معضلة الشرعية والتحالفات الضرورية: تفكيك الرؤية الأزوادية عبر "الحدث"

الأحد 03/مايو/2026 - 01:21 م
طباعة معضلة الشرعية والتحالفات حسام الحداد
 
يأتي الحوار الذي أجرته قناة "الحدث" مساء امس 2 مايو 2026، مع محمد المولود رمضان، الناطق الرسمي باسم جبهة تحرير أزواد، في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، حيث تعيد منطقة الساحل الإفريقي تشكيل توازناتها وسط صراعات نفوذ دولية محتدمة وانفجار للأزمات المحلية. لم يكن اللقاء مجرد عرض للتطورات الميدانية المتسارعة في شمال مالي، بل مثل منصة استراتيجية حاول من خلالها الخطاب الأزوادي القفز فوق التنميط الإعلامي التقليدي، وإعادة تقديم نفسه كحراك وطني شامل يتجاوز الأبعاد العرقية الضيقة، ليتموضع كلاعب سياسي يسعى لانتزاع اعتراف دولي بكيان "أمة" تمتلك مشروعاً سياسياً متجذراً في التاريخ، ومستنداً إلى حق تقرير المصير الذي تآكلت مساراته السلمية بفعل التحولات العسكرية في باماكو.
من جانب آخر، كشف هذا اللقاء عن حجم التعقيدات التي تكتنف المشهد الأزوادي، خاصة في ظل الموازنة الصعبة بين مقتضيات "البقاء الميداني" والبحث عن "الشرعية السياسية". فقد برزت بوضوح ملامح استراتيجية "الواقعية القاسية" التي تتبعها الجبهة، سواء في ترسيم حدودها العسكرية داخل الإقليم الخماسي، أو في تبرير تحالفاتها التكتيكية المثيرة للجدل لمواجهة تمدد مجموعة "فاغنر" والجيش المالي. إن هذا التحليل يسعى لفك الشفرات السياسية والدبلوماسية التي تضمنها حديث رمضان، واستشراف آفاق الحراك الأزوادي في ظل "معضلة الشرعية" التي تجعله يقف على خيط رفيع بين كونه حركة تحرر وطني معترف بها، أو بقائه في دائرة العزلة الدولية نتيجة الضغوط الأمنية والتحالفات الميدانية الملتبسة.

صياغة الهوية السياسية "الأزوادية"
في مستهل اللقاء، تعمّد محمد المولود رمضان ممارسة نوع من "التصحيح الهوياتي" للجبهة، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف كينونة الحراك الأزوادي أمام الرأي العام العربي والدولي. فمن خلال نفيه القاطع لاختزال الجبهة في كونها "حركة طوارق" فقط، أراد تقويض السردية التي تحصر الصراع في إطار عرقي ضيق، مصدراً بدلاً عنها مفهوماً أشمل يصف الجبهة بأنها "حركة شعب وأمة". هذا التوصيف لا يهدف فقط إلى استعراض التنوع الإثني الذي يضم الطوارق والعرب والفلان والسنغاي، بل يسعى إلى تقديم "أزواد" ككيان سياسي واجتماعي متكامل يمتلك مقومات الدولة والأمة، مما يمنح المطالب الانفصالية أو الاستقلالية صبغة "الشرعية الوطنية" الشاملة التي تتجاوز الانقسامات القبليّة، ويفتح الباب لكسب تأييد إقليمي ودولي أوسع يتخوف عادة من الحركات العرقية الصرفة.
علاوة على ذلك، يمثل هذا الإصرار على التنوع العرقي محاولة جادة لتجاوز ما أسماه رمضان "التقزيم" السياسي للقضية الأزوادية. فمن وجهة نظر التحليل السياسي، يرى المتحدث أن حصر الحراك في مكون "الطوارق" هو تكتيك تتبعه الأطراف الخصمة (سواء في باماكو أو القوى الدولية) لتقليص حجم المطالب التاريخية وتصويرها كنزاع فئوي على امتيازات محلية بدلاً من كونها قضية "تقرير مصير" لشعب بأكمله. ومن خلال هذا التفصيل، يحاول رمضان ربط النضال الحالي بجذوره التاريخية التي تعود لعام 1958، مؤكداً أن الصراع ليس وليد اللحظة أو نتاج تمرد عرقية واحدة، بل هو مشروع سياسي متراكم يهدف إلى استعادة سيادة إقليم جغرافي متجانس في تطلعاته السياسية رغم تنوعه الإثني، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية التعامل مع قضية "أمة" لا مجرد "اضطرابات إثنية".

