أزمة "العمامة" في عصر التنوير: ارتباك الفقه أمام حرية الضمير
الأربعاء 22/أبريل/2026 - 12:31 م
طباعة
حسام الحداد
تُعد المناظرة الفكرية التي شهدها برنامج "بصيرة الحق" قبل يومين بين الباحث عادل عصمت والمفكر الإسلامي الدكتور عبد الغني هندي، أكثر من مجرد سجال عابر؛ إنها تمثيل حي للصراع الوجودي القائم في العقل العربي المعاصر بين سلطة "النص الإلهي" المطلق وسلطة "التراث الفقهي" النسبي. لقد وضعت هذه الحلقة المجهر على أزمة "المنهج" التي يعاني منها الخطاب الديني التقليدي، والتي تجلت في محاولة الدفاع عن أصول فقهية تشكلت في سياقات إمبراطورية قديمة، أمام قراءة تنويرية حداثية تسعى لتجريد الإسلام من التراكمات التاريخية التي أثقلت كاهله وحولته في بعض تمثلاته إلى أداة إقصائية.
إن الاشتباك المعرفي حول دور الإمام الشافعي ومفهوم "حد الردة" لم يكن غرضه النيل من الرموز التاريخية، بل كان محاولة جادة لتفكيك "البنية الأصولية" التي تمنح الفكر المتطرف شرعيته من داخل كتب التراث. فبينما يصر التيار التقليدي على حماية "المنظومة" باعتبارها سياجاً للدين، يرى التيار التنويري أن هذا السياج قد تحول إلى قيد عطل مقاصد الشريعة العليا، وعلى رأسها الحرية والرحمة. ومن هنا، تأتي هذه المراجعة لترصد كيف تحول "المجال التداولي" للمناظرة إلى كاشف للعجز الفقهي عن مواجهة صراحة النص القرآني حين يتعلق الأمر بحقوق الإنسان الأساسية.
الجدل حول المنهج الأصولي (الشافعي في قفص الاتهام)
تركز الرؤية التي طرحها الأستاذ عادل عصمت على أن الإمام الشافعي أحدث انعطافة بنيوية في العقل المسلم من خلال كتابه "الرسالة"، حيث شرعن لما يسمى بـ "الوحيين"، معتبراً أن الحديث النبوي (المرويات) ليس مجرد بيان للقرآن، بل هو وحي مساوٍ له في الحجية التشريعية. هذا الطرح يرى فيه التنويريون "إطاحة" بمرجعية النص القرآني المطلقة، إذ سمح للمرويات البشرية الظنية —التي قد يدخلها الدس أو الوضع— أن تقيد النص الإلهي اليقيني أو تخصص عمومه، مما فتح الباب تاريخياً لظهور ممارسات وتشريعات متشددة تستند إلى أحاديث آحاد تصادم مقاصد القرآن الكلية، وهو ما اعتبره عصمت النبتة الأولى التي استغلتها جماعات الإسلام السياسي لاحقاً.
كما يتناول عصمت توسع الشافعي في توظيف أداة "النسخ"، وهي الآلية التي يرى التنويريون أنها استُخدمت لتعطيل المئات من الآيات القرآنية التي تدعو إلى السلم، والرحمة، وحرية الاعتقاد. فمن خلال تقديم "آية السيف" (أو آيات القتال) وجعلها ناسخة لما قبلها، تم تحويل القرآن من كتاب ذي رسالة عالمية إنسانية إلى نص محكوم بسياق حربي تاريخي. هذا المنهج الأصولي، بحسب الطرح التنويري، قدم للجماعات المتطرفة "سنداً فقهياً" شرعياً لإلغاء قيم التسامح القرآني بدعوى أنها منسوخة أو منتهية الصلاحية التشريعية، مما جعل النص التراثي حاكماً على النص الإلهي وليس تابعاً له.
