لاهوت التبرير.. قراءة نقدية في مفهوم "السنن الإلهية" عند التنظيمات المتطرفة

الأحد 10/مايو/2026 - 01:13 م
طباعة لاهوت التبرير.. قراءة حسام الحداد
 
تمثل افتتاحية العدد (543) من صحيفة "النبأ" نموذجاً صارخاً لآليات الخطاب الدفاعي الذي تتبناه التنظيمات المتطرفة عند مواجهة الأزمات الوجودية أو الانحسار الميداني. المقال، المنشور في 7 مايو 2026، لا يكتفي بكونه مادة إخبارية، بل يبرز كأداة "حرب نفسية" معقدة صُممت خصيصاً لترميم الروح المعنوية المنهارة للقاعدة الجماهيرية للتنظيم. من خلال استحضار ثنائية "السنن والإهلاك"، يحاول النص القفز فوق الهزائم العسكرية الملموسة والواقع المرير، لإعادة صياغة المشهد بوصفه صراعاً كونياً محكوماً بقدرية غيبية حتمية، مما يحول الفشل من "انكسار مادي" إلى "اختبار إيماني" ضروري يسبق التمكين الموعود.
تعتمد هذه الافتتاحية في بنائها على هندسة "التطمين الأيديولوجي" عبر خلق فضاء بديل يلغي موازين القوى الأرضية وحسابات الربح والخسارة العسكرية. إنها محاولة لـ "هندسة وعي" الأتباع بحيث يتم عزلهم عن قراءة الواقع قراءة موضوعية، واستبدالها بنظرة "قدرية" ترى في قوة الخصم مجرد استدراج إلهي، وفي ضعف التنظيم تمهيداً للنصر. هذا الالتفاف الخطابي يهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان استمرارية ولاء العناصر، ومنع تسرب اليأس إلى نفوسهم، عبر إيهامهم بأنهم جزء من خطة غيبية تتجاوز حدود المنطق البشري وقوانين الحرب التقليدية.

البنية المضمونية والاستراتيجيات الخطابية
تعتمد البنية المضمونية لافتتاحية "النبأ" على استراتيجية "التطمين الأيديولوجي"، حيث تسعى إلى إعادة تفسير الواقع العسكري المرير للتنظيم من خلال منظور غيبي. المقال لا يقدم جردة حساب للواقع، بل يعمل على "هندسة وعي" الأتباع عبر خلق فضاء بديل تلغى فيه موازين القوى المادية لصالح "قدرية حتمية". هذه الهيكلية الخطابية تهدف بوضوح إلى امتصاص صدمات الهزيمة، وتحويل اليأس الميداني إلى يقين ديني زائف، مما يضمن استمرار ولاء العناصر رغم الانحسار الملحوظ.
يرتكز خطاب داعش على مفهوم "السنن"، وهي محاولة ذكية لإضفاء الشرعية المطلقة على مسار الأحداث مهما كان قاسيًا على التنظيم. من خلال التركيز على ثنائية "الإمهال والاستدراج"، يحاول الكاتب إقناع أتباعه بأن قوة خصومهم وسيطرتهم ليست دليلاً على نجاحهم، بل هي "فخ إلهي" يسبق النهاية. هذا التوظيف يحقق غاية نفسية مزدوجة: فهو من جهة يخفف من وطأة الشعور بالعجز أمام التكنولوجيا والقوة العسكرية للخصوم، ومن جهة أخرى يمنح الأتباع شعوراً بالاستعلاء الأخلاقي، محولاً حالة "الانكفاء" إلى "انتظار استراتيجي" مبني على وعود لا تقبل النقاش.
تنتقل الافتتاحية إلى مستوى أكثر براغماتية عبر استراتيجية "ضرب الظالمين بالظالمين"، وهي قراءة انتهازية للصراعات الجيوسياسية في المنطقة. الكاتب يستعرض الصراعات بين القوى الدولية (التي يسميها الصليبيين واليهود) وبين القوى الإقليمية المخالفة له (التي يسميها الرافضة)، ليصورها كجزء من عملية تصفية ذاتية لخصومه. هذا الخطاب يعكس حالة من "الهروب للأمام"؛ فبدلاً من مواجهة حقيقة الاستنزاف الميداني الذي يعاني منه التنظيم، يصور نفسه في دور "المراقب القدرِي" الذي ينتظر سقوط الجميع. إنها محاولة لرفع الروح المعنوية عبر الإيهام بأن العدو ينهار من الداخل دون حاجة لبذل جهد فوري، مما يخلق حالة من "الرضا الزائف" بالواقع الحالي.
اخيرا يكسر المقال حدة "الانتظار القدرِي" لينتقل إلى مرحلة "عسكرة المفاهيم". الكاتب يدرك خطورة ركون الأتباع إلى فكرة أن "الله سيهلك الظالمين وحده"، لذا يسارع بربط التمكين بـ "بذل الأسباب"، وهو المصطلح الحركي البديل لشن الهجمات والعمليات المسلحة. هنا يتم دمج "التوحيد" بـ "الجهاد الصدامي" في علاقة شرطية لا تنفصم؛ فالإيمان لا يكتمل إلا بالقتال. تهدف هذه الفقرة تحديداً إلى استنفار القوى المتبقية، وتحويل الإحباط النفسي إلى طاقة تدميرية، بدعوى أن المقاتل بفعله هذا "يوافق السنن الإلهية" ويسرع من وتيرة الوعد الغيبي، مما يشرعن العنف كضرورة إيمانية قصوى.

