حسام الحداد يكتب: بين مطرقة ترامب وسندان الحرس الثوري.. باكستان وصناعة المستحيل الدبلوماسي

الأربعاء 22/أبريل/2026 - 11:53 ص
طباعة حسام الحداد يكتب:
 
في ظل مناخ إقليمي مشحون ينذر بانفجار شامل، تجد العاصمة الباكستانية إسلام آباد نفسها اليوم، الأربعاء 22 أبريل 2026، في قلب الإعصار الدبلوماسي، محاولةً لعب دور "المهندس" لاتفاق سلام ينهي واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لم تعد الوساطة الباكستانية مجرد مساعٍ حميدة لتقريب وجهات النظر، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية للطرفين؛ فواشنطن تبحث عن مخرج يحقق مكاسب أمنية دون الانزلاق إلى استنزاف عسكري طويل، بينما تسعى طهران لكسر طوق العزلة الاقتصادية الخانقة دون التفريط في سيادتها النووية. هذا الوضع وضع حكومة شهباز شريف والمؤسسة العسكرية بقيادة المشير عاصم منير أمام تحدي إثبات قدرة "القوة الناعمة المدعومة بالثقل العسكري" على فرض واقع جديد.
ومع دقات الساعة المتسارعة، يبدو أن إسلام آباد تسابق الزمن لتثبيت وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن مطلع الشهر الجاري، في محاولة لتحويله إلى "اتفاق سلام شامل" يرتكز على تفاهمات بنيوية لا مجرد مسكنات مؤقتة. وتكتسب هذه الوساطة أهميتها من كونها تجري في لحظة "سيولة استراتيجية"، حيث تتداخل فيها التهديدات السيبرانية مع حوادث احتجاز السفن في الممرات المائية الحيوية، مما يجعل من المقترحات الباكستانية التي تُطرح اليوم على طاولة البحث بمثابة "خرطوشة الإنقاذ الأخيرة" التي قد تجنب المنطقة سيناريوهات الصدام المباشر الذي بات يلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى.

