صناعة المفهوم وتسييس المقدس: قراءة في "صناعة السلفية" لهنري لوزيير

السبت 23/مايو/2026 - 05:28 م
طباعة صناعة المفهوم وتسييس حسام الحداد
 
يعد كتاب "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين" للمؤرخ هنري لوزيير واحداً من أهم الأعمال الأكاديمية التي أعادت صياغة فهمنا لظاهرة السلفية المعاصرة. لا يقدم لوزيير في هذا العمل مجرد تأريخ كرونولوجي لحركة دينية، بل يقتحم حقل "تاريخ الأفكار" و"العلوم السياسية" ليقدم تشريحاً بنيوياً لكيفية تحول المفهوم الديني من نصوص تراثية إلى أيديولوجيا سياسية فاعلة في العصر الحديث. يتجاوز المؤلف السرديات الاستشراقية التقليدية، معتمداً على مادة أرشيفية غزيرة تتيح له كشف الميكانزمات التي أدت إلى تسييس "السلفية" وربطها بالتحولات الجيوسياسية في القرن العشرين، لا سيما في علاقتها بصعود الدولة الوطنية في العالم الإسلامي.
تكمن أهمية هذه القراءة النقدية في محاولتها تفكيك الخطاب الذي تبناه لوزيير، وتقييم أدواته المنهجية التي تزاوج بين "تفكيك المفهوم" (Deconstruction) والتحليل التاريخي المادي. إن هذا التقرير لا يكتفي بعرض الأطروحة، بل يسعى إلى إخضاعها للمساءلة النقدية عبر المناهج البنيوية، وتحليل الخطاب، والتاريخانية، مستقصياً الفجوات المنهجية التي تخللت استنتاجات المؤلف. تهدف هذه القراءة إلى إبراز القيمة المعرفية للكتاب بوصفه "مشرطاً تشريحياً" لا غنى عنه لكل باحث يرغب في فهم التداخل المعقد بين الدين والسياسة، وتفكيك بنية "الصناعة الأيديولوجية" التي جعلت من السلفية فاعلاً مؤثراً في المشهد المعاصر.

من التفكيك النظري إلى إعادة بناء المصطلح
يبتعد هنري لوزيير في هيكلة كتابه عن السرد التاريخي التقليدي (الكرونولوجي) الذي يكتفي برصد الأحداث في تتابع زمني، ليتبنى بدلاً من ذلك "تفكيك المفهوم" كركيزة بنيوية (ص. 15-20). يعمد لوزيير إلى تقويض البداهة المفاهيمية لمصطلح "السلفية"، حيث ينتقل من التفكيك النظري والدلالي للمصطلح في الفصول الأولى، إلى إعادة بنائه داخل الحقبة الممتدة من العشرينيات حتى التسعينيات من القرن العشرين، مما يخلق وحدة دلالية متماسكة تحول الكتاب من مجرد سيرة تاريخية إلى نقد مفاهيمي عميق.
يرتكز البناء الحجاجي في العمل على استراتيجية "دراسة الحالة" (Case Study) لتدعيم أطروحته المركزية، حيث يمثل الشيخ "تقي الدين الهلالي" نموذجاً محورياً لتحليل الانتقال الفكري والسياسي (ص. 112). ينجح لوزيير من خلال هذا التوظيف البنيوي في الربط بين التنظير الفكري النخبوي والواقع السياسي المعاش، مما يضفي اتساقاً منطقياً يخدم غايته في إثبات أن السلفية المعاصرة ليست امتداداً خطياً تراثياً، بل هي نتاج "صناعة" أيديولوجية حديثة تشكلت بفعل ظروف سوسيو-سياسية معينة.
تتسم أجزاء الكتاب بترابط محكم يُظهر السلفية بوصفها "كتلة متحولة" لا "جوهراً ثابتاً". يكشف المؤلف كيف تتشابك خيوط السلفية مع القومية والدولة الوطنية، حيث يخصص فصولاً كاملة لتحليل كيفية تكييف المفهوم ليخدم أهدافاً سياسية (ص. 235). هذه البنية لا تعتمد فقط على الربط بين الفصول، بل على "التراكم الحجاجي" الذي يدفع القارئ للتخلي عن النظرة التبسيطية للسلفية لصالح رؤية تعترف بتعددية المرجعيات التاريخية والاجتماعية التي ساهمت في تشكيلها.
يتميز لوزيير بأسلوب أكاديمي يتسم بالصرامة المنهجية، حيث لا يعتمد على استنتاجات مرسلة، بل على تقاطع مكثف بين الأرشيفات التاريخية الأولية (المجلات، المراسلات الخاصة، والوثائق الرسمية) وبين التحليل المفاهيمي (ص. 340). هذا الأسلوب يضفي على النص صفة "التحليل الاستقصائي"، مما يجعل الكتاب يتجاوز السرد الوصفي التقليدي إلى تحليل أيديولوجي رصين يخضع فيه النص الديني والمواقف الفكرية لمشرط التشريح التاريخي.
كما يعمد المؤلف إلى توظيف لغة نقدية تتسم بالحياد الموضوعي المبتعد عن الأحكام القيمية، معتمداً على أدوات العلوم السياسية وتاريخ الأفكار (ص. 415). إن اختيار المفردات وبناء الجمل يعكس حرصاً على إبراز "صناعة" المفهوم لا "اكتشافه"، مما يجعل القارئ أمام نصٍّ يبني حجةً منطقية متصاعدة؛ تبدأ بمساءلة المصطلح، وتمر بتفكيك سياقه، وتنتهي بتقديم رؤية نقدية متكاملة لظاهرة "الإصلاح الإسلامي" في القرن العشرين كحقل دلالي متنازع عليه.