التحليل النقدي والفكري
يمثل المحور الفكري في هذه الافتتاحية ذروة "الانفصال عن الواقع"، حيث يعتمد التنظيم على منظومة فكرية مغلقة تعيد تفسير التاريخ والحاضر والمستقبل وفق مقاييسه الخاصة فقط. يرتكز هذا الطرح على هندسة "مركزية الذات"، حيث يتم اختزال معقدات العالم وصراعاته في ثنائية تبسيطية حادة. هذه الهيكلية ليست مجرد انحياز أيديولوجي، بل هي آلية دفاعية فكرية تهدف إلى حماية التنظيم من الانهيار الداخلي عبر تجريم النقد، وتسطيح الحقائق، وشيطنة كل ما هو خارج حدود "الخلافة" المتخيّلة، مما يخلق وعياً زائفاً يتغذى على العزلة والعداء.
يتجلى في الافتتاحية بوضوح ما يمكن تسميته بـ "النرجسية الأيديولوجية الاستعلائية"؛ إذ يمنح الكاتب تنظيمه صكّاً حصرياً بتمثيل "المؤمنين"، بينما يلقي ببقية العالم—بما في ذلك الغالبية العظمى من المسلمين المخالفين لنهجه—في سلة "الظالمين" المستحقين للإهلاك. تكمن المغالطة الكبرى هنا في "العمى الفكري" المتعمد؛ فالكاتب يسقط سنن الاستئصال على خصومه متجاهلاً أن ذات السنن التاريخية والشرعية التي يستشهد بها تقتضي إهلاك من يسفك الدماء، ويستبيح الحرمات، ويفسد في الأرض تحت أي شعار. إن هذا "الاختيار الانتقائي" للنصوص يهدف إلى إيهام الأتباع بقدسية مطلقة، تحميهم من إدراك حقيقة أن ممارساتهم الإجرامية هي ذاتها التي تعجل بنهايتهم وفق المنطق السنني الذي يتغنون به.
يعمل الخطاب كـ "مخدر سيكولوجي" فائق التأثير، حيث يمارس عملية هروب منظم من استحقاقات الواقع المرير إلى فضاءات "الغيب المفتوحة". فبدلاً من تقديم تحليل موضوعي لأسباب الانكسار الميداني، أو فقدان الحاضنة الشعبية، أو الفشل في إدارة المناطق التي سيطروا عليها، يتم ترحيل كل هذه الإخفاقات إلى "توقيتات إلهية" لا تُرد ولا تُناقش. هذا التفسير الغيبي ليس تقوى دينية، بل هو "ستار حديدي" يمنع أي محاولة لـ "النقد الذاتي" أو المراجعة الفكرية داخل الصفوف؛ فمراجعة الخطأ تعني ضمناً التشكيك في المسار "المقدس"، لذا يتم استبدال الفكر السياسي والعسكري بمنطق "الانتظار الصابر"، مما يحول الفشل في نظر الأتباع من هزيمة نكراء إلى "ابتلاء مدبر" ينتظر فرجاً حتمياً.
تستخدم الافتتاحية لغة إقصائية متطرفة تتجاوز مجرد الاختلاف السياسي لتصل إلى مرحلة "نزع الإنسانية عن الآخر". عبر توظيف ترسانة من المصطلحات التكفيرية (كالصليبيين، والرافضة، والمرتدين، والطواغيت)، ينجح التنظيم في بناء جدار لغوي عازل يمنع أي إمكانية للحوار أو التفاهم. هذه الاستراتيجية اللغوية تهدف إلى "تنميط" الخصوم وتحويلهم إلى كيانات شريرة مطلقة، مما يسهل عملية تبرير القتل والتوحش في ذهنية العناصر. إنها لغة لا تخاطب العقل، بل تستدعي الغرائز العدائية، وتمنح القاتل "راحة ضمير" زائفة، باعتبار أن فعله ليس جريمة ضد إنسان، بل هو تنفيذ لـ "حكم إلهي" في كائن مجرد من الإيمان والقيمة، وهو ما يمثل ذروة الانحراف الفكري والأخلاقي.

