في ذكرى ميلاده.. عبد الحليم محمود: فقيه السوربون وزاهد المشيخة

الثلاثاء 12/مايو/2026 - 10:15 ص
طباعة في ذكرى ميلاده.. حسام الحداد
 
في الثاني عشر من مايو، تفيض الذاكرة المصرية والإسلامية بنسائم روحانية وعلمية مهيبة، إذ تحل ذكرى ميلاد "إمام المتقين" و"غزالي العصر الحديث"، الدكتور عبد الحليم محمود، ذلك العالم الرباني الذي لم يكن مجرد شيخ اعتلى سدة المشيخة، بل كان ظاهرة إيمانية وفكرية استثنائية قلما تجود بها الأزمان. لقد مثل الشيخ في مسيرته جسراً متيناً بين أصالة الشرق وعمق تراثه وبين معارف الغرب وفلسفته، فكان الفقيه المتبحر الذي لا يشق له غبار، والصوفي الزاهد الذي لم تفتنه أضواء المناصب، ورجل الدولة القوي الذي استعاد للأزهر هيبته واستقلاله في لحظات فارقة من تاريخ مصر، ليظل يوم ميلاده مناسبة لاستحضار نموذج "العالم المجاهد" الذي جمع بين سكينة المحراب وجرأة الميدان.
إن الاحتفاء بذكرى ميلاد الإمام عبد الحليم محمود هو احتفاء بقيم الاستقامة والثبات على المبدأ؛ فمنذ بزوغ شمسه في قرية السلام بالشرقية وصولاً إلى أروقة السوربون بفرنسا، صاغ الشيخ مشروعاً إصلاحياً فريداً جعل من "تزكية الروح" حجر الزاوية في بناء الأمة وتصحيح مسارها. وفي هذه الذكرى، نستعرض بروفايلاً مفصلاً يغوص في أعماق شخصيته المركبة، متوقفاً عند أهم محطاته السياسية التي هزت أركان السلطة انتصاراً للدين والمؤسسة، ومواقف الفكرية التي واجه بها الغلو والتغريب على حد سواء، دون إغفال القراءات النقدية التي رافقت مسيرته، لنرسم صورة بانورامية متكاملة لواحد من أعظم من ارتدى "العمامة الأزهرية" في العصر الحديث.

عالم من طراز فريد
وُلد الدكتور عبد الحليم محمود في الثاني عشر من مايو عام 1910 بقرية السلام التابعة لمحافظة الشرقية، لينشأ في بيئة ريفية صبغت روحه بالبساطة والتقوى، قبل أن يبدأ رحلته العلمية الشاقة في أروقة الجامع الأزهر حيث نهل من علوم الشريعة واللغة، ثم انتقل إلى آفاق الثقافة الغربية بسفره إلى فرنسا ليتوج مسيرته الأكاديمية بنيل درجة الدكتوراه من جامعة "السوربون" العريقة عام 1940 في فلسفة التصوف الإسلامي، وهو ما منحه رؤية استثنائية جمعت بين التبحر في "النقل" والانفتاح على "العقل"، ليعود بعدها متدرجاً في المناصب الأكاديمية والإدارية حتى اعتلى قمة الهرم الديني بتوليه مشيخة الأزهر عام 1973؛ حيث تميزت فترة إمامته (1973-1978) بمنهج إصلاحي فريد يرتكز على أن النهضة الحقيقية للأمة تبدأ من تزكية الروح والتربية الأخلاقية، متبنياً "الذوق الصوفي" السني كأداة لربط المسلم بخالقه في توازن دقيق بين متطلبات الروح وتحديات العصر الحداثي.
اتسمت فترة الشيخ عبد الحليم محمود بمواقف صلبة لاستعادة استقلال الأزهر وهيبته، ومن أبرزها:

