حسام الحداد يكتب: هجمات "السبت الأسود" تزلزل باماكو وتضع التحالف مع موسكو على المحك
الأربعاء 29/أبريل/2026 - 11:39 ص
طباعة
حسام الحداد
لم تكن الانفجارات التي هزت أركان باماكو فجر الخامس والعشرين من أبريل مجرد هجمات عابرة في سياق اضطرابات أمنية معتادة، بل مثّلت زلزالاً سياسياً وعسكرياً ضرب "مربع القوة" في مالي، واضعاً البلاد أمام أحد أخطر المنعطفات في تاريخها الحديث. ففي مشهد وصفه مراقبون دوليون بـ "فجر القيامة"، تهاوت المنظومة الدفاعية في أكثر المواقع تحصيناً، من قاعدة "كاتي" الاستراتيجية إلى مطار باماكو الدولي، لتعلن المجموعات المسلحة عن تحول نوعي في استراتيجيتها بنقل المعركة من الفيافي الشمالية إلى عمق العاصمة السيادية. هذا الاختراق الذي أودى بحياة وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، لم يكن ليمر دون أن يترك باماكو في حالة من الذهول، ويضع وعود المجلس العسكري باستعادة الأمن القومي تحت مقصلة النقد الميداني اللاذع.
تأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة لتعيد طرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة الرهان المالي على "القبضة الروسية" كبديل عن الوجود الفرنسي والأممي؛ فالهجمات المنسقة بين جماعات القاعدة وانفصاليي الطوارق كشفت عن ثغرات أمنية لم يفلح "الفيلق الإفريقي" في ردمها، بل إن تقارير الانسحاب من كيدال عززت الشكوك في قدرة موسكو على حماية حلفائها في لحظات الصدام الكبرى. وبينما يحاول الجنرال أسيمي غويتا استعادة زمام المبادرة عبر خطابات "السيطرة"، يبدو أن الواقع على الأرض يشير إلى مأزق وجودي يهدد بتفكك سيادي، مما قد يفتح الباب أمام عودة القوى الإقليمية، كالجزائر، كفاعل لا غنى عنه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في منطقة الساحل التي باتت برميلاً من البارود ينتظر لحظة الانفجار الكبير.
ليلة الانفجارات وسقوط "الرجل القوي"
بدأ المشهد الدرامي في تمام الساعة الخامسة من فجر يوم 25 أبريل، حين استيقظ سكان العاصمة باماكو وضواحيها على دوي انفجارات متسلسلة وصفت بأنها "الأعنف" منذ سنوات، حيث تعرضت قاعدة "كاتي" العسكرية —التي تعد قلب النظام النابض ومقر إقامة الجنرال أسيمي غويتا— لهجوم انتحاري مزدوج أعقبه اقتحام بالأسلحة الثقيلة. وبالتزامن مع حصار "كاتي"، تعرض مطار باماكو الدولي لهجوم موازٍ استهدف منشآت حيوية فيه، مما تسبب في توقف كامل للملاحة الجوية. ولم يقتصر الهجوم على العاصمة، بل امتد في تنسيق زمني لافت ليشمل مدن سيفاري وغاو وكيدال في الشمال والوسط، مما عكس قدرة المهاجمين على ضرب مفاصل الدولة في وقت واحد وإرباك غرف العمليات المركزية.
في خضم الفوضى العارمة، تلقت السلطة العسكرية ضربة قاصمة وصفتها نشرة The Defense Post بالخسارة السيادية الكبرى؛ حيث تأكد مقتل وزير الدفاع والرجل القوي في المجلس العسكري، الجنرال ساديو كامارا، إثر انفجار ضخم استهدف مقر إقامته داخل المربع الأمني المحصن. وبينما ساد الصمت الرسمي في الساعات الأولى، تسربت تقارير من مصادر طبية ومستشفيات ميدانية لوسائل إعلام دولية، أكدت أن حصيلة القتلى في قاعدة "كاتي" وحدها قفزت إلى 23 قتيلاً على الأقل، بينهم ضباط رفيعو المستوى وحراس شخصيون، مما كشف عن حجم الاختراق الأمني الكبير الذي مكن المهاجمين من الوصول إلى أهداف عالية القيمة وتصفية أحد أبرز مهندسي التحالف المالي-الروسي.
