ترامب وإيران.. مأزق الحرب الطويلة وتعثر المفاوضات

السبت 09/مايو/2026 - 12:28 م
طباعة ترامب وإيران.. مأزق فاطمة عبدالغني
 
رغم إعلانه المتكرر عن قرب انتهاء الحرب مع إيران، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه اليوم أمام صراع طال أمده أكثر مما توقع، وأصبح أكثر تعقيدًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. 
فبعد أسابيع من التصريحات التي تحدثت عن "نصر وشيك" ونجاح الضغوط الأمريكية، لا تزال واشنطن عاجزة عن انتزاع اتفاق نهائي أو حتى دفع طهران إلى العودة الجدية لطاولة المفاوضات.

وبحسب تقرير حديث نشرته مجلة ذي أتلانتك الأمريكية للكاتب جوناثان ليمير، فإن ترامب بات مستنزفًا من حرب كان يعتقد أنها ستكون قصيرة وحاسمة، قبل أن تتحول إلى اختبار صعب يهدد شعبيته الداخلية، ويرفع أسعار الطاقة، ويضعه في مواجهة أزمة جيوسياسية مفتوحة قبل استحقاقات سياسية واقتصادية مهمة.

ويحاول البيت الأبيض تسويق المشهد باعتباره نجاحًا أمريكيًا، إلا أن الواقع الميداني والمفاوضات المتعثرة يكشفان أن الحرب لم تحقق حتى الآن الأهداف التي وضعتها الإدارة الأمريكية.

من "نصر سريع" إلى حرب استنزاف مفتوحة

دخل ترامب المواجهة مع إيران وهو يعتقد أن العملية العسكرية ستكون نسخة أخرى من نجاحات سابقة، معتمدًا على التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي لتحقيق نتائج خاطفة، وربما إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني.

وتشير المجلة إلى أن ترامب كان يتوقع أن تحسم الحرب خلال أيام أو أسبوعين على الأكثر، خاصة بعد الضربات الأولى التي استهدفت منشآت عسكرية وقدرات صاروخية، وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني، وفق التقرير.

لكن التطورات اللاحقة قلبت الحسابات الأمريكية، فبدلًا من الانهيار أو الاستسلام، ردت إيران بتصعيد واسع شمل مهاجمة دول خليجية والسيطرة الفعلية على مضيق هرمز باستخدام الألغام والزوارق السريعة والطائرات المسيرة، ما أدى إلى تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي.

وأدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالميًا، بينما دخلت الحرب في مرحلة جمود عسكري ووقف إطلاق نار هش، دون وجود مسار تفاوضي واضح أو اتفاق قابل للحياة.

مأزق سياسي يهدد ترامب داخليًا وخارجيًا

مع استمرار الأزمة يواجه ترامب ضغوطًا داخلية متزايدة، فارتفاع أسعار الوقود انعكس سريعًا على المزاج الشعبي الأمريكي، وأثار قلق الجمهوريين الذين يخشون انعكاسات الحرب على انتخابات التجديد النصفي.

ويرى التقرير أن الرئيس الأمريكي لا يريد الانزلاق إلى مستنقع شرق أوسطي جديد على غرار تجارب أسلافه، خصوصًا في وقت يستعد فيه لقمة مهمة في الصين ولقاء مرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.

كما أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر حذرًا من استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق، وسط مخاوف من تراجع مخزون الذخائر الأمريكية، وقلق حلفاء واشنطن في الخليج من أن يصبحوا مجددًا أهدافًا مباشرة للرد الإيراني.

ولهذا، فضلت إدارة ترامب التراجع عن خطة مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، بعدما كادت تؤدي إلى مواجهات بحرية أكبر مع القوات الإيرانية، في خطوة عكست رغبة واضحة في تجنب تصعيد قد يخرج عن السيطرة.

مفاوضات متعثرة وأهداف لم تتحقق

رغم حديث ترامب المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق، لا تزال المفاوضات متعثرة بشكل واضح.

ووفق التقرير، تنتظر واشنطن ردًا إيرانيًا على مقترح أمريكي جديد لا يتجاوز كونه تمديدًا لوقف إطلاق النار أكثر من كونه اتفاق سلام نهائي، لكن المشكلة الأعمق بحسب مسؤولين أمريكيين، تكمن في غياب شريك تفاوضي واضح داخل إيران، مع انقسام مراكز القرار وتصاعد نفوذ الحرس الثوري.

وفشلت محاولات وساطة متعددة، كما غادر الوفد الإيراني إحدى جولات التفاوض قبل وصول المسؤولين الأمريكيين، في إشارة اعتبرتها واشنطن رفضًا واضحًا للتفاوض بالشروط الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها الأساسية بالكامل، فرغم تراجع القدرات البحرية الإيرانية، لا تزال طهران تحتفظ بجزء مهم من ترسانتها الصاروخية، كما لم يحسم ملفها النووي، ولم يتحقق تغيير سياسي داخل النظام.

وتشير المجلة إلى أن إيران قد تخرج من هذه الحرب بواقع استراتيجي جديد يمنحها نفوذًا أكبر على مضيق هرمز، بعدما أثبتت قدرتها على تعطيله وفرض تكلفة اقتصادية عالمية باهظة.

ويرى المراقبون أن أزمة ترامب مع إيران تكشف حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بحسابات جيوسياسية معقدة وخصم مستعد لتحمل كلفة المواجهة الطويلة.

وبحسب تقديراتهم، فإن الرئيس الأمريكي دخل الحرب وهو يراهن على نموذج "الصدمة السريعة"، لكنه وجد نفسه في صراع استنزاف يهدد موقعه السياسي أكثر مما يضغط على طهران.

كما يعتقد مراقبون أن إيران تدرك جيدًا حساسية الظرف السياسي الأمريكي، ولذلك تتعامل مع المفاوضات بمنطق كسب الوقت واستنزاف الإرادة السياسية لترامب، بدلًا من تقديم تنازلات سريعة.

وفي حال استمر الجمود الحالي، فإن ترامب قد يواجه خيارين كلاهما مكلف: إما إعلان نهاية الحرب دون تحقيق أهدافه المعلنة، أو العودة إلى التصعيد العسكري بما يحمله ذلك من مخاطر اقتصادية وعسكرية وانتخابية.

شارك