نشوء السلفية وتشكل الدولة الوطنية
يضع هنري لوزيير كتابه في إطار تحليلي ينتمي لمدرسة "ما بعد الاستعمار"، حيث يربط نشوء السلفية المعاصرة ليس بالانغلاق التراثي، بل بالديناميكيات المعقدة لتشكل الدولة الوطنية الحديثة في العالم الإسلامي (ص. 45-50). يجادل المؤلف بأن السلفية لم تكن رد فعل منعزلاً ضد الحداثة، بل كانت عملية "إعادة صياغة للهوية" في سياق سياسي واجتماعي يتسم بضغط المؤسسات الاستعمارية، مما جعل الخطاب السلفي وسيلة للمطالبة بالسيادة والشرعية في ظل نظام عالمي جديد.
يبرز الكتاب كيف تفاعلت الحركات الإصلاحية بمرونة عالية مع "صدمة الاستعمار"، حيث أصبحت السلفية أداة فكرية لمحاولة سد الفجوة بين التراث وبين متطلبات الحداثة السياسية (ص. 82-85). يوضح لوزيير أن رغبة هذه الحركات في "استعادة الهوية" لم تكن عملاً استرجاعياً محضاً، بل كانت استجابة استراتيجية لتحديات "صعود القوميات"، حيث استُخدم المفهوم السلفي كوعاء أيديولوجي يمكن من خلاله إعادة تعريف الانتماء في مواجهة التفتيت الاستعماري.
يتحدى لوزيير بقوة السردية الاستشراقية التقليدية التي تختزل السلفية في كونها "كتلة صماء" أو "عودة أبدية للماضي" (ص. 155-160). وبدلاً من ذلك، يفكك المؤلف هذا التصور ليبرز السلفية كأيديولوجيا مرنة وديناميكية تشكلت استجابة لضرورات سياسية آنية، مشيراً إلى أن التسمية والتعريف السلفي ظلا موضوعاً للصراع حتى داخل التيار نفسه، وهو ما يثبت أن السلفية هي منتج تاريخي خاضع للتحولات السياسية وليس مجرد تيار ديني جامد.
كما يركز الكتاب على دور "المملكة العربية السعودية" كقوة إقليمية صاعدة، وكيف وظفت هذه الدولة المفهوم السلفي وتطوراته لتحويله إلى أداة لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي (ص. 280-285). من خلال هذا التحليل التاريخاني، يربط لوزيير بين بروز الأيديولوجيا السلفية وبين "المأسسة" التي خضعت لها تحت رعاية القوة السياسية، مما يؤكد أطروحته أن السلفية المعاصرة هي "صناعة" أيديولوجية بامتياز، تداخلت فيها المصالح الجيوسياسية مع التطلعات الدينية الإصلاحية، مما أنتج النسخة التي نعرفها اليوم في القرن العشرين.