تحالف "الضرورة" بين القاعدة والانفصاليين
وفقاً لتحليلات معمقة نشرتها وكالة رويترز وصحيفة لوموند، فإن السمة الأبرز والأكثر خطورة في هذه الموجة من العنف تكمن في التنسيق الميداني "غير المسبوق" بين قطبين متنافرين أيديولوجياً: جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة، و"جبهة تحرير أزواد" (FLA) التي تمثل التيار الانفصالي الطوارقي. هذا التحالف التكتيكي، الذي وصفه مراقبون بأنه "زواج مصلحة مؤقت"، نجح في تجاوز الصراعات التاريخية بين الطرفين لتركيز الجهود ضد العدو المشترك المتمثل في المجلس العسكري وحلفائه من "الفيلق الإفريقي" الروسي. وقد تجلى هذا التعاون في دقة التوقيت وتوزيع الأدوار، حيث شُغلت القوات الحكومية في جبهات الشمال المفتوحة، بينما كانت الخلايا النائمة والمجموعات الانتحارية تضرب العمق الاستراتيجي في الجنوب.
أثبت هذا التنسيق العالي قدرة المجموعات المسلحة على نقل ثقل المعركة من الصحراء الكبرى والمناطق الحدودية النائية إلى قلب مراكز القيادة والسيطرة في الجنوب المالي، وهو ما أربك حسابات الجيش المالي (FAMA) بشكل كامل. فبدلاً من مواجهة تمرد محلي مشتت، وجدت باماكو نفسها أمام "كماشة عسكرية" تدار بعقلية احترافية، حيث استخدمت جبهة تحرير أزواد خبرتها في تضاريس الشمال لقطع طرق الإمداد، بينما تولت جماعة "نصرة الإسلام" تنفيذ العمليات النوعية والتفجيرات داخل المربع الأمني للعاصمة. هذا التحول النوعي يضع المجلس العسكري أمام مأزق أمني وجودي، إذ يبرهن على أن الاستراتيجية الدفاعية الحالية باتت عاجزة عن حماية سيادة الدولة، حتى في أكثر مناطقها تحصيناً.
غويتا يظهر.. والظل الروسي يتراجع
بعد ثلاثة أيام من الغياب الذي أثار عاصفة من التكهنات حول مصيره، ظهر الجنرال أسيمي غويتا يوم الثلاثاء 28 أبريل في خطاب تلفزيوني مقتضب، بدا فيه محاولاً استعادة هيبة الدولة وإرسال رسائل طمأنة للداخل والخارج. وبحسب تقرير لصحيفة عرب نيوز، شدد غويتا على أن القوات المسلحة المالية "أحبطت المؤامرة" وأن "الوضع بات تحت السيطرة تماماً"، متوعداً بملاحقة "العناصر الإرهابية" وتحييدها. وعزز هذا الظهور بلقاء دبلوماسي رفيع مع السفير الروسي إيغور غروميكو، في خطوة فسرها مراقبون بأنها محاولة لتأكيد متانة التحالف مع موسكو، وتفنيد الشائعات التي تحدثت عن تصدع في هرم القيادة عقب مقتل وزير الدفاع.
على الجانب الآخر، كشفت البيانات الصادرة عن موسكو ونشرتها وكالة رويترز عن انخراط مباشر لقوات "الفيلق الإفريقي" (الوريث الشرعي لمجموعة فاغنر) في صد الهجمات، واصفةً ما حدث بأنه "محاولة انقلابية مدعومة من قوى خارجية". ورغم مزاعم الكرملين بإلحاق خسائر جسيمة بالمهاجمين، إلا أن الواقع الميداني رسم صورة مغايرة؛ حيث نقلت شبكة بي بي سي عن مصادر محلية وتقارير استخباراتية تأكيدات بحدوث "انسحاب تكتيكي" مفاجئ للقوات الروسية من مواقع استراتيجية في مدينة كيدال المعقل التاريخي للطوارق. هذا التراجع الميداني عزز التحليلات الغربية التي ذهبت إلى أن الشراكة الأمنية مع روسيا قد تكون أقل فاعلية واستدامة مقارنة بالبعثات الدولية السابقة، مما يترك باماكو في مواجهة مكشوفة مع تمرد يزداد شراسة وتنسيقاً.
