استراتيجية الردع الذكي.. الحوثيين بين "فخ التصعيد" وخيار "المقاربة المتوازنة"
الجمعة 17/أبريل/2026 - 02:32 م
طباعة
في ظل التصعيد المتواصل في البحر الأحمر وتزايد الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثيين على الملاحة الدولية، تعود واشنطن لبحث خياراتها في اليمن بين التصعيد العسكري أو تبني مقاربة أكثر توازناً. وفي هذا السياق، يقدّم تقرير تحليلي نشرته منصة War on the Rocks رؤية مختلفة لكيفية التعامل مع الحوثيين دون الوقوع في أخطاء الماضي.
أخطاء الماضي.. حين عزّزت الحرب خصومها
يرى التقرير أن السياسات الأمريكية خلال العقد الماضي، خاصة منذ عام 2015، لم تحقق هدفها في إضعاف الحوثيين، بل أدت بشكل عكسي إلى تقويتهم.
فالدعم العسكري للتحالف، وصفقات السلاح، والحصار البحري، ساهمت في تدمير البنية المدنية وتعميق الانقسامات، وهو ما منح الحوثيين مساحة أوسع للتمدد واكتساب شرعية محلية باعتبارهم "قوة مقاومة".
الحوثيون أكثر من مجرد جماعة مسلحة
يوضح التقرير أن الحوثيين — أو ما يُعرف رسمياً بـ"أنصار الله" — ليسوا مجرد ميليشيا، بل حركة سياسية وعسكرية ذات جذور دينية واجتماعية في شمال اليمن.
وقد تمكنت من الصمود بفضل مزيج من الدعم الإيراني، خاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب قدرتها على التجنيد المحلي المستمر.
ومع تصاعد التوتر الإقليمي، تحوّلت الجماعة إلى أداة استراتيجية غير مباشرة لطهران، قادرة على تهديد الملاحة واستنزاف خصومها دون مواجهة مباشرة.
معضلة التصعيد في اليمن
يطرح التقرير معضلة أساسية: مفادها كلما زاد الضغط العسكري الخارجي، زادت قوة الحوثيين داخلياً.
فالضربات العسكرية تمنح الجماعة فرصة لتقديم نفسها كمدافع عن السيادة الوطنية، وهو خطاب يجد صدى لدى قطاعات واسعة من اليمنيين، خاصة في ظل الرفض الشعبي للتدخلات الخارجية.
وبهذه الطريقة تتشكل دائرة متكررة يصعب كسرها، فكل تصعيد عسكري يمنح الحوثيين فرصة لتعزيز خطابهم كمدافعين عن السيادة، ما يدفع مزيداً من الأفراد إلى الانضمام إليهم، وهو ما يترجم في النهاية إلى زيادة قوتهم ونفوذهم.
الاقتصاد… الوقود الحقيقي للصراع
بعيداً عن الشعارات، يشير التقرير إلى أن العامل الاقتصادي هو المحرك الأهم لاستمرار الحرب.
فما يقارب نصف اليمنيين يعيشون أوضاعاً معيشية قاسية، ما يجعل الانخراط في الجماعات المسلحة خياراً مرتبطاً بالبقاء أكثر من كونه قناعة أيديولوجية.
وقد نجح الحوثيون في استغلال هذا الواقع عبر السيطرة على الموارد، والرواتب، وطرق التجارة، ما جعلهم يتحكمون فعلياً في مفاصل الاقتصاد المحلي.
استهداف الدعم الإيراني: نصف المعركة
رغم أهمية العامل المحلي، يؤكد التقرير أن قدرات الحوثيين الهجومية — خاصة بعيدة المدى — تعتمد بشكل كبير على الدعم الإيراني، سواء في التسليح أو التكنولوجيا.
لذلك، فإن أي استراتيجية فعالة يجب أن تجمع بين: تقليص دوافع التجنيد داخلياً وقطع خطوط الإمداد الخارجية، بهذا فقط يمكن تقليل قدرة الجماعة على تهديد الأمن الإقليمي.
أزمة الشرعية: دولة ضعيفة وشبكات قوية
يسلط التقرير الضوء على مفارقة خطيرة في اليمن: الحكومة المعترف بها دولياً تملك الشرعية القانونية، لكنها تفتقر للقدرة الفعلية، بينما تمتلك القبائل والشبكات المحلية النفوذ الحقيقي على الأرض، لكنها تفتقر للاعتراف الدولي.
هذا التناقض يخلق فراغاً تستفيد منه الجماعات المسلحة، وعلى رأسها الحوثيون، الذين يظهرون كأكثر الأطراف تماسكاً في مشهد شديد التشرذم.
نحو استراتيجية مختلفة: القوة وحدها لا تكفي
يقترح التقرير تحولاً في التفكير الأمريكي، يقوم على أن العمل العسكري يجب أن يكون محدوداً ومدروساً، ويأتي ضمن استراتيجية أوسع، لا بديلاً عنها، وتشمل هذه الاستراتيجية:
ضربات دقيقة تعيد الردع دون توسيع الصراع
دعم الاقتصاد المحلي لتقليل الاعتماد على الجماعات المسلحة
العمل مع القبائل والسلطات المحلية باعتبارها فاعلاً أساسياً
تكثيف الجهود لقطع الإمدادات الإيرانية
كلفة الحرب: أرقام تطرح الأسئلة
يلفت التقرير إلى الفجوة الهائلة في كلفة المواجهة، حيث تُستخدم صواريخ بملايين الدولارات لاعتراض طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة.
كما أن العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة كلفت مليارات الدولارات خلال فترة قصيرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى هذا النهج على المدى الطويل.
نافذة الفرصة.. لحظة قد لا تتكرر
يختتم التقرير بالإشارة إلى أن الحوثيين يمرون حالياً بمرحلة ضغط نسبي، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، وهنا تكمن الفرصة: إما استغلال هذه اللحظة لبناء استراتيجية طويلة المدى تعالج جذور الأزمة، أو تكرار نمط الضربات المؤقتة التي تمنح الجماعة وقتاً لإعادة ترتيب صفوفها.
بحسب تقرير War on the Rocks، فإن الخيار الحقيقي أمام واشنطن ليس بين الحرب أو عدمها، بل بين الاستمرار في نهج أثبت محدوديته، أو تبني مقاربة شاملة تعالج الاقتصاد والشرعية والدعم الخارجي في آن واحد.
فإضعاف الحوثيين لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بإعادة تشكيل البيئة التي سمحت لهم بالنمو في المقام الأول.