على الجانب المقابل، انبرى الدكتور عبد الغني هندي للدفاع عن الإمام الشافعي من منظور "المؤسسة الرسمية"، معتبراً أن الشافعي لم يبتدع ديناً جديداً، بل كان "منظماً للعلوم" وضابطاً لآليات الاستنباط التي كانت مشتتة قبله. ويشدد هندي على أن التمسك بحجية السنة هو التزام بأمر قرآني (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، وأن السنة هي المفصل والمفسر لما أجمله الكتاب. وفي محاولة لامتصاص حدة النقد، أكد هندي أن التراث الفقهي والمذاهب الأربعة هي "اجتهادات بشرية" نتاج زمانها وليست نصوصاً مقدسة، لكنه ظل متمسكاً بأن المنهج الأصولي الشافعي هو الضمانة لحفظ الدين من التأويلات الفردية المنفلتة، نافياً أن يكون هذا المنهج مسؤولاً عن انحرافات الجماعات المتطرفة التي تسيء فهم التراث وتنزعه من سياقه.
قضية حد الردة.. بين "حرية العقيدة" و"التبرير التاريخي"
انطلق الأستاذ عادل عصمت في نقد "حد الردة" من قاعدة قرآنية صلبة، محاججاً بأن القرآن الكريم لم يغفل عن ذكر المرتد، بل وصف حالته بدقة مذهلة في سورة النساء حين قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا...﴾. وأوضح عصمت أن هذه الآية تمثل حجة دامغة ضد القتل؛ فكيف يمكن لشخص أن "يؤمن ثم يكفر ثم يؤمن ثم يكفر" إذا كان القتل ينتظره فور كفره الأول؟ هذا التكرار في فعل الردة والعودة يثبت أن العقوبة الدنيوية (القتل) غائبة تماماً في التشريع الإلهي، وأن الله قد كفل للإنسان مساحة من الاختيار المتردد حتى الرمق الأخير، جاعلاً الحساب مؤجلاً للآخرة وحده، وهو ما يعزز فلسفة "الرحمة المهداة" التي يرى عصمت أنها شُوهت باستجلاب أحكام من شرائع سابقة.
في سياق متصل، استعرض آية ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ كدستور إلهي للتعامل مع الإساءة الفكرية أو الكفر الصريح. ويرى عصمت أن هذا النص يمثل قمة التسامح الإسلامي، حيث لم يأمر الله بقتل من يخوض في آياته أو التنكيل به، بل أمر بـ "الإعراض" المؤقت كفعل حضاري ينهي الجدال العقيم دون إراقة دماء. هذا الطرح يضع "سنة الله" في مواجهة مباشرة مع "المرويات التاريخية" التي استند إليها الفقهاء، مؤكداً أن القرآن يقرر حرية الاعتقاد والترك كحق أصيل للفرد، وأن تحويل الدين إلى "مؤسسة قمعية" تقتل من يغادرها هو نتاج فقه سياسي نشأ في عصور لاحقة لخدمة استقرار السلطة، وليس لخدمة جوهر الإيمان.
على الضفة الأخرى، تجلى ارتباك العقل الفقهي في ردود الدكتور عبد الغني هندي، الذي حوصر بين صرامة النص القرآني وبين ثقل الموروث المتمثل في "حد الردة". فظهر خطابه متأرجحاً وغير متسق؛ تارة يحاول ترحيل العقوبة إلى "الإطار الجماعي" أو السياسي (كالخروج على الدولة أو الإفساد) مستشهداً بحروب الردة التي قادها أبو بكر الصديق، وتارة أخرى ينفي وجود عقوبة قتل للفرد الذي يغير دينه في الوقت الحالي، متحدثاً عن "الاستتابة" و"القانون الوضعي". هذا التضارب يعكس بوضوح أزمة "العمامة" في مواجهة التنوير؛ فهي لا تجرؤ على إنكار الحديث (من بدل دينه فاقتلوه) صراحةً، وفي الوقت نفسه تعجز عن الدفاع عن "القتل" في عصر حقوق الإنسان، مما يجعلها تلجأ لتبريرات تاريخية تخلط بين "الجريمة السياسية" و"حرية الضمير".