إجراءات مشددة وقلق دولي
على الصعيد الميداني، تحولت شوارع باماكو إلى ثكنات عسكرية يعلوها صمت حذر وشلل جزئي في الحركة العامة، حيث أفادت شبكة بي بي سي بأن السلطات المالية فرضت إجراءات أمنية صارمة تضمنت حظر تجوال ليلياً يبدأ من الساعة التاسعة مساءً وحتى السادسة صباحاً، مع نشر نقاط تفتيش مكثفة في المداخل الرئيسية للعاصمة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت حالة الاستنفار لتشمل إغلاق مطار باماكو الدولي مؤقتاً وتعليق كافة الرحلات الجوية التجارية، مما أدى إلى عزل مالي فعلياً عن العالم الخارجي في أعقاب الهجوم الذي طال محيط المطار، وسط مخاوف من وجود خلايا نائمة لا تزال تتحرك داخل المناطق الحضرية.
أثار هذا التدهور الأمني المتسارع موجة من ردود الفعل القلقة في الأروقة الدبلوماسية الدولية، حيث سارعت السفارة الأمريكية في باماكو إلى إصدار تحذيرات أمنية عاجلة، طالبت فيها رعاياها بتوخي أقصى درجات الحيطة والابتعاد عن المنشآت العسكرية والحكومية. وفي السياق ذاته، رفعت وزارة الخارجية البريطانية مستوى تحذيراتها إلى الدرجة القصوى، ناصحةً مواطنيها بعدم السفر إلى مالي نهائياً ومطالبة الموجودين هناك بوضع خطط للمغادرة فور استئناف الرحلات. وتعكس هذه التحركات الدولية قناعة متزايدة لدى العواصم الغربية بأن مالي دخلت مرحلة جديدة من انعدام الاستقرار، تتجاوز قدرة السلطات الحالية على الاحتواء السريع.
آفاق قاتمة ودور إقليمي متعاظم
يرى محللون في صحيفة لوموند الفرنسية أن هذه الانتكاسة العسكرية المدوية قد تشكل "نقطة تحول" تجبر المجلس العسكري في باماكو على إعادة النظر في استراتيجيته القائمة على الحسم العسكري الشامل، والعودة مضطراً إلى طاولة المفاوضات السياسية. هذا التطور الدرامي قد يفتح الباب مجدداً أمام الجزائر لاستعادة دورها المحوري كوسط إقليمي لا غنى عنه في أزمة الساحل، خاصة وأن اتفاق "السلم والمصالحة" الذي رعته سابقاً بات يلوح في الأفق كخيار وحيد لتجنب سيناريو الحرب الأهلية المفتوحة. فالعجز عن حماية العاصمة والمراكز الحيوية يرسل إشارة واضحة بأن الحلول الأمنية المنفردة، حتى مع الدعم الروسي، وصلت إلى طريق مسدود أمام تنسيق الجماعات المسلحة المتصاعد.
في المقابل، تسلط صحف عالمية مثل نيويورك تايمز والغارديان الضوء على معضلة "الشرعية" التي باتت تهدد بقاء النظام العسكري؛ فالسلطة الحالية في مالي بنت كامل سرديتها السياسية وبررت تحولاتها الدبلوماسية نحو موسكو على وعود "استعادة الأمن القومي" و"السيادة الكاملة" بعد رحيل القوات الفرنسية (عملية برخان) وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما). إلا أن وصول النيران إلى قلب باماكو واغتيال قيادات بوزن وزير الدفاع يضع هذه الوعود على المحك، ويظهر هشاشة النظام أمام تمرد يزداد قدرة على المناورة. هذا الضغط الميداني لا يضعف فقط موقف غويتا أمام خصومه في الداخل، بل يعزز شكوك المجتمع الدولي في قدرة التحالف المالي-الروسي على منع تحول البلاد إلى بؤرة لتصدير عدم الاستقرار في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
حتى تاريخ اليوم 29 أبريل، تعيش مالي حالة من "الهدوء الحذر" المشوب بالترقب. وبينما تلملم باماكو جراحها، يظل السؤال القائم: هل تستطيع "القبضة الروسية" حماية ما تبقى من استقرار، أم أن مالي تتجه نحو تفكك سيادي قد يعيد رسم خارطة النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي بأكملها؟
