رسائل باكستان.. قراءة في كواليس "الوساطة الصعبة" بين ترامب وطهران
الإثنين 11/مايو/2026 - 10:09 ص
طباعة
حسام الحداد
في وقت كانت فيه الآمال الدبلوماسية العالمية معلقة على خيوط رفيعة من الوساطات المكوكية، وفي لحظة ترقب لـ "دخان أبيض" قد يخرج من دهاليز القنوات الخلفية، جاء صخب العالم الرقمي ليعصف بهدوء المكاتب المغلقة. فمن خلال تغريدة حادة عبر منصته "تروث سوشيال"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه القاطع للرد الإيراني الذي نُقل عبر "الحقيبة الباكستانية"، واصفاً إياه بأنه "غير مقبول جملة وتفصيلاً". هذا الموقف لم ينسف التفاؤل الحذر فحسب، بل أعاد المشهد الإقليمي بأسره إلى المربع الأول، محولاً "رسائل باكستان" من طوق نجاة كان يُؤمل منه نزع فتيل الانفجار، إلى وقود جديد زاد من حدة الاشتعال في جغرافيا سياسية لم تعد تحتمل المزيد من الأزمات.
إن هذا الرفض الفوري يفتح الباب واسعاً أمام قراءة ما وراء النص في واحدة من أعقد جولات "حرب الأعصاب" بين واشنطن وطهران في العقد الأخير. فبينما كانت إسلام آباد تحاول صياغة "منطقة وسطى" تضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز مقابل تخفيف خانق للعقوبات، كشفت تغريدة ترامب عن هوة سحيقة لا تزال تفصل بين عقلية "الصفقة الشاملة" التي تتبناها الإدارة الأمريكية، وبين استراتيجية "التفاوض تحت النار" التي تتقنها طهران. ومن هنا، تبرز كواليس هذه الوساطة الصعبة كمرآة تعكس صراع الإرادات؛ حيث لا يبدو أن أي طرف مستعد حتى الآن للنزول عن "قمة الشجرة"، مما يجعل من مضيق هرمز وممرات الطاقة العالمية رهينة لهذا الاشتباك الدبلوماسي العنيف الذي تجاوز حدود الورق إلى الميدان.
توقيت الرد: لماذا الآن؟
لم يكن اختيار طهران لهذا التوقيت تحديداً لتسليم ردها عبر الوسيط الباكستاني معزولاً عن واقع الميدان؛ فقد جاء الرد كخطوة استراتيجية متقنة تهدف إلى اختبار مدى فاعلية سياسة "أقصى الضغوط" التي ينتهجها ترامب. فبعد سلسلة من الصدامات البحرية العنيفة في مضيق هرمز ومحيطه، أرادت إيران بعث رسالة مفادها أنها لا تزال القوة المهيمنة على ممرات الطاقة العالمية، وأن "الحصار البحري الأمريكي" لم ينجح في تحجيم قدرتها على المناورة. تسليم الرد في ذروة التوتر الملاحي يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بتفاوض بشروط إيرانية، أو تحمل مسؤولية أي انفجار قادم قد يؤدي إلى شلل كامل في إمدادات النفط الدولية.
على الصعيد الدبلوماسي الدولي، يمثل التوقيت محاولة إيرانية ذكية لاستباق القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين. سعت طهران من خلال تسليم ردها للوساطة الباكستانية إلى تقديم نفسها كطرف "عقلاني ومرن" يبحث عن حلول سياسية، وذلك لتجريد الإدارة الأمريكية من ذرائعها التصعيدية أمام الجانب الصيني. هذا التحرك يهدف بالدرجة الأولى إلى إحراج واشنطن وتصويرها كطرف متشدد يرفض المبادرات السلمية، مما قد يدفع الصين لاتخاذ موقف أكثر دعماً لإيران في المحافل الدولية، أو على أقل تقدير، الحفاظ على تدفق الشراكة الاقتصادية بين بكين وطهران رغم التهديدات الأمريكية.
داخلياً، جاء توقيت الرد كضرورة ملحة لترتيب "البيت الإيراني" وصهر التباينات بين التيارات المحافظة والإصلاحية التي ضجت بها التقارير الاستخباراتية الغربية مؤخراً. فمن خلال تقديم رد رسمي وموحد يحمل "ثوابت الثورة" وفي الوقت ذاته "براغماتية التفاوض"، نجحت القيادة الإيرانية في إرسال رسالة تماسك قوية إلى الداخل والخارج على حد سواء. هذه الخطوة تهدف إلى إفشال أي رهان أمريكي على حدوث تصدعات داخلية نتيجة الضغوط الاقتصادية، والتأكيد على أن الانخراط في المسار الدبلوماسي عبر إسلام آباد لا ينبع من موقف ضعف أو "استسلام"، بل هو تكتيك سيادي مدروس يحظى بإجماع مؤسسات الدولة العليا.
