أزمة مالي 2026.. جذور تاريخية تعيد "أزواد" إلى قلب المشهد
الجمعة 15/مايو/2026 - 12:10 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
دخلت مالي في أبريل 2026 مرحلة جديدة من التصعيد الأمني والسياسي، بعد موجة هجمات عنيفة طالت العاصمة باماكو ومحيطها، بالتزامن مع تصاعد التوترات في شمال البلاد، خاصة في مدينة كيدال التي عادت مجددًا لتكون عنوانًا لهشاشة الدولة والصراع المزمن في الشمال.
وفي هذا السياق أكد تقرير تحليلي لمنصة أفريكان أرجومنتس (African Arguments) ، أن ما تشهده مالي اليوم ليس أزمة جديدة بقدر ما هو امتداد لصراع تاريخي لم تتم معالجته جذريًا، يتعلق بقضية أزواد والتهميش السياسي والاقتصادي لشمال البلاد.
تصعيد أمني غير مسبوق يعيد مالي إلى مربع الأزمة
في 25 أبريل 2026، شهدت مالي سلسلة هجمات متزامنة شملت انفجارات وإطلاق نار قرب باماكو وكاتي، فيما تعرضت مناطق متفرقة لهجمات أخرى، ما كشف عن اتساع نطاق التهديدات الأمنية.
وفي اليوم التالي، اغتيل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في هجوم انتحاري استهدف منزله، في واحدة من أخطر الاغتيالات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وأعلنت جهتان مسؤوليتها عن موجة الهجمات الأولى جبهة تحرير أزواد، وهي حركة ذات غالبية طوارقية تسعى لاستقلال شمال مالي، والثانية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ورغم اختلاف أجندتي الطرفين، فإن المشهد الدولي أعاد تقديم الأزمة ضمن إطار أمني تقليدي يربط بين الانفصال والإرهاب، وهو النهج ذاته الذي طبع التعاطي الدولي مع أزمة مالي منذ عام 2012.
جذور الأزمة تعود إلى 2012 وما قبلها
بحسب تقرير أفريكان أرجومنتس، فإن فهم أزمة مالي الحالية يتطلب العودة إلى جذور أعمق من أحداث 2012، وصولًا إلى الحقبة الاستعمارية التي رسمت حدودًا قطعت شبكات الحركة والتجارة التقليدية لمجتمعات الطوارق عبر مالي والجزائر والنيجر وليبيا.
ومنذ استقلال مالي عام 1960، عانت مناطق الشمال من ضعف الخدمات والبنية التحتية والاستثمارات، بينما اعتمدت الحكومات المتعاقبة على المقاربة الأمنية بدلًا من التنمية أو الحوار السياسي.
وفي عام 2012، أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال شمال مالي، لتتحول قضية أزواد مؤقتًا إلى ملف سياسي مطروح للنقاش، لكن صعود الجماعات المتشددة في الشمال، مثل أنصار الدين ثم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين غير مسار الأزمة بالكامل.
وبدلًا من التعامل مع مطالب الشمال باعتبارها قضية سياسية، جرى دمجها في إطار مكافحة الإرهاب، خصوصًا بعد التدخل العسكري الفرنسي عبر عملية سيرفال عام 2013.
فشل الحلول السياسية وانهيار اتفاق الجزائر
أوضح التقرير أن التدخلات العسكرية المتعاقبة نجحت في احتواء بعض التهديدات ميدانيًا، لكنها لم تعالج جذور الأزمة المرتبطة بمستقبل شمال مالي.
ففي عام 2015، جاء اتفاق الجزائر كإطار لتسوية النزاع، متضمنًا وعودًا باللامركزية ودمج المقاتلين السابقين ومنح الشمال قدرًا أكبر من الحكم الذاتي.
لكن الاتفاق فشل في حسم الأسئلة الجوهرية المتعلقة بإدارة شمال مالي وشكل العلاقة بين باماكو والمناطق الشمالية.
ومع الانقلابات العسكرية في مالي عامي 2020 و2021، ثم طرد بعثة الأمم المتحدة مينوسما في 2023 والاتجاه نحو الدعم الأمني الروسي، تدهورت العلاقة بين الحكومة المركزية والجماعات المسلحة الشمالية بصورة متسارعة.
وفي يناير 2024، انسحبت الحكومة العسكرية رسميًا من اتفاق الجزائر، ما أدى عمليًا إلى انهيار وقف إطلاق النار وعودة المواجهات المفتوحة.
أزواد ليست مجرد قضية انفصالية
يشير التقرير إلى أن اختزال قضية أزواد في بعدها الانفصالي أو العرقي يمثل تبسيطًا مخلًا بطبيعة الأزمة.
فشمال مالي لا يضم الطوارق فقط، بل يحتضن أيضًا مجتمعات السونغاي والعرب والفولاني، ولكل منها علاقات معقدة بالدولة والجماعات المسلحة ومفهوم أزواد نفسه.
وتتمحور الأزمة في جوهرها حول أسئلة السيادة والتمثيل السياسي وحقوق الأرض والتنقل والانتماء، وليس فقط مطلب الانفصال.
كما يحذر التقرير من خطورة التعامل مع جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين باعتبارهما تهديدًا موحدًا، إذ إن الأولى حركة ذات مطالب إقليمية وسياسية، بينما الثانية تنظيم عابر للحدود ذي أجندة أيديولوجية جهادية.
هذا الخلط، بحسب التقرير، يكرر الخطأ الذي ارتُكب منذ 2013، عندما طغى منطق مكافحة الإرهاب على أي مسار سياسي جاد.
ويرى المراقبون أن أزمة مالي 2026 تكشف فشل المقاربات الأمنية وحدها في احتواء النزاعات المعقدة في منطقة الساحل، حيث نجحت العمليات العسكرية خلال السنوات الماضية في احتواء بعض المظاهر المسلحة، لكنها لم تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالتهميش التاريخي والانقسام بين المركز والأطراف.
ويؤكد المراقبون أن عودة قضية أزواد إلى الواجهة تعكس استمرار الأسئلة المؤجلة بشأن مستقبل شمال مالي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، كما أن استمرار اختزال المشهد في معادلة الإرهاب والانفصال فقط قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الحلقة ذاتها من العنف وعدم الاستقرار.
لذلك، تبدو مالي اليوم أمام اختبار حاسم: إما إعادة فتح مسار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة التاريخية، أو الاستمرار في إدارة الصراع أمنيًا بما يهدد بمزيد من التفكك وعدم الاستقرار في منطقة الساحل بأكملها.