الأهداف العسكرية والسياسية: استراتيجية "تحرير التراب"
رسم محمد المولود رمضان خارطة طريق عسكرية واضحة المعالم، ترتكز استراتيجيتها على ما سماه "تحرير التراب الأزوادِي"، حيث حدد بنك الأهداف الميدانية في استعادة السيطرة الكاملة على الولايات الخمس المكونة للإقليم (كيدال، جاو، تمبكتو، ميناكا، وتاودني). اللافت في حديثه هو الإصرار على "ترسيم حدود الصراع"، حيث بعث برسائل طمأنة سياسية (للداخل المالي وللمجتمع الدولي) تؤكد أن طموحات الجبهة العسكرية هي طموحات "مناطقية" حصراً، تنتهي عند الحدود الجغرافية لإقليم أزواد، ولا توجد أي نية للزحف جنوباً نحو العاصمة باماكو. هذا التحديد الدقيق للمجال الحيوي للعمليات العسكرية يهدف إلى نزع صفة "الحرب الأهلية الشاملة" عن الصراع، وتصويره كحراك تحرري يهدف لاسترجاع أرض محددة، مما يمنح الجبهة موقفاً تفاوضياً أقوى مستقبلاً كطرف يسعى للسيادة على إقليمه لا للسيطرة على الدولة المالية ككل.
أما على الصعيد السياسي، فقد تبنى رمضان خطاباً هجومياً حاداً تجاه السلطة المركزية، واصفاً النظام الحالي في باماكو بـ "النظام الانقلابي" الذي يفتقر للشرعية. وحمل المتحدث هذا النظام مسؤولية "الخيانة السياسية" لاتفاق السلام (اتفاق الجزائر)، معتبراً أن الانقلابيين قوضوا ثماني سنوات من الاستقرار النسبي والالتزام بالعهود بقرار أحادي. هذا الموقف يتجاوز مجرد الخلاف على السلطة؛ فهو يصور الجبهة كطرف كان يسعى للسلام والحلول السياسية، بينما يصور السلطة في باماكو كطرف "مارق" استبدل لغة الحوار بجلب مرتزقة "فاغنر" لشن الحرب. ومن خلال هذا الربط، يحاول رمضان شرعنة العمل العسكري الحالي باعتباره "رداً اضطرارياً" للدفاع عن النفس واستعادة الحقوق بعد أن أُغلق باب السياسة بإحكام من قبل العسكريين الحاكمين في باماكو.

"التحالفات الضرورية" والجدل الإرهابي
تعتبر قضية "التحالفات الميدانية" النقطة الأكثر حساسية وإثارة للجدل في اللقاء، حيث لم ينفِ رمضان وجود "تنسيق تكتيكي" مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد اعتمد المتحدث في تبرير هذا التقارب على "براغماتية الضرورة"، مصوراً التحالف كحالة دفاعية فرضها الواقع الجغرافي والاجتماعي؛ فهم في النهاية "أبناء منطقة واحدة" ينتمون لنفس القبائل والعائلات، ويواجهون ما وصفه بـ "العدو الوجودي المشترك" المتمثل في الجيش المالي وقوات "فاغنر" الروسية. هذا الطرح يحاول تحويل الجدل من "شبهة الإرهاب" إلى "ضرورة البقاء"، حيث يرى المتحدث أن العالم الذي صمت تجاه فظائع فاغنر لا يملك الحق الأخلاقي في مساءلة الأزواديين عن هوية من يقاتل معهم في خندق واحد لحماية عائلاتهم ومدنهم.
وفي محاولة لترميم الصورة السياسية للجبهة أمام المجتمع الدولي، حرص رمضان على وضع خطوط فاصلة واضحة في "النفي الإيديولوجي"، مفرقاً بشكل حازم بين مشروعه السياسي الوطني وبين الأجندات الجهادية العابرة للحدود. استند رمضان في مرافعتِهِ إلى "سلوك الجبهة" كدليل براءة؛ فهي لم تمارس اختطاف الرهائن، ولم تنفذ عمليات خارج إقليم أزواد، ولا تتبنى خطاباً عدائياً تجاه الجوار أو الغرب، بل تكتفي بمطلب "تقرير المصير" ضمن حدودها التاريخية. هذا الفصل الاستراتيجي يهدف إلى إرسال رسالة للقوى الدولية مفادها أن الجبهة "شريك سياسي" يمكن التفاوض معه، وأن تقاطع المصالح الميداني مع الجماعات المتطرفة هو نتيجة "عزلة الأزواديين" وتخلي المجتمع الدولي عنهم، وليس انصهاراً في أيديولوجيا التطرف.