قانون تطوير الأزهر (أزمة 1974):
تعد "أزمة عام 1974" المحطة الأبرز في تاريخ استقلال المشيخة في العصر الحديث، حيث بدأت المواجهة حين أصدرت الدولة قراراً تنظيمياً يهدف إلى تقليص نفوذ الإمام الأكبر وتحويل سلطاته الإدارية والمالية إلى "وزير شؤون الأزهر"، وهو ما اعتبره الدكتور عبد الحليم محمود محاولة صريحة لتحويل الأزهر إلى مجرد إدارة حكومية تابعة للسلطة التنفيذية. لم يتوانَ الشيخ في اتخاذ موقف حاسم، فقدم استقالته فوراً إلى الرئيس محمد أنور السادات، ورفض كافة محاولات الصلح والوساطة، بل وامتنع عن تقاضي راتبه الشهري واعتكف في منزله، مؤكداً أن كرامة الأزهر واستقلاليته تفوق أي منصب، مما أحدث هزة سياسية ودينية كبرى وأثار موجة من التأييد الشعبي والطلابي العارم لموقفه.
أمام هذا الإصرار والضغط الشعبي المتصاعد، وجد الرئيس السادات نفسه في مأزق سياسي اضطره إلى الرضوخ لمطالب الشيخ، فأصدر القرار الجمهوري رقم 125 لعام 1974، والذي تضمن تعديلات جوهرية أنصفت مكانة المشيخة؛ حيث نصّ القرار على منح شيخ الأزهر كادر معاملة مالية وبروتوكولية تعادل "نائب رئيس الوزراء" (وليس مجرد وزير)، والأهم من ذلك أنه أعاد له الصلاحيات الكاملة في الإشراف على جميع قطاعات الأزهر ومعاهده وجامعته، ملغياً بذلك تبعية المؤسسة للوزارة، ليخرج الإمام من هذه المعركة منتصراً ومثبتاً لقاعدة تاريخية تقضي بأن "شيخ الأزهر لا يُقال ولا يُتبع، بل يُستفتى ويُطاع في شؤون دينه ومؤسسته".

حرب أكتوبر 1973:
جسّد الدكتور عبد الحليم محمود خلال ملحمة أكتوبر 1973 نموذجاً فريداً لـ "العالم المجاهد"، حيث لم يكتفِ بالدور الروحي من داخل مكتبه، بل انطلق بنفسه إلى جبهات القتال ومعسكرات التدريب، ليقف بين الجنود والضباط خطيباً ومحفزاً. كانت كلماته تشحن النفوس بعقيدة إيمانية صلبة، محولاً الصراع من مجرد معركة عسكرية إلى قضية وجود وحق ديني، ومؤكداً للجنود أن الله ناصرهم ما داموا متمسكين بصبرهم وإيمانهم، مما جعل للمؤسسة الدينية دوراً محورياً في صناعة "روح أكتوبر" التي كانت سبباً رئيساً في كسر حاجز الخوف وتحقيق العبور العظيم.
أما اللحظة الأكثر تأثيراً في علاقة الشيخ بالقيادة السياسية قبل الحرب، فتمثلت في "البشرى النبوية" التي نقلها للرئيس أنور السادات؛ حيث روي أن الشيخ رأى في منامه رسول الله ﷺ يعبر قناة السويس ومعه علماء المسلمين ورجال القوات المسلحة، فذهب فوراً إلى الرئيس ليزف إليه هذه الرؤيا التي اعتبرها إشارة ربانية صريحة بالنصر. وقد تركت هذه البشرى أثراً بالغاً في نفس السادات، وعززت من ثقته في اتخاذ قرار الحرب، كما استُخدمت هذه الرؤيا في التعبئة المعنوية للجيش، مما أضفى صبغة من القدسية واليقين على المعركة، وجعل الجندي المصري يدخل الميدان وهو يؤمن بأن العناية الإلهية تؤيده في كل خطوة فوق رمال سيناء.