أدوات الضغط: هل تملك إسلام آباد "مفاتيح" الحل؟
تجد باكستان نفسها اليوم في اختبار تاريخي لقدرتها على موازنة القوى، حيث تحاول تحويل موقعها الجغرافي المأزوم إلى "منصة تفاوضية" فريدة. فرغم الأزمات الاقتصادية الخانقة، يرى مراقبون في (Global Affairs) و(Iran International) أن إسلام آباد لا تتحرك من فراغ، بل تستند إلى شبكة معقدة من المصالح العسكرية والاستخباراتية التي تجعلها "الوسيط الذي لا يمكن تجاوزه". ففي حين تفشل القنوات الدبلوماسية التقليدية، تبرز "دبلوماسية البذلات العسكرية" الباكستانية كخيار أخير لإقناع طهران وواشنطن بالجلوس مجدداً على طاولة المفاوضات، مستغلةً حاجة الطرفين لتجنب صراع شامل في ربيع عام 2026.
تعتمد قوة الضغط الباكستانية في المقام الأول على "العلاقة العسكرية المباشرة" التي يقودها المشير عاصم منير، قائد الجيش، والذي بات يتحرك كمهندس لهذا المسار؛ فبحسب تقارير معهد دراسات الحرب (ISW) الصادرة في 16 أبريل، نجح منير في عقد لقاءات غير مسبوقة مع قادة الحرس الثوري الإيراني في طهران، هدفت بالأساس إلى تفكيك "العقد التقنية" التي تعيق العودة للاتفاق النووي، مستفيداً من لغة المصالح العسكرية المشتركة لتأمين حدود بلوشستان المضطربة كـ "عربون ثقة" متبادل بين الجانبين، بالتزامن مع فتحه خطوط اتصال ساخنة مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) لضمان عدم حدوث احتكاك عسكري غير محسوب خلال فترة التفاوض.
أما الميزة الثانية فتكمن في "العبقرية الجيوسياسية" للموقع الباكستاني، حيث تدرك الإدارة الأمريكية أن إسلام آباد هي "صندوق البريد" الوحيد القادر على إيصال الرسائل الحساسة إلى طهران بضمانات إقليمية؛ فباكستان ليست مجرد جار لإيران، بل هي حليف دفاعي صلب للسعودية وشريك استراتيجي لواشنطن في مكافحة الإرهاب، وهذا التموضع الفريد يمنحها قدرة على تقديم "تطمينات متبادلة" لا تملكها عواصم أخرى، مما يجعل مقترح "اتفاق السلام الشامل" الذي تسوقه إسلام آباد اليوم 22 أبريل يحمل ثقلاً واقعياً يتجاوز مجرد الأمنيات الدبلوماسية.
وفيما يتعلق بـ "الغطاء الإقليمي"، فقد نجحت الدبلوماسية الباكستانية في تحصين وساطتها بحزام أمان من القوى الوازنة، وهو ما تجلى في تحركات وزير الخارجية إسحاق دار المكثفة؛ فوفقاً لمصادر ديبلوماسية تابعت اتصالاته مع القاهرة والرياض وأنقرة في 19 أبريل الجاري، استطاع دار بناء إجماع إقليمي يدعم المبادرة الباكستانية، بهدف عزل أي محاولات لعرقلة الاتفاق من قبل "الأطراف المتطرفة" في المنطقة، وضمان أن يكون أي حل قادم مدعوماً بوعود استثمارية عربية وإقليمية تساعد في تثبيت الاستقرار الاقتصادي في إيران وباكستان على حد سواء.
وبعد تعثر محادثات "فندق سيرينا" في 12 أبريل، تحاول إسلام آباد اليوم طرح مسودة مطورة لـ "الجولة الثانية" تتضمن بنوداً إجرائية شديدة الحساسية، تهدف بالأساس إلى كسر الجمود من خلال "بروتوكول مضيق هرمز"؛ ويقضي هذا البند بضمان إيران حرية الملاحة الكاملة وتعهدها بعدم اعتراض الناقلات، مقابل التزام أمريكي ملموس بتخفيف الحصار البحري والسماح بمرور شحنات نفطية محددة، وهي المقايضة التي فرضتها ظروف التوتر الميداني الأخيرة وتقارير وكالة "شينخوا" حول تكرار حوادث الاحتكاك البحري التي كادت أن تشعل فتيل الحرب مطلع هذا الأسبوع.
وفي قلب هذه المفاوضات تقبع "معضلة اليورانيوم"، حيث تقترح الوساطة الباكستانية "صيغة وسطى" قد تكون المخرج الوحيد للأزمة، وتتمثل في نقل المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب إلى "أراضٍ ثالثة" تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع ترجيح أن تكون باكستان أو تركيا هما المستودع لهذا المخزون كضمانة أمنية؛ وهذا المقترح هو ما دفع الرئيس ترامب للتصريح بتفاؤل حذر في 16 أبريل الماضي بأن إيران "أصبحت قريبة من الموافقة"، مما يشير إلى أن الطرفين بدآ يتقبلان فكرة "التنازل المتزامن" الذي تديره إسلام آباد ببراعة.
أخيرا، تركز الجولة الثانية على صياغة "ضمانات أمنية متبادلة" غير مسبوقة، تشمل وقف العمليات السيبرانية الهجومية المتبادلة ولجم الأنشطة العسكرية بالوكالة في مناطق النزاع، مقابل التزام واشنطن بتجميد فرض أي عقوبات اقتصادية جديدة والبدء في جدولة رفع العقوبات الحالية؛ هذه البنود، رغم صعوبتها، تمثل في نظر المفاوض الباكستاني اليوم "خارطة الطريق الوحيدة" المتبقية لتجنب انفجار إقليمي شامل، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه الساعات القادمة من اتصالات حاسمة.

