ثلاثي الإرهاب.. شبكة إمداد عابرة للحدود بين الحوثي والقاعدة وحركة الشباب
الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 01:36 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بالمواجهة مع إيران، يكشف تقرير مركز جيمستاون للأبحاث في واشنطن عن تحول لافت في طبيعة العلاقات بين الفاعلين المسلحين في المنطقة. فبدلاً من الصراعات الأيديولوجية التقليدية، بدأت ملامح تعاون براجماتي تتشكل بين جماعات يفترض أنها متناقضة، وعلى رأسها الحوثيون وتنظيم القاعدة وحركة الشباب الصومالية. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في سلوك هذه الجماعات، بل يشير إلى إعادة تشكيل شبكة إمداد عابرة للحدود قد تحمل تداعيات أمنية أوسع.
من العداء إلى البراجماتية
بحسب التقرير، فإن هذا التقارب يتجسد في تبادل الأسلحة والتدريب وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، ضمن نمط من العلاقات "التبادلية" التي يسعى فيها كل طرف لتحقيق مكاسب محددة، سواء عبر التمويل أو التهريب أو تعزيز القدرات العسكرية.
ويرى التقرير أن أخطر ما في هذا التعاون هو احتمالية انتقال المعرفة التقنية، محذرًا من أن تمكن جماعات مثل القاعدة من تصنيع طائرات مسيّرة أو صواريخ محليًا قد يؤدي إلى انتشار هذه القدرات على نطاق أوسع داخل الشبكات الجهادية.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، يوضح التقرير أنها كانت في الأساس علاقة صدامية، خاصة مع توسع نفوذ الحوثيين، إلا أن ملامح براجماتية بدأت تظهر تدريجيًا رغم استمرار العداء.
وقد تجلت هذه البراجماتية في عمليات تبادل الأسرى بين الجانبين خلال الفترة من 2017 إلى 2021، وهو ما مثّل نقطة تحول فتحت الباب لتفاعلات غير مباشرة لاحقًا، ومع تراجع قوة تنظيم القاعدة مقارنة بمرحلة ذروته، اتجه إلى التكيف مع الواقع الجديد، ما ساهم في توسيع نطاق العلاقة مع الحوثيين لتشمل مجالات أكثر حساسية.
ويشير التقرير إلى أن الطرفين توصلا عام 2022 إلى اتفاق لعدم الاعتداء أنهى المواجهات بينهما، ومهّد لاحقًا لتوسيع التعاون، بما في ذلك استخدام القاعدة لطائرات مسيّرة يُعتقد أن مكوناتها جاءت عبر الحوثيين.
شبكة إمداد معقدة تتجاوز الرقابة
كما يسلط التقرير الضوء على شبكات التهريب، حيث يشمل التعاون تبادل الأسلحة الخفيفة والتدريب على الطائرات المسيّرة، مقابل حصول الحوثيين على خدمات تهريب وربما معلومات استخباراتية. وفي هذا السياق، لعب تنظيم القاعدة دورًا في ربط الحوثيين بحركة الشباب في الصومال، ما وسّع نطاق هذه الشبكة.
وتوفر حركة الشباب، وفق التقرير، مسارات لوجستية مهمة لتهريب الإمدادات عبر خليج عدن، مستفيدة من نفوذها على السواحل الصومالية وقدرتها على إدارة شبكات معقدة تشمل قراصنة ووسطاء محليين. وتتم هذه العمليات عبر سفن تقليدية تنقل الشحنات من سفن إيرانية إلى موانئ صومالية، قبل إعادة شحنها باتجاه السواحل اليمنية، بما يسمح بتجاوز الرقابة الدولية.
تبادل التكنولوجيا والخبرات
وفي جانب التكنولوجيا، يحذر التقرير من أن هذا التعاون قد يفتح المجال لنقل تقنيات عسكرية متقدمة، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، وهو ما قد يمنح الجماعات المتطرفة أدوات أكثر تطورًا لتنفيذ عمليات معقدة. ويشير إلى أن بعض الجماعات مثل داعش لا تزال تعتمد على طائرات تجارية معدلة، بينما يتيح التعاون مع الحوثيين الوصول إلى تقنيات أكثر كفاءة وبتكلفة أقل.
ويؤكد التقرير أن انخفاض تكلفة إنتاج الطائرات المسيّرة الهجومية لدى الحوثيين يجعلها خيارًا جذابًا للجماعات المسلحة، خاصة مقارنة بتكاليف العمليات التقليدية، إلى جانب امتلاك الحوثيين أنظمة دفاع جوي أثبتت فعاليتها، ما يزيد من مخاوف انتقال هذه الخبرات إلى أطراف أخرى.
تداعيات أمنية متصاعدة
وفي المجمل، يرى التقرير أن هذا التعاون، حتى وإن ظل في إطار تبادلي محدود، قد يؤدي إلى تعزيز القدرات العملياتية للطرفين، وخلق بيئة أكثر خطورة تسمح بتبادل التكتيكات وتطوير العمليات الإرهابية.
ويخلص إلى أن هذه الشبكة تمنح الحوثيين وإيران فرصة لتوسيع نفوذهم بشكل غير مباشر عبر دعم جماعات معادية للولايات المتحدة، دون ارتباط رسمي واضح، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى انتشار أوسع للتكنولوجيا العسكرية بين الجماعات المتطرفة، وهو ما يمثل تحديًا متزايدًا لجهود مكافحة الإرهاب ويتطلب تحركًا دوليًا لاحتوائه.
كما يكشف التقرير عن تحول نوعي في بيئة التهديد، حيث لم تعد الجماعات المسلحة تتحرك بشكل منفصل، بل ضمن شبكات مرنة تتبادل المصالح والخبرات. هذه الديناميكية تجعل من الصعب احتواء التهديد بأساليب تقليدية.
ويرى المراقبون أن أخطر ما في هذا التطور ليس حجم التعاون الحالي، بل قابليته للتوسع، فمع استمرار الضغوط العسكرية والعقوبات، قد تتجه هذه الجماعات إلى تعميق شراكاتها بشكل أكبر، ما يخلق منظومة تهديد عابرة للأقاليم. وفي حال انتقلت تقنيات الطائرات المسيّرة والأسلحة منخفضة التكلفة إلى نطاق أوسع داخل شبكة القاعدة، فإن العالم قد يواجه موجة جديدة من الهجمات الأكثر تعقيدًا وأقل تكلفة، وهو سيناريو يفرض على الدول إعادة تقييم استراتيجيات مكافحة الإرهاب بشكل جذري.
