تعقيدات المشهد اللبناني: قراءة في تقاطع التصعيد الميداني وهشاشة الداخل

الإثنين 04/مايو/2026 - 01:21 م
طباعة تعقيدات المشهد اللبناني: حسام الحداد
 

يشهد الواقع اللبناني الراهن منعطفاً دراماتيكياً تتشابك فيه التهديدات العسكرية الوجودية مع تصدعات البنية السياسية والاجتماعية. ولم تعد الأزمة مجرد مواجهة حدودية، بل تحولت إلى صراع مركب يسعى فيه كل طرف لفرض معادلة "الأمر الواقع". ويمكن تحليل هذا المشهد من خلال تفكيك الخطاب العسكري الميداني وانعكاساته على السلم الأهلي المترنح.

تتصدر الواحدة من أبرز نقاط الصراع قضية "المنطقة العازلة" أو ما يعرف بـ "الخط الأصفر". إن الرفض القاطع لهذا المخطط لا ينبع فقط من منطلق عسكري، بل هو موقف سيادي يدرك خطورة تكرار تجارب الاحتلال السابقة التي تقتطع أجزاء من الجغرافيا الوطنية تحت ذريعة الأمن. ومع ذلك، يواجه هذا الموقف نقدًا تحليليًا يكمن في الفجوة بين "الرفض المبدئي" و"القدرة الواقعية" على توفير ضمانات دولية حقيقية تحمي السيادة اللبنانية، خاصة في ظل عجز المجتمع الدولي عن لجم الانتهاكات المستمرة، مما يجعل لبنان ساحة مفتوحة لاستراتيجيات الاستنزاف المتبادلة.

في الشق الميداني، يبرز تحول جوهري في تكتيكات المقاومة بجنوب لبنان، حيث يتم الانتقال من الدفاع التقليدي إلى استراتيجيات تعتمد على المرونة العالية والمباغتة. وبالرغم من المكاسب الميدانية المعلنة في صفوف الجيش الإسرائيلي، إلا أن النقد الموضوعي يشير إلى أن هذه التكتيكات، وإن كانت تعرقل التقدم البري، إلا أنها لا تملك حتى الآن كبح جماح التفوق الجوي الإسرائيلي الذي يستهدف العمق اللبناني. هذا التباين يخلق حالة من "توازن الرعب المبتور"، حيث يدفع المدنيون والبنية التحتية الثمن الأكبر في صراع لا يبدي أي طرف فيه رغبة في التراجع أو الالتزام بتهدئة لا تضمن شروطه الكاملة.

أما على الصعيد الداخلي، فإن المشهد يبدو أكثر قتامة؛ إذ لم تعد المخاوف محصورة في آلة الحرب، بل امتدت لتطال "السلم الأهلي". إن إلغاء الفعاليات السياسية والتحركات الشعبية لأسباب أمنية يعكس حالة من "الشلل الوطني" وتآكل الثقة بين المكونات السياسية. وهنا يبرز التناقض الصارخ: فبينما تتطلب المواجهة الخارجية وحدة وطنية صلبة، نجد أن الجدل الداخلي يتصاعد حول جدوى الانخراط في صراعات إقليمية، مما يهدد بتحويل التوتر السياسي إلى صدام مجتمعي مباشر، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي جردت الدولة والمواطن من أي قدرة على الصمود الطويل.

ختاماً، يواجه لبنان تحدياً مزدوجاً يتمثل في حماية الأرض من الاحتلال وحماية المجتمع من الانهيار الداخلي. النقد التحليلي لهذا الواقع يشير إلى أن "الانتصارات الميدانية" قد تفقد قيمتها إذا لم تكن مسيجة بتوافق وطني يحمي النسيج الاجتماعي. إن الحاجة لضمانات أمنية دولية تظل ملحة، لكنها تظل منقوصة ما لم تترافق مع مشروع إنقاذ داخلي يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة ويحصن الجبهة الداخلية ضد رياح الفتنة والضغوط الاقتصادية الخانقة التي باتت تهدد جوهر الكيان اللبناني.

شارك