التحليل النقدي
تتجلى الأزمة البنيوية في الخطاب التقليدي في إصراره على منح "المروية التاريخية" والحديث والواقعة المنقولة سلطةً تتجاوز "الكلية القرآنية" المحكمة. فبينما قدم التيار التنويري نصوصاً قرآنية قطعية الدلالة على حرية الاعتقاد، لجأ الدكتور هندي إلى "تبريرات سياقية" مستمدة من حروب الردة وتصرفات سياسية للصحابة، محاولاً تحويل قرار حربي أو سياسي اتخذه الخليفة الأول إلى "تشريع إلهي" عابر للزمان والمكان. هذا المسلك يكشف عن خلل منهجي حيث يُجعل التاريخ (النسبي والسياسي) حكماً على النص الإلهي (المطلق والأخلاقي)، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تغييب المقاصد القرآنية الكلية لصالح سرديات فقهية تشكلت في غرف السياسة الأموية والعباسية.
نجح عادل عصمت في تعرية واحدة من أخطر الأدوات في الفقه التقليدي وهي "أسطورة النسخ"، وتحديداً فرية "نسخ السنة للقرآن" أو نسخ آيات "الصفح والرحمة" بآيات "السيف والقتال". هذه الآلية ليست مجرد جدل لغوي، بل هي "الثغرة اللاهوتية" التي تتسلل منها الجماعات المتطرفة لتجريد الإسلام من بعده الأخلاقي الإنساني. إن تعطيل مئات الآيات التي تأمر بالبر والقسط والحرية، بحجة أنها "منسوخة" بآيات نزلت في سياق اشتباك حربي مؤقت، هو الذي منح المشروعية الفقهية لداعش وأخواتها لاستباحة الدماء، وهو ما يجعل نقد منهج الشافعي في النسخ ضرورة أمنية وحضارية قبل أن تكون دينية.
يمثل مفهوم "الاستتابة" الذي طرحه الخطاب التقليدي كبديل "ناعم" للقتل، ذروة الوصاية الدينية التي يرفضها الفكر التنويري جملة وتفصيلاً. فبينما يكفل القرآن للإنسان "حرية الضمير" المطلقة وعلاقته المباشرة مع الخالق، تحاول "الاستتابة" تنصيب المؤسسة الدينية أو القاضي وصياً على عقل الفرد وقلبه، وإجباره على التظاهر بالإيمان تحت طائلة التهديد. إن هذا المفهوم يتناقض جذرياً مع جوهر الإيمان القرآني القائم على الطواعية والصدق، ويحول الدين إلى "انتماء قبلي" إجباري لا يقبل الخروج، مما يعزز ثقافة النفاق الاجتماعي ويقيد الحرية الإنسانية التي هي المقصد الأسمى للرسالة المحمدية، كما أكد عادل عصمت في استدلاله بجماليات الإعراض عن المسيء لا ترهيبه.
في المحصلة، لم تكن مناظرة "بصيرة الحق" مجرد اختلاف في وجهات النظر حول قضايا فرعية، بل كانت مواجهة بين "إسلامين": إسلام القرون الوسطى بآلياته الدفاعية وسلطته الوصائية، وإسلام المستقبل بقيمه الإنسانية وتحرره المعرفي. لقد أثبت السياق التحليلي للمناظرة أن طريق الإصلاح الديني يبدأ حتماً من "المركزية القرآنية" التي تعيد الاعتبار للعقل والضمير الفردي، وتفكك الارتباط المشبوه بين المقدس الإلهي والاجتهاد البشري المأزوم تاريخياً. إنها دعوة ملحة لإنهاء حالة "الاغتراب عن النص" والعودة إلى رحاب الرسالة الأولى التي لم تعرف السيف طريقاً للقلوب، بل عرفت الحجة والبيان والإعراض الجميل.
