رد الفعل الغربي.. مالي بين "دروس" العسكر وكابوس "الإمارة الجهادية"
الثلاثاء 05/مايو/2026 - 10:01 ص
طباعة
حسام الحداد
بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم أجزاءً من قاعدة "كاتي" العسكرية، وصور السيطرة على "كيدال" الاستراتيجية تجتاح منصات التواصل الاجتماعي، ساد صمت مطبق في أروقة "الكي دورسيه" بباريس و"الخارجية الأمريكية" بواشنطن خلال الساعات الأولى للهجوم الأكبر الذي تشهده مالي منذ عقد من الزمان. هذا الصمت لم يكن غياباً عن المشهد أو قصوراً في الرصد، بل كان —حسب مراقبين دوليين— "تفرجاً استراتيجياً" متعمداً يعكس تعقيد الحسابات الغربية وتصفية الحسابات السياسية مع نظام باماكو؛ تلك الدولة التي اختارت في لحظة تحول جذري طرد حلفائها التقليديين، وإنهاء بعثات الأمم المتحدة، لتلقي بكل ثقلها في أحضان "الدب الروسي" بحثاً عن مظلة أمنية بديلة أثبتت التطورات الأخيرة هشاشتها.
إن المشهد المالي اليوم يضع الغرب أمام معضلة أخلاقية وسياسية غير مسبوقة؛ فمن جهة، هناك رغبة دفينة في رؤية مشروع "النفوذ الروسي" يتهاوى تحت ضربات الميدان لإثبات أن الرهان على المرتزقة لا يصنع استقراراً، ومن جهة أخرى، يبرز رعب حقيقي من أن كلفة هذا "الدرس القاسي" قد تكون خروج منطقة الساحل بأكملها عن السيطرة الدولية. فالهجمات المنسقة التي قادتها جبهة تحرير الأزواد (FLA) بالتحالف مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، لم تكن مجرد اختراق أمني، بل كانت زلزالاً ضرب جوهر شرعية المجلس العسكري، ووضع العواصم الغربية في مقعد المتفرج الذي يراقب حريقاً يخشى أن تصل شرارته إلى بيته في نهاية المطاف.
"الشماتة المكتومة" وبرود البيانات
تتجلى حالة "الشماتة المكتومة" في قصر الإليزيه من خلال لغة دبلوماسية باردة وغير معهودة؛ فبدلاً من بيانات الإدانة الشديدة التي كانت ترافق أي تهديد لباماكو في السابق، اكتفت الخارجية الفرنسية بإجراءات بروتوكولية جافة شملت تحديث تحذيرات السفر لمواطنيها وطلب المغادرة الفورية لما تبقى من جاليتها. هذا البرود يبعث برسالة سياسية مشفرة مفادها أن باريس رفعت يدها تماماً عن أمن النظام الذي طرد قوات "بارخان" والبعثة الأممية "مينوسما" بفظاظة، تاركةً المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا ليواجه وحيداً تبعات ارتمائه في أحضان "فيلق أفريقيا" الروسي. وترى الدوائر السياسية الفرنسية أن اللحظة الراهنة تمثل انكشافاً استراتيجياً لموسكو، التي سوقّت لنفسها كبديل أمني فعال، لكنها اليوم تقف عاجزة عن حماية معاقل حلفائها أو حتى تأمين بقاء أهم رجالها في السلطة، مما يجعل من الصمت الفرنسي بمثابة إعلان غير رسمي عن فشل "المظلة الروسية" في اختبار الميدان الحقيقي.
بالنسبة للاستخبارات الفرنسية، لا يمثل مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا مجرد خسارة قيادية للنظام المالي، بل هو "نهاية حقبة" ودليل دامغ على سقوط نظرية "السيادة الأمنية المستقلة" التي روج لها المجلس العسكري. كامارا، الذي كان يُنظر إليه بباريس كالعقل المدبر لاتفاقيات جلب "فاغنر" (سابقاً) والتحالف مع الكرملين، صار اليوم ضحية للفراغ الأمني الهائل الذي حذرت منه فرنسا مراراً. ويرى المحللون في باريس أن ما يحدث اليوم هو "درس قاسٍ" في ميكانيكا القوى؛ حيث أثبت الواقع أن الانسحاب الغربي لم يفسح المجال لاستقرار بديل، بل مهد الطريق لولادة تحالف "غير مقدس" ومفاجئ بين الطموح القومي للانفصاليين (FLA) والتوحش الأيديولوجي للجهاديين (JNIM). هذا التقاطع في المصالح استغل "الثقب الأسود" الذي خلّفه غياب التغطية الجوية والاستخباراتية الفرنسية، ليؤكد لباريس —وللعالم— أن الفراغ في الساحل لا يملؤه إلا من يمتلك النفس الطويل على الأرض، وليس المرتزقة العابرين للحدود.