كواليس الوساطة: ماذا قدمت طهران؟
تشير التسريبات القادمة من دوائر صنع القرار في إسلام آباد إلى أن طهران وضعت "ثنائية الأمن والعقوبات" كحجر زاوية في ردها الأخير، مقدمةً مقايضة صريحة ومباشرة تربط بين استقرار ممرات الطاقة العالمية وحقوقها الاقتصادية. تضمن الرد الإيراني تعهداً بضمان أمن الملاحة الكامل في مضيق هرمز ووقف كافة الأنشطة البحرية "الاستفزازية"، ولكن مقابل شرط لا يقبل التأجيل: وهو الرفع الشامل والفوري لكافة العقوبات المفروضة على قطاعي النفط والبتروكيماويات. هذه النقطة اعتبرتها واشنطن "رفعاً لسقف الطموحات"، إذ تسعى طهران من خلالها إلى استعادة تدفقاتها المالية بالكامل قبل الدخول في أي التزامات سياسية طويلة الأمد.
في مناورة دبلوماسية تهدف إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط العسكرية، اقترحت طهران في ردها المسلم للوسيط الباكستاني مبدأ "تجزئة المسارات"؛ حيث طالبت بفصل ملف النزاعات الإقليمية الراهنة وتوترات الخليج عن ملف برنامجها النووي. تهدف إيران من وراء هذا المقترح إلى معالجة الأزمات الميدانية المشتعلة حالياً كمسار "إسعافي" يؤدي إلى تهدئة عسكرية، مع إبقاء الملف النووي خاضعاً لمفاوضات تقنية وزمنية منفصلة. هذا الطرح يمثل تحدياً مباشراً لاستراتيجية البيت الأبيض، حيث ترفض طهران تقديم تنازلات نووية مقابل تهدئة إقليمية تصفها بأنها "تحصيل حاصل" لموقفها الدفاعي.
اصطدمت المقترحات الإيرانية برؤية راديكالية تتبناها إدارة ترامب، والتي ترفض جملةً وتفصيلاً فكرة "الاستقرار المجزأ". فبينما تحاول طهران المناورة بالملفات الإقليمية، تصر واشنطن على أن أي حديث عن السلام أو رفع العقوبات يجب أن يمر عبر بوابة "التفكيك الكامل والنهائي" للبنية التحتية النووية الإيرانية، وليس مجرد تقييدها أو مراقبتها. ترى الإدارة الأمريكية أن المقترح الإيراني المقدم عبر باكستان ما هو إلا محاولة لشرعنة البرنامج النووي مقابل هدوء مؤقت في المضائق، وهو ما دفع ترامب لوصف الرد بأنه "غير مقبول"، متمسكاً بشرط "التفكيك كمدخل وحيد" لأي اتفاق مستقبلي ينهي حالة العداء.
هل كان الرفض الأمريكي متوقعاً؟
لم يكن الرفض الأمريكي الفوري والمعد مسبقاً للرد الإيراني مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل يقرأه الخبراء كفصل جوهري من فصول "فن التفاوض" الذي يتبعه دونالد ترامب. فمن خلال وصم المقترحات الإيرانية بأنها "غير مقبولة" في لحظاتها الأولى، تسعى واشنطن إلى تحطيم الروح المعنوية للمفاوض الإيراني ووضعه في موقف "المدافع" الذي يحتاج لتقديم المزيد. هذه المناورة تهدف إلى إفهام طهران بأن سياسة "أنصاف الحلول" أو العودة إلى تفاهمات هشة لم تعد مطروحة على الطاولة الأمريكية، وأن الباب لن يُفتح إلا إذا حملت الحقيبة الباكستانية تنازلات بنيوية تمس عمق المشروع النووي ونفوذ الفصائل الإقليمية.
يدير الطرفان حالياً واحدة من أخطر ألعاب "حافة الهاوية" في التاريخ الحديث، حيث يسعى كل منهما لرفع سقف مطالبة إلى أقصى حد ممكن قبل الوصول إلى نقطة الانكسار. واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي الخانق سيجبر طهران في نهاية المطاف على تقديم "تنازلات كبرى" تشمل اليورانيوم عالي التخصيب وتقليص نفوذها في العواصم العربية، بينما تراهن إيران على أن صمودها الميداني وقدرتها على إرباك أسواق الطاقة سيجبران ترامب على قبول "ثمن أقل" لكسر الحصار. الرفض الأمريكي بهذا المعنى ليس نهاية المطاف، بل هو إعادة ضبط لبوصلة التوقعات، حيث يحاول كل طرف استنزاف وقت الآخر وصبره السياسي.