قانون الأحوال الشخصية:
اتخذ الدكتور عبد الحليم محمود موقفاً صلباً وحازماً ضد التعديلات المقترحة على قوانين الأحوال الشخصية في السبعينيات، والتي كانت تقودها أطراف قريبة من دوائر السلطة بدعم من السيدة جيهان السادات؛ حيث اعتبر الشيخ أن المساس ببنود الطلاق والنفقة وتعدد الزوجات وفقاً للرؤية "العصرية" المطروحة يمثل خروجاً عن ثوابت الشريعة الإسلامية. وقد أصر على أن يظل الأزهر الشريف هو المرجعية الوحيدة والنهائية لأي تشريع يمس الأسرة المسلمة، رافضاً تمرير أي قانون لم تخرج صياغته من أروقة هيئة كبار العلماء، مما أدى في نهاية المطاف إلى تجميد تلك المشروعات في عهده، معتبراً أن الحفاظ على الهيكل التقليدي للأسرة هو صمام أمان المجتمع ضد التغريب.
و يرى بعض الباحثين والحقوقيين أن موقف الشيخ عبد الحليم محمود اتسم بـ "الجمود الدفاعي" الذي أعاق تطور الحقوق المدنية للمرأة المصرية في تلك الحقبة؛ فبالرغم من منطلقاته الشرعية، إلا أن معارضته الشرسة حالت دون معالجة ثغرات قانونية كانت تتسبب في معاناة حقيقية لآلاف المطلقات والأمهات. ويُنتقد هذا الموقف لكونه حصر "المرجعية" في المؤسسة الدينية وحدها بمعزل عن المتغيرات الاجتماعية والواقع المتردي لبعض النساء، مما خلق حالة من الصدام بين "النص الجامد" و"الواقع المتغير"، واعتبره البعض استغلالاً لهيبة الأزهر لعرقلة إصلاحات حقوقية كانت تهدف لتحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة داخل الأسرة المصرية بما لا يتصادم بالضرورة مع مقاصد الشريعة الكلية.

مواجهة الفكر المتطرف:
على الرغم من النزعة الصوفية الهادئة والميول الروحانية التي طبعت شخصية الدكتور عبد الحليم محمود، إلا أنه لم يقف مكتوف الأيدي أمام صعود تيارات الغلو العنيف في السبعينيات، وتحديداً جماعة "التكفير والهجرة". فقد كان الشيخ من أوائل العلماء الذين أدركوا مبكراً خطورة هذا الفكر المنحرف الذي تجاوز حدود الخلاف الفقهي إلى تكفير المجتمع والحاكم واستباحة الدماء، فبادر بشن حملة فكرية مضادة استهدفت حماية الشباب من الانزلاق في منزلقات العنف، مؤكداً أن جوهر الإسلام هو الرحمة والوسطية، وأن إخراج الناس من الملة بغير حق هو فتنة تأكل الأخضر واليابس.
ولم يكتفِ الإمام الأكبر بالخطب الوعظية، بل صاغ رداً منهجياً رصيناً من خلال كتابه الشهير "الفتاوى"، وعدة رسائل فقهية فند فيها أصول فكر التكفير، حيث قام بتفكيك شبهاتهم القائمة على الفهم الخاطئ لآيات "الحاكمية" والجاهلية المعاصرة. وقد حذر في كتاباته بلهجة شديدة من خطر "تكفير المجتمع" وتداعياته التي تؤدي إلى تمزيق النسيج الوطني وتقويض أركان الدولة، مشدداً على أن مواجهة هذه الجماعات تتطلب معالجة فكرية عميقة تعيد الاعتبار لمقاصد الشريعة، مما جعل منه حائط صد منيعاً حال دون تغلغل هذه الأفكار داخل أروقة الأزهر الشريف أو أوساط العامة في ذلك الوقت.