واشنطن.. القلق من "ثقب أسود" عالمي
على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، تتجاوز نبرة واشنطن حدود القلق الدبلوماسي المعتاد لتصل إلى مرحلة "الإنذار الاستراتيجي"؛ فبينما أصدر مكتب الشؤون الأفريقية بالخارجية الأمريكية تنديدات رسمية بالهجمات، كانت الغرف المغلقة في "البنتاغون" ومراكز الأبحاث الأمنية ترسم سيناريوهات مرعبة لتحول مالي إلى "ثقب أسود" عالمي. واشنطن لا تنظر إلى انهيار الدفاعات في باماكو وسقوط كيدال كخسارة جيوسياسية لروسيا فحسب، بل تراه إعلاناً عن ولادة "إمارة جهادية" عابرة للحدود، قد تتحول إلى أكبر ملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية في القرن الحادي والعشرين. يسود اعتقاد داخل أروقة الاستخبارات الأمريكية أن سقوط العاصمة أو بقاءها تحت الحصار سيجعل من مالي "منطقة تصدير" لعدم الاستقرار، حيث لن تقتصر التداعيات على الساحل الأفريقي، بل ستمتد لتشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمنية في حوض المتوسط وأفريقيا الأطلسية، مما يضع العالم أمام نسخة أكثر تعقيداً وخطورة من "نموذج كابل" عام 2021.
يرى المحللون الاستراتيجيون في القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا (AFRICOM) أن التحالف التكتيكي بين جبهة تحرير الأزواد (FLA) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) قد أدى إلى "تغيير جذري في قواعد الاشتباك" لم تكن واشنطن تضعها في الحسبان بهذا التسارع. فالتنسيق بين طموح قومي انفصالي وخبرة قتالية جهادية مرتبطة بالقاعدة خلق قوة هجينة قادرة على دحر الجيوش النظامية والمجموعات شبه العسكرية الروسية معاً. وبالنسبة لواشنطن، فإن نجاح "القاعدة" في فرض حصار كامل على باماكو يمثل كابوساً أمنياً، لأنه يعني سيطرة التنظيم على مفاصل دولة ذات سيادة، وامتلاكه لموارد سيادية وجغرافية شاسعة تتيح له التخطيط لعمليات خارجية بعيدة المدى. هذا التحول يدفع صانع القرار الأمريكي نحو معضلة صعبة: فإما الاستمرار في سياسة "النأي بالنفس" وترك المنطقة تنهار تماماً، أو البحث عن قنوات تدخل جديدة تمنع تحول غرب أفريقيا إلى قاعدة انطلاق عالمية للإرهاب، وهو أمر بات يهدد الأمن القومي الأمريكي في العمق.
الجدلية الكبرى: درس للعسكر أم انتحار جماعي؟
ينقسم المحللون الغربيون حول جدوى سياسة "التفرج" الحالية إلى فريقين:
مدرسة "الواقعية القاسية":
تتبنى هذه المدرسة، المنتشرة في أروقة صنع القرار في باريس وبعض العواصم الأوروبية، رؤية براغماتية مغلفة بنوع من "العقاب الاستراتيجي"؛ حيث تصر على ضرورة ترك المجالس العسكرية في الساحل تواجه وحدها الثمن الباهظ لخياراتها السياسية والعسكرية. فمن وجهة نظر هؤلاء، يمثل سقوط "كيدال" وحصار "باماكو" اللحظة التي تنكشف فيها كذبة "السيادة البديلة" التي روج لها العسكر بالتعاون مع المرتزقة الروس. والهدف هنا ليس رؤية مالي تنهار، بل إيصال النخب العسكرية —أو من سيخلفهم بعد اهتزاز أركان الحكم— إلى نقطة "الانكسار الإجباري"، حيث يجدون أنفسهم مضطرين للتوسل مجدداً طلباً للمظلة الأمنية الغربية. ولكن، هذه المرة لن يكون التدخل الغربي "شيكاً على بياض"، بل سيأتي بشروط سياسية قاسية تتضمن عودة المسار الديمقراطي، طرد النفوذ الروسي بالكامل، وإعادة هيكلة الجيش المالي تحت إشراف دولي صارم، مما يجعل من المعاناة الحالية "دواءً مراً" لا بد منه لاستعادة الانضباط الجيوسياسي في المنطقة.