الخصائص الفنية واللغوية
يعتمد النص أسلوباً لغوياً "تراثياً" مكثفاً، يتعمد فيه الكاتب محاكاة لغة الفقهاء والمفسرين الأوائل، لخلق حالة من "المهابة الزائفة" والقدسية حول المضمون السياسي. يظهر ذلك بوضوح في الاقتباسات الممنهجة من أمهات كتب التفسير (كابن كثير، والقرطبي، والبغوي)، حيث لا تُساق هذه النقول لبيان حكم شرعي مجرد، بل تُوظف "كأدوات إثبات" تربط بين الحدث التاريخي القديم والواقع المأزوم للتنظيم. هذا "الحشد النصي" يهدف إلى إيهام القارئ بأن ما يمر به التنظيم من انكسار ليس سوى تكرار لقصص الأنبياء والصالحين، مما يمنح الخطاب صبغة من الثبات والرسوخ، ويغلف الهزائم العسكرية بغلاف من "اليقين العقدي" الذي يصعب على الأتباع البسطاء مراجعته أو التشكيك فيه.
يكشف التحليل اللغوي الدقيق عن شرخ واهتزاز في بنية النص، حيث يتأرجح بين نبرتين متناقضتين تعكسان القلق الداخلي لقيادة التنظيم. النبرة الأولى هي "نبرة الهدوء واليقين" التي تدعو للصبر وانتظار السنن الإلهية لتعمل عملها في الخصوم، وهي لغة تخديرية تبرر العجز الحالي. أما النبرة الثانية، فتأتي في الختام صاخبة وتحريضية، حيث تتحول المفردات فجأة إلى لغة "استنفار قصوى" تحث على بذل الدماء ورفض القعود. هذا التناقض الصارخ بين "الانتظار القدري" و"الاستعجال الصدامي" يفضح حاجة التنظيم الماسة والمستعجلة لتجنيد انتحاريين جدد لسد الفراغ الميداني؛ فبينما يطمئن النص الأتباع بأن النصر آتٍ بسنن الله، يعود ليؤكد أن هذا النصر لن يفتح بابه إلا عبر أشلاء "الانغماسيين"، مما يكشف عن استغلال براغماتي للدين لخدمة أهداف عسكرية انتحارية.
في المحصلة، تبرز افتتاحية "النبأ" كوثيقة إدانة للفكر التنظيمي الذي يصر على العيش داخل "فقاعة غيبية" منفصلة تماماً عن موازين القوى الواقعية. إن محاولة المقال "إعادة تدوير الهزائم" وتصويرها كجزء من سنن الاستدراج، ليست سوى آلية دفاعية نفسية يائسة تتكرر في أدبيات هذه الجماعات كلما ضاق عليها الخناق وفقدت قدرتها على التأثير الميداني. الرسالة الحقيقية المستترة خلف هذا الحشد من النصوص التراثية والوعود القدرية ليست "هلاك الظالمين" كما يدعي العنوان، بل هي محاولة أخيرة لاستعادة السيطرة على قاعدة جماعية محبطة، وتبرير الفشل الاستراتيجي عبر لاهوت تبريري يحول القعود والانحسار إلى فضائل إيمانية، بانتظار نصر لا تلوح له أي بوادر في أفق الواقع المادي.

شارك