العامل الدولي: روسيا وفاغنر
تبنى محمد المولود رمضان خطاباً مزدوجاً يتسم بالذكاء السياسي والمناورة تجاه التغلغل الروسي في المنطقة، حيث رسم فاصلاً حاداً بين "مجموعة فاغنر" كأداة عسكرية وبين "الدولة الروسية" ككيان سياسي دولي. فمن جهة، شن هجوماً لاذعاً على فاغنر، واصفاً إياها بالمنظمة الإرهابية التي ارتكبت جرائم حرب مروعة شملت تصفية المدنيين، وحرق الغابات، وتدمير البنى التحتية والمستشفيات في إقليم أزواد. هذا التوصيف لا يهدف فقط إلى التنديد بالانتهاكات، بل يسعى إلى "شيطنة" الأداة الضاربة للنظام المالي دولياً، ومحاولة تأليب المنظمات الحقوقية ضد الوجود العسكري الروسي غير الرسمي، وتبرير العمليات العسكرية للجبهة باعتبارها "مقاومة شرعية" ضد مرتزقة أجانب يعيثون فساداً في الأرض.
وفي المقابل، وفي مفارقة سياسية لافتة، حرص رمضان على إبقاء "الباب الموارب" مع الكرملين، حيث وجه خطاباً مباشراً وهادئاً للحكومة الروسية، داعياً إياها لمراجعة تحالفها مع "انقلابيي باماكو". وصف رمضان روسيا بـ "الدولة العظمى" وعضو مجلس الأمن الدائم الذي يحترم تاريخه ودوره الدولي، معتبراً أن مصلحة موسكو الاستراتيجية تكمن في الانفتاح على "الشعب الأزوادِي" وقضيته العادلة بدلاً من المراهنة على نظام عسكري غير مستقر. هذا الخطاب يعكس رغبة الجبهة في تحييد الموقف الروسي الرسمي أو على الأقل إقناع موسكو بأنها "طرف سياسي رصين" يمكن التعامل معه، وهي محاولة استباقية لفك الارتباط العضوي بين الدولة الروسية والنظام المالي، مما يعكس نضجاً في فهم اللعبة الدولية وموازين القوى العالمية.
أخيرا يبرز محمد المولود رمضان في هذا اللقاء كشخصية "دبلوماسية بزيّ عسكري"، نجحت بذكاء في تقديم القضية الأزوادية ضمن قالب سياسي وتاريخي رصين، مبتعداً بها عن التوصيفات النمطية كتمرد عابر أو مجرد "اضطراب أمني" في الساحل. تكمن نقطة القوة الجوهرية في خطابه في قدرته على ربط الحراك الحالي بجذور تاريخية تعود إلى عام 1958 ، مما يمنح الجبهة عمقاً زمنياً وشرعية نضالية تتجاوز الأحداث الراهنة. هذا التأصيل التاريخي، الممزوج بلغة عصرية تركز على "تقرير المصير" و"الحقوق الإثنية"، يهدف إلى مخاطبة الضمير العالمي والمنظمات الدولية بلغة يفهمونها، محاولاً انتزاع اعتراف بالهوية الأزوادية ككيان سياسي له حقوق تاريخية مسلوبة، لا مجرد حركة مسلحة تهدف لزعزعة استقرار مالي.
ومع ذلك، يظل المأزق النقدي الأكبر الذي يواجه الخطاب الأزوادي هو "معضلة الشرعية الدولية" في ظل التحالفات الميدانية الملتبسة. فثمة فجوة واضحة بين "الاعتدال السياسي" الذي يسوقه رمضان و"الواقعية العسكرية" التي تفرض تنسيقاً تكتيكياً مع جماعات مصنفة إرهابياً مثل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". ورغم محاولته البارعة للتمييز بين العمليات الميدانية والتبني الأيديولوجي، إلا أن هذا التبرير قد يظل قاصراً عن إقناع المجتمع الدولي، الذي يرى في هذه التحالفات "خطراً أمنياً" يتجاوز حدود أزواد. هذا التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة الميدانية قد يضع الجبهة في "عزلة سياسية" خانقة؛ حيث تصبح الانتصارات العسكرية على الأرض عبئاً دبلوماسياً يحول دون تحول الجبهة إلى شريك معترف به دولياً، ويجعل من طموح "تقرير المصير" هدفاً صعب المنال في ظل ريبة دولية من احتمالية تحول الإقليم إلى ملاذ آمن للجماعات المتطرفة.

شارك