كشف "إرادة المعرفة" وتفكيك المركزية
 ينطلق هنري لوزيير في مشروعه النقدي من منظور "فوكوي" (نسبة إلى ميشيل فوكو) في الكشف عن "إرادة المعرفة" التي تحكم الخطاب الاستشراقي تجاه الإسلام (ص. 22-26). يهدف المؤلف إلى تفكيك المركزية المعرفية التي هيمنت على الدراسات الغربية، والتي طالما حصرت السلفية في قوالب جاهزة؛ حيث يسعى لوزيير إلى إثبات أن هذه الدراسات لم تكن مجرد وصف محايد، بل كانت خطاباً سلطوياً ساهم في خلق "نموذج السلفية" كما نعرفه اليوم لخدمة غايات استعمارية أو تقويمية مسبقة.
يوجه لوزيير نقداً منهجياً –يتراوح بين التلميح المبطن والنقد المباشر– لأعمدة الاستشراق الكلاسيكي، وعلى رأسهم لوي ماسينيون (ص. 58-62). يكشف المؤلف أن هؤلاء المستشرقين وقعوا في فخ "الخلط المفاهيمي"، حيث أعادوا بناء مفهوم السلفية بما يوافق تصوراتهم عن "الإسلام الغارق في التاريخ"، وهو ما أدى إلى ترسيخ صور نمطية ضيقة اختزلت حيوية التحولات الإصلاحية في القرن العشرين في إطار "الانحطاط" أو "الرغبة في العودة للماضي"، متجاهلين بذلك السياقات السياسية الحية.
يمارس الكتاب عملية "نزع القداسة" عن السلفية عبر إخضاعها للتحليل التاريخي المادي (ص. 180-185). من خلال هذا النهج، يُخرج لوزيير المفهوم من دائرة "التعالي الإلهي" أو "الالتزام التعبدي المحض" إلى دائرة "الفعل البشري السياسي". هذا التحول البنيوي في الخطاب يعد تحدياً جذرياً للسرديات الأيديولوجية التي تقدس الممارسة السلفية، حيث يُصر المؤلف على أن "السلفية" هي نتاج خيارات استراتيجية لفاعلين تاريخيين، وليست فرضية دينية جامدة لا تقبل المساءلة.
يدرك لوزيير أن منهجه قد يُقابل بالرفض من قبل القارئ الأيديولوجي الذي قد يرى في نزع القداسة وتغليب التحليل المادي والسياسي "إقصاءً" للجانب الروحي والشرعي الذي يشكل جوهر هوية السلفية (ص. 390-395). ومع ذلك، فإن هذه "الاستراتيجية الإقصائية" –في نظر المدافعين عن السلفية– تمثل في الواقع "أداة كشفية" لدى لوزيير، تهدف إلى إزاحة الغطاء الأيديولوجي لبيان كيف استُخدمت الرموز الدينية لإضفاء شرعية على مشاريع سياسية ومؤسسية طموحة، مما يجعل من الكتاب نصاً كاشفاً لميكانزمات السلطة داخل الحقل الديني.