الانتقادات الموجهة له
واجه الدكتور عبد الحليم محمود انتقادات واسعة تركزت حول ميله لتوظيف "الرؤى والمنامات" في الشأن العام، وهي النقطة التي أثارت حفيظة التيارين العلماني والعقلاني، وحتى بعض رفاقه من علماء الأزهر؛ حيث اعتبر هؤلاء أن استحضار الغيبيات وبشرى المنامات في سياق قرارات مصيرية كحرب أكتوبر يمثل تغليباً للعاطفة الدينية على الحسابات الاستراتيجية والواقعية، ورأى المنتقدون أن هذا النهج قد يكرس للعقلية التواكلية ويفتح الباب أمام تفسير الأحداث السياسية والعسكرية من منظور غير مادي، مما قد يضعف من قيمة التخطيط العلمي والعقلي في نظر العامة.
ومن زاوية أخرى، كان تمسكه الشديد بالتصوف والدفاع عن "كرامات الأولياء" وقيم الطرق الصوفية مادة خصبة لهجوم ضارٍ من التيارات السلفية التي كانت تشهد صعوداً في تلك الفترة؛ إذ اتهمه خصومه من هذا التيار بتكريس "البدع" وتهميش المنهج السلفي في فهم العقيدة. ورأى هؤلاء المنتقدون أن إضفاء الشيخ الشرعية على الممارسات الصوفية قد يفتح الباب لانتشار الشركيات بين العوام، معتبرين أن مجهوداته في نشر التصوف "الفلسفي والذوقي" لم تخلُ من صبغة طرقية كانت سبباً في إثارة معارك كلامية وفقهية طويلة حول مفهوم "الولي" و"الوسيلة" التي يراها السلفيون منافية للتوحيد الخالص.
وعلى صعيد الفكر والنهضة، اتهمه فريق من المثقفين والحداثيين بتبني موقف "تقليدي متصلب" أعاق حركة التجديد داخل المؤسسة الدينية؛ حيث رأى هذا الفريق أن الشيخ كان يضع سياجاً منيعاً حول التراث يحول دون نقده أو تطويره بما يتواكب مع متغيرات العصر الحداثي. وشملت الانتقادات اتهامه بالتضييق على الاجتهادات التنويرية التي حاولت تقديم قراءات عصرية للنصوص، معتبرين أن إصراره على المرجعية المطلقة للأزهر في كافة الشؤون المدنية والاجتماعية أدى إلى صدام مع قيم الدولة الحديثة، وخلق فجوة بين الخطاب الديني الرسمي وبين تطلعات جيل كان ينشد التغيير والتحرر من وطأة القوالب الفقهية القديمة.

إرثه الباقي
خلف الدكتور عبد الحليم محمود وراءه ثروة فكرية هائلة تجاوزت المائة مؤلف، تنوعت بين الفلسفة والتصوف والفقه والدفاع عن الإسلام؛ ففي كتابه "قضية التصوف: المدرسة الشاذلية" قدم تنظيراً علمياً يربط السلوك الروحي بجوهر الشريعة، مخرجاً التصوف من دائرة "الدروشة" إلى رحاب العلم والمنطق، بينما استعرض في كتابه "أوروبا والإسلام" رؤيته النقدية للحضارة الغربية من منظور إسلامي مستعرضاً مواطن القوة والضعف، بالإضافة إلى كتابه العمدة "التوحيد" الذي بسط فيه أصول العقيدة بأسلوب يجمع بين بساطة العبارة وعمق الفكرة، لتظل هذه المؤلفات حتى يومنا هذا مراجع أساسية للباحثين الساعين لفهم حقيقة الوسطية الإسلامية والتصوف السني المنضبط.
وفي العاشر من أكتوبر عام 1978، ودعت الأمة الإسلامية "إمام المتقين" الذي رحل عقب عودته من رحلة حج مبرورة، وبعد إجراء جراحة عاجلة، ليوارى الثرى تاركاً خلفه مؤسسة أزهرية استعادت في عهده هيبتها واستقلالها السياسي والمالي كقوة أدبية لا تُقهر. لقد انطوت صفحة حياته لكن ظلت صورته الذهنية محفورة في وجدان الشعوب كنموذج للعالم الرباني الذي لم يساوم على كرامة عمامته، والشجاع الذي لم يخشَ في الحق لومة لائم، حتى في أحلك لحظات الصدام مع أعلى سلطة في الدولة، ليثبت بمسيرته أن قوة العالم تكمن في استغنائه بالله عن بريق المناصب، وفي إخلاصه لمبادئه التي عاش ولقي ربه وهو يذود عنها.

شارك