ما يعزز فرضية أن الرفض الأمريكي هو جزء من استراتيجية شاملة وليس مجرد موقف سياسي، هو التزامن المريب بين "اللا" الدبلوماسية وبين دوي الانفجارات في جزيرة قشم وبندر عباس. فمن خلال استخدام "العصا" العسكرية في اللحظة التي يُسلم فيها الرد، تبعث واشنطن برسالة دموية مفادها أن التفاوض لن يوفر غطاءً أمنياً للأنشطة الإيرانية، وأن الضربات الجوية ستستمر كـ "خلفية إجبارية" لأي حوار مستقبلي. هذا المزيج بين الرفض القاطع والضغط العسكري الميداني يهدف إلى دفع طهران لتعديل مسودة ردها القادم لتكون أكثر ملاءمة للمطالب الأمريكية، تحت طائلة التهديد بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل مرافق حيوية أعمق.
باكستان.. الوسيط "العالق"
تجد إسلام آباد نفسها اليوم في واحدة من أصعب مهامها الدبلوماسية عبر التاريخ، حيث تتقمص دور "صندوق البريد" في حقل ألغام سياسي. فرغم النجاح التقني الذي حققته في فتح قناة اتصال مباشرة وعالية المستوى بين واشنطن وطهران، إلا أن هذا النجاح يضعها في موقف حرج؛ فهي عالقة بين مطرقة "مطالب ترامب الـ14" التي تمثل سقفاً أمريكياً غير قابل للتفاوض، وسندان "الشروط السيادية" التي تتمسك بها طهران كخطوط حمراء. هذا الوضع يحول باكستان من وسيط يسعى لتقريب وجهات النظر إلى "شاهد عيان" على اتساع فجوة الثقة، حيث يخشى الدبلوماسيون الباكستانيون من أن تتحول بلادهم إلى مجرد ساعي بريد يحمل رسائل الرفض والتهديد، مما قد يحملها تبعات فشل المفاوضات في منطقة لا تحتمل المزيد من الانفجارات.
يدرك رئيس الوزراء الباكستاني جيداً، وهو يراقب ردود الفعل المتشنجة من كلا الجانبين، أن مصير وساطته لا يتوقف على براعة الدبلوماسية الباكستانية بقدر ما يتوقف على نضوج "الواقعية السياسية" لدى الخصمين. فالفجوة الراهنة تشير إلى أن الطرفين لا يزالان يتمترسان في مواقع عليا "فوق الشجرة"، بانتظار أن يرمي الآخر غصن الزيتون أولاً. بالنسبة لإسلام آباد، فإن نجاح المهمة يتطلب إقناع واشنطن بأن التفكيك الكامل للمنشآت هو سقف يعجز أي نظام إيراني عن تقديمه دفعة واحدة، وفي الوقت ذاته إقناع طهران بأن كسر الحصار الاقتصادي لن يتم دون تقديم تنازلات مؤلمة تمس جوهر نفوذها الإقليمي. وحتى يتم العثور على هذه "المنطقة الوسطى"، تبقى الوساطة الباكستانية معلقة في الهواء، بانتظار تنازل من طرف يرى في التنازل انتحاراً سياسياً.
في المحصلة، تظل "رسائل باكستان" وثيقة تاريخية كشفت أوراق اللعب دون أن تنهي الأزمة؛ فقد أثبتت إيران أنها تمتلك نفساً طويلاً للقدرة على المناورة "تحت النار" وربط أمن الملاحة بحقوقها الاقتصادية، بينما أكد ترامب من جديد أنه لن يقبل بـ "أنصاف الحلول" التي تمنح طهران متنفساً دون تنازلات بنيوية في ملفاتها النووية والإقليمية. ومع استمرار دوي الانفجارات وتصاعد نبرة التهديد، يبقى مضيق هرمز والأسواق العالمية رهينة لنتيجة هذا "الاشتباك الدبلوماسي" العنيف، في انتظار ما إذا كانت الضغوط الميدانية ستجبر الطرفين على العودة إلى طاولة إسلام آباد، أم أن المنطقة تتجه نحو سيناريو لا يملك فيه أحد ترف التراجع.