مدرسة "الاحتواء الاستباقي":
على النقيض تماماً، تبرز مدرسة "الاحتواء الاستباقي" التي يهيمن عليها قادة "أفريكوم" ومحللو مكافحة الإرهاب الدولي، محذرين من أن سياسة "التفرج" هي مقامرة انتحارية قد تؤدي إلى كارثة لا يمكن احتواؤها لاحقاً. ترى هذه المدرسة أن انهيار الدولة المالية لن يكون حدثاً معزولاً، بل سيفجر مفعول "أحجار الدومينو" في جيرانها (النيجر وبوركينا فاسو) اللذين يعانيان من هشاشة مماثلة، مما قد يحول منطقة الساحل بأكملها إلى "منطقة سوداء" شاسعة خارجة عن القانون الدولي وممتدة من حدود الجزائر شمالاً إلى خليج غينيا جنوباً. إن السماح بسقوط باماكو تحت وطأة الحصار أو تحالف الانفصاليين والجهاديين يعني، في عرف هؤلاء، التضحية بالأمن القومي الأوروبي والأفريقي على حد سواء؛ فالفراغ الذي سيخلفه انهيار الجيش المالي لن تملأه الدبلوماسية الغربية لاحقاً، بل ستملأه شبكات الجريمة المنظمة وهياكل الحكم الجهادي المتطرفة، مما يجعل تكلفة استعادة المنطقة مستقبلاً تفوق بمراحل تكلفة التدخل الاستباقي الآن لإنقاذ ما تبقى من هيكل الدولة.
بين المطرقة والسندان
تستقر القوى الغربية حالياً في منطقة رمادية، حيث تدير استراتيجية "الاستنزاف الموقوت" ببراعة محفوفة بالمخاطر؛ فهي من جهة، تجد في المشهد المالي الحالي مادة دسمة لإثبات صحة سرديتها حول "عقم" التحالف مع موسكو. فالعجز الروسي عن حماية المراكز الاستراتيجية مثل "كيدال" أو تأمين العمق الأمني في "كاتي" و"باماكو"، منح العواصم الغربية انتصاراً معنوياً وسياسياً يثبت أن "فيلق أفريقيا" ليس سوى أداة لحماية الأنظمة لا لمكافحة الإرهاب. هذا التآكل في الهيبة الروسية يخدم المصالح الغربية على المدى القريب، حيث يضعف جاذبية "النموذج الروسي" لدى الدول الأفريقية الأخرى التي كانت تفكر في سلوك مسار باماكو، مما يجعل من معاناة المجلس العسكري المالي "مختبراً علنياً" لفشل الحلول الأمنية المستوردة من الشرق.
وعلى كفة الميزان الأخرى، يبرز رعب حقيقي من أن تؤدي مقامرة "الانتظار" هذه إلى تجاوز نقطة العودة؛ فالمخاوف الغربية تتصاعد من أن لحظة "التدخل الضروري" لإنقاذ ما تبقى من هيكل الدولة المالية قد تأتي بعد فوات الأوان. هناك إدراك عميق في مراكز القرار بباريس وواشنطن بأن سرعة الانهيار الميداني قد تسبق قدرة الدبلوماسية على المناورة، وأن سيناريو رفع "علم القاعدة" فوق القصر الرئاسي في "كولوبا" ليس مجرد مبالغة صحفية، بل هو احتمال قائم قد يضع الغرب أمام واقع جيوسياسي جديد لا يمكن محوه بالوسائل التقليدية. إنها الوقوف بدقة "بين المطرقة والسندان"؛ مطرقة الرغبة في رؤية فشل الخصم الروسي وتلقين العسكر درساً قاسياً، وسندان الخشية من تحول مالي إلى قاعدة انطلاق عالمية للإرهاب تخرج تماماً عن السيطرة الدولية، مما قد يضطر القوى الغربية لاحقاً لدفع ثمن باهظ في عملية "إطفاء حريق" كان يمكن محاصرته في بداياته.
في نهاية المطاف، يبدو أن الموقف الغربي اليوم هو مزيج معقد من "الشماتة السياسية" الحذرة و"الرعب الأمني" المتزايد، حيث تظل مالي 2026 بؤرة لاختبار قدرة الدولة الوطنية في الساحل على الصمود دون غطاء دولي متكامل. إن الرهان على "الاستنزاف" قد ينجح في كسر شوكة المجلس العسكري وإعادة بوصلته نحو الغرب، لكنه يخاطر في الوقت ذاته بترك باماكو فريسة لـ"حصار كامل" قد يغير وجه المنطقة للأبد. وبينما يكتفي العالم بالمراقبة، تظل الحقيقة المرة هي أن مالي لم تعد مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية، بل أصبحت "مختبراً للانهيار" قد تدفع القارة الأفريقية وجوارها الأوروبي ثمن نتائجه لعقود قادمة.
