى التراجع.

ووفقًا لكولينسون يبدو هذا السيناريو منطقياً من الناحية النظرية، خصوصًا في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من العقوبات قد لا يصمد طويلاً أمام نقص حاد في الغذاء، وارتفاع جامح في الأسعار، وأزمة مصرفية خانقة. ويزداد هذا الرهان جاذبية لدى صناع القرار في واشنطن إذا ما ترافق مع ردع بحري حاسم يمنع طهران من استخدام ورقة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

لكن هذا المنطق، كما يشير كولينسون، يستند إلى فرضية طالما أخطأت الولايات المتحدة في تقديرها: أن خصومها سيتصرفون وفق حسابات "عقلانية" تشبه تلك التي تعتمدها واشنطن. 
أظهرت التجارب السابقة، من العراق إلى أفغانستان وصولاً إلى روسيا وليبيا، أن هذه الدول كثيراً ما تتخذ قرارات تتعارض مع الكلفة الاقتصادية، حين ترى نفسها في مواجهة تهديد وجودي.
الضغط الداخلي: هل يهز استقرار النظام الإيراني؟ 
يلفت كولينسون إلى أن الرهان الأمريكي لا يتوقف عند الضغط الاقتصادي فحسب، بل يتضمن أيضاً افتراضاً ضمنياً بأن تدهور الأوضاع المعيشية قد يفجّر موجة سخط داخلي تهدد تماسك النظام الإيراني، غير أن هذا الافتراض بدوره يثير شكوكاً جدية، في ظل سجل طويل من قدرة السلطات الإيرانية على احتواء الاحتجاجات، حتى باستخدام القوة المفرطة، واستعدادها لتحمل كلفة بشرية وسياسية مرتفعة من أجل البقاء.

بل إن صمود النظام، رغم الضربات العسكرية التي طالت قيادات بارزة خلال المواجهة الأخيرة، يعكس مستوى عالياً من القدرة على امتصاص الصدمات. وهذا ما يطرح احتمال أن تكون واشنطن قد قلّلت مجدداً من قدرة طهران على التكيف، خصوصاً إذا ما اعتبرت الصراع الحالي معركة وجود.
عامل الوقت: سباق بين الضغط والتداعيات العالمية
يؤكد كولينسون أن نجاح الحصار لا يتوقف فقط على شدته، بل على سرعته في إحداث أثر ملموس داخل إيران، قبل أن تنعكس تداعياته على الاقتصاد العالمي. إذ إن أي اضطراب واسع في إمدادات النفط والغاز — نتيجة التصعيد في مضيق هرمز — قد يرتد سلباً على الولايات المتحدة نفسها، ويحوّل الاستراتيجية إلى عبء سياسي داخلي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وعلى المستوى التنفيذي، يرى كولينسون أن الحصار يبدو خياراً قابلاً للتطبيق عسكرياً، فالولايات المتحدة تمتلك قدرات بحرية كبيرة وخبرة سابقة في فرض حصارات مشابهة، وتشير تقديرات بحثية إلى أن هذه الخطوة قد تضرب الاقتصاد الإيراني بسرعة، نظراً لاعتماد أكثر من 90% من تجارته على المرور عبر مضيق هرمز، كما أن محدودية قدرات التخزين قد تجبر طهران على خفض إنتاجها النفطي خلال أسابيع.

لكن هذا الضغط يضع إيران أمام خيارات تصعيدية خطرة، فقد تلجأ إلى استهداف مصالح حلفاء واشنطن في الخليج، أو توسيع نطاق المواجهة عبر وكلائها الإقليميين، بما في ذلك تهديد طرق بديلة لنقل النفط عبر البحر الأحمر، مثل هذه السيناريوهات لا تعني فقط تعقيد الصراع، بل قد تدفعه نحو مستويات يصعب احتواؤها.

في المقابل، لا تخلو الاستراتيجية الأمريكية من مخاطر دبلوماسية. فمحاولة فرض الحصار تعني عملياً الضغط على دول مثل الصين والهند لوقف استيراد النفط الإيراني. وأي احتكاك مباشر — كاعتراض سفينة صينية — قد يتحول إلى أزمة دولية، خصوصاً في ظل حساسية العلاقات بين واشنطن وبكين.
تفاؤل حذر بإمكانية التفاوض
ورغم هذه التعقيدات، يبدي البيت الأبيض قدراً من التفاؤل بإمكانية أن يفتح الحصار باباً لمسار تفاوضي جديد، غير أن الوقائع على الأرض لا تدعم هذا التفاؤل بالكامل، فالفجوة بين موقفي الطرفين لا تزال واسعة. الولايات المتحدة تسعى إلى تقييد دائم للبرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذها الإقليمي، بينما تتمسك طهران بحقوقها النووية وترفض التخلي عن أدوات قوتها.

ومع ذلك، تلوح في الأفق بعض المؤشرات على إمكانية التوصل إلى تسوية وسط، مثل الخلاف حول مدة تعليق تخصيب اليورانيوم — بين عشرين عاماً تقترحها واشنطن وخمس سنوات تطرحها طهران — وهو ما قد يشكّل أرضية أولية للتفاوض.

في المحصلة، يخلص كولينسون إلى أن نجاح الحصار، إن تحقق، لن يكون نهاية الأزمة بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إجبار إيران على التفاوض، بل في بناء اتفاق مستدام يتطلب وقتاً طويلاً، ومرونة سياسية، وفهماً أعمق لدوافع الخصم — وهي عناصر لم تظهر الإدارة الأمريكية امتلاكها بالكامل حتى الآن.

شارك