النقد والقيمة المعرفية
يمثل كتاب هنري لوزيير إضافة معرفية نوعية في دراسات الإسلام المعاصر، متجاوزاً بذلك الأدبيات السابقة التي غالباً ما قاربت السلفية من زوايا لاهوتية صرفة. ينجح المؤلف في إرساء دعائم منهجية تجمع بين "صرامة الأرشيف" وبين "عمق التنظير السياسي" (ص. 380-385)، وهو ما يجعل الكتاب مرجعاً بنيوياً لفهم كيف تحولت السلفية من خطاب إصلاحي متناثر إلى أيديولوجيا سياسية ذات مؤسسات وبنى تنظيمية واضحة المعالم.
ورغم الرصانة المنهجية، يُؤخذ على الكتاب –كما يشير المترجم عمرو بسيوني في تعقيباته النقدية– نزعة "الاختزال السياسي" (ص. 410-412). إذ يرى نقاد أن لوزيير قد بالغ في ربط ظاهرة "السلفية" بالضرورات الأيديولوجية والجيوسياسية على حساب المتغيرات الدينية العميقة والممارسات الاجتماعية المحلية. هذا التوجه يخلق "فجوة تحليلية" عند محاولة تعميم أطروحة المؤلف على مجتمعات إسلامية متباينة، حيث قد تغيب الفروق الفردية والمحلية لصالح "نموذج سلفي موحد" قد لا يعكس دائماً الواقع الاجتماعي المعاش.
تبرز الثغرة المنطقية في الكتاب عندما يتم تجاهل أن السلفية ليست كتلة متجانسة في تفاعلها مع السلطة، بل هي ساحة تدافع فكري (ص. 420-425). فبينما ينجح لوزيير في تحليل "صناعة" السلفية في سياق النفوذ السعودي، يغفل أحياناً عن دراسة الحركات التي نشأت في سياقات بعيدة عن هذا التأثير المباشر، مما يضعف من "شمولية" أطروحته. هذا النقد يدفع الباحثين لاستخدام منهجية لوزيير كـ "مشرط تشريحي" لا كـ "قانون كلي" يفسر كل الحركات الإصلاحية دون تمييز.
تكمن القيمة المعرفية المضافة للكتاب في كونه أخرج "السلفية" من حيزها الميتافيزيقي ومسلمات التراث إلى فضاء "الظواهر السياسية الملموسة" (ص. 440-445). لم يعد التساؤل حول "ما هي السلفية في جوهرها؟"، بل أصبح "كيف صُنعت السلفية؟ ومن هم الفاعلون التاريخيون الذين ساهموا في مأسستها؟". هذا التحول في زاوية النظر يمنح القارئ العربي أدوات فكرية لتفكيك الخطابات الأيديولوجية المعاصرة وتاريخها المادي.
يخلص الكتاب إلى أن فهم الدين سياسياً ومؤسسياً لا يعني استبعاده من سياقه الروحي، بل يعني وضع اليد على كيفية استثمار هذا الدين في تحديات الدولة القومية والتحولات العولمية (ص. 460-465). يُعد العمل اليوم وثيقة أساسية لأي ناقد سياسي أو باحث أكاديمي يسعى لرصد جذور "التشكل الأيديولوجي" في الفضاء الإسلامي، حيث يقدم خارطة طريق لفهم كيف يمكن للأفكار أن تتحول إلى قوة فاعلة في التاريخ بفعل الإرادة المؤسسية والسياسية.
في الختام، يُشكل مؤلف هنري لوزيير علامة فارقة في الدراسات الإسلامية المعاصرة، إذ ينجح في نقل النقاش حول السلفية من حيز المسلمات الميتافيزيقية إلى فضاء الظاهرة السياسية القابلة للدراسة والقياس. ورغم الثغرات النقدية المتعلقة بنزعة "الاختزال السياسي" في أطروحته، تظل قيمته المعرفية تكمن في منهجيته التفكيكية التي تُعرّي علاقة الدين بالسلطة والمؤسسة. إن هذا الكتاب ليس مجرد مرجع تاريخي، بل هو أداة تحليلية حيوية تمكّن القارئ والباحث من مساءلة الخطابات المعاصرة، وفهم كيف تُصاغ الهويات الدينية في مختبرات الدولة الوطنية وتحولات النظام العالمي، مما يجعله وثيقة لا غنى عنها في خزانة النقد السياسي الحديث.

شارك