تحديات راهنة: 
رغم نبرة التفاؤل الحذرة التي حاول رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تصديرها للعالم بشأن اقتراب "اتفاق السلام الشامل"، إلا أن الواقع الميداني اليوم، 22 أبريل، يكشف عن هوة سحيقة من انعدام الثقة تهدد بانهيار الجهود المكوكية التي بذلتها إسلام آباد. فالدبلوماسية التي تدار في الغرف المغلقة تصطدم بجدار من التصعيد على الأرض ومنصات الإعلام الرسمي، حيث يبدو أن الأطراف المتصارعة تمارس لعبة "حافة الهاوية" لتحسين شروط التفاوض في اللحظات الأخيرة، مما يضع الوساطة الباكستانية بين مطرقة المطالب الأمريكية الصارمة وسندان الارتياب الإيراني المتصاعد.
تتجلى أولى هذه العقبات في "التشكيك الإيراني" المتصاعد، حيث شنت وكالة "تسنيم" الدولية، الذراع الإعلامي المقرب من الحرس الثوري، هجوماً دبلوماسياً في تحديثاتها الأخيرة الصادرة قبل يومين؛ فنفت طهران وجود أي قرار نهائي بإرسال وفد رفيع المستوى للمشاركة في "الجولة الثانية" بباكستان، واصفةً الوعود الأمريكية بأنها "فخ دبلوماسي". وترى الدوائر القرار في طهران أن واشنطن تضع "مطالب تعجيزية" تتعلق بتفكيك كامل للبنية التحتية النووية وليس مجرد تجميد التخصيب، وهو ما تعتبره القيادة الإيرانية تجاوزاً للخطوط الحمراء، مما يجعل مهمة الوسطاء الباكستانيين في إقناع طهران بالجلوس مجدداً بالغة الصعوبة اليوم.
وعلى الصعيد الميداني، فجرت حادثة "احتجاز السفن" في خليج عمان أزمة ثقة خانقة؛ فقيام القوات البحرية الأمريكية باعتراض واحتجاز سفينة شحن ترفع العلم الإيراني مطلع هذا الأسبوع بتهمة نقل تقنيات مسيرة، أعطى الذريعة للجناح المتشدد في إيران للمطالبة بوقف كافة أشكال الحوار. هذا التصعيد الميداني جعل مهمة الملحقين العسكريين الباكستانيين الذين يعملون كقنوات اتصال سرية في وضع حرج، حيث بات عليهم تقديم تفسيرات وضمانات أمنية ملموسة لطهران بأن مسار التفاوض لن يكون غطاءً لعمليات تضييق عسكري أو اقتصادي مستمرة في مياه المنطقة.
وفي غضون ذلك، يبرز "الضغط الداخلي في واشنطن" كعامل ضغط إضافي على الوساطة؛ فالرئيس ترامب، الذي يواجه استحقاقات سياسية ضاغطة ومطالبات بإغلاق الملف الإيراني ليتفرغ لملفات دولية أخرى، بدأ يلوح بسياسة "الصفقة الكبرى أو اللا اتفاق". ورغم تصريحه الأخير حول استعداده للتوجه شخصياً إلى إسلام آباد لتوقيع اتفاق "تاريخي"، إلا أن هذا العرض مشروط بتنازل إيراني "فوري ونهائي" بشأن ملف التخصيب، وهو ما يضع الوسيط الباكستاني في سباق مع الزمن للتوفيق بين رغبة واشنطن في الحسم السريع وبين تكتيك النفس الطويل الذي تنتهجه طهران، مما يجعل الساعات القادمة من هذا اليوم حاسمة في تحديد مصير المنطقة.
في المحصلة النهائية، تقف الوساطة الباكستانية اليوم على حافة الهاوية في اختبار هو الأصعب لدبلوماسيتها منذ عقود؛ فإما أن تنجح "دبلوماسية الجيش والسياسة" في انتزاع توقيع تاريخي ينهي "حرب 2026" ويضع حداً لاستنزاف المنطقة، أو تتحول إسلام آباد من وسيط فاعل إلى مجرد شاهد عيان على جولة جديدة وأكثر عنفاً من التصعيد العسكري الذي قد يخرج عن السيطرة. إن الساعات القادمة لن تحدد فقط مصير الاتفاق، بل سترسم ملامح الدور الباكستاني الجديد في النظام الإقليمي، فإما أن تكون إسلام آباد جسراً للسلام أو ضحية لصدام العمالقة الذي لا يرحم.

شارك