بوركينا فاسو: كيف تحول "ملف كيندو" إلى معركة وجودية ضد التطرف؟

الجمعة 29/مايو/2026 - 11:25 ص
طباعة  بوركينا فاسو: كيف علي رجب
 
في تطور يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية التقليدية، تعيش بوركينا فاسو حالة من التوتر المتصاعد بعد الإجراءات الأمنية الصارمة التي اتخذتها سلطات واغادوغو مؤخرا، والمتمثلة في اعتقال الشيخ الدكتور محمد إسحاق كيندو، رئيس مجلس علماء أهل السنة، وإغلاق الجامع الكبير للحركة السنية في العاصمة. 
هذه الخطوة، التي وصفت بأنها "زلزال اجتماعي وديني"، تضع البلاد في واحدة من أكثر مراحل الصراع حساسية، وسط تحذيرات جدية من أن هذا التصعيد قد يمنح تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبط بالقاعدة "هدية دعائية" ثمينة لاستقطاب المزيد من الشباب وتوسيع قاعدة نفوذه في منطقة الساحل.

تفاصيل الاعتقال والغموض المحيط
بدأت فصول الأزمة يوم الثلاثاء 26 مايو 2026، عندما أقدمت قوات من الشرطة على اعتقال الشيخ محمد إسحاق كيندو، وهو إمام وداعية يتمتع بنفوذ واسع ومكانة دينية معتبرة، ونقل إلى وجهة غير معلومة حتى اللحظة. 
ورغم صدور بيان عن "اتحاد الجمعيات الإسلامية في بوركينا فاسو" (FAIB) يؤكد وقوع الاعتقال، إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي تعقيب رسمي من السلطات يوضح التهم الموجهة للشيخ.

وأوضح الحاج عمر زونغرانا، رئيس إدارة جمعية أهل السنة، أن الجمعية لا تزال في حالة من الترقب، حيث تجري اتصالات مكثفة مع السلطات لكشف أسباب الاعتقال، معتبرا أن الموقف يتطلب أعلى درجات المسؤولية والهدوء. 

وتشير الترجيحات، وفقا لمصادر مطلعة وأقارب للشيخ، إلى أن الاعتقال جاء على خلفية انتقادات وجهها كيندو لمشروع قانون "الحريات الدينية" الذي تم تبنيه في 19 مارس 2026، وتحديدا البند الذي يمنع بناء دور العبادة داخل المرافق الحكومية، وهو ما اعتبرته الأوساط السنية تقييدا غير مبرر للحرية الدينية.

وقد أحدثت هذه الخطوة صدمة في الشارع، حيث خرج مئات المحتجين في واغادوغو للمطالبة بالإفراج عن الإمام، إلا أن قوات الأمن تدخلت لتفريق المظاهرة باستخدام الغاز المسيل للدموع، مما زاد من حدة الاحتقان.

مواجهة بين الخطاب السيادي والقبضة الأمنية
في المقابل، يتبنى الرئيس الانتقالي، النقيب إبراهيم تراوري، نهجا حازما تجاه الجماعات المسلحة، حيث يرى أن البلاد تخوض "حرب بقاء". وفي خطاب ناري، هاجم تراوري قادة الجماعات المتطرفة، واصفا إياهم بـ"المنافقين" الذين يتخذون من الدين "أداة للإمبريالية" لتدمير استقرار الدولة، مؤكدا أن هؤلاء القادة يعيشون في رغد بينما يزجون بالشباب في أتون معارك خاسرة بعد غسل أدمغتهم بفتاوى التكفير.

ويسعى تراوري إلى بناء "خطاب ديني بديل" يهدف إلى تجفيف منابع التطرف الفكري، إلا أن المحللين يطرحون تساؤلا جوهريا: هل تنجح المقاربة الأمنية في بناء هذا الخطاب إذا كانت تستهدف المرجعيات التي تمثل "الحصانة المجتمعية" ضد الفكر المتشدد؟

"هدية" لتنظيم القاعدة
إن أخطر ما يخشاه المراقبون هو أن تستثمر جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" هذا الشرخ. فالتنظيم لا يحتاج إلى تحالف مع العلماء المعتدلين، بل يكفيه استغلال الغضب الشعبي لتعزيز سرديته بأن "الدولة تحارب الإسلام"، مما يجعل من اعتقال الشيخ كيندو مادة دسمة لآلة الدعاية الجهادية. فالمظلومية هي المحرك الأكبر للتجنيد في الساحل، وعندما تحرم الأوساط السنية من صوتها المعتدل، فإنها قد تصبح بيئة خصبة للأفكار الأكثر تطرفا.

بيئة سياسية ملبدة بالشكوك
تأتي هذه الأزمة في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول التوجه الاستراتيجي لبوركينا فاسو، فبعد أن استمد تراوري شرعيته من خطابه المناهض للاستعمار الفرنسي، بدأت تلوح في الأفق بوادر استياء نتيجة تحول البلاد نحو "الارتهان لروسيا"، مع تزايد الاعتماد على الحلول العسكرية. 
هذا التغير في التحالفات، مقترنا بالقبضة الأمنية، جعل الكثيرين يشعرون بأن البلاد تتحول إلى فضاء تحكمه لغة القوة أكثر من التوافقات الوطنية.

إن إغلاق الجامع الكبير، الذي يعد منارة للحركة السنية في واغادوغو، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو يهددبتآكل الثقة بين الدولة وبين شرائح واسعة من الشعب البوركينابي الذي يرى في هذه المؤسسات جزءا من هويته الوطنية.

استنزاف وجودي لا يحسمه السلاح وحده
تخوض بوركينا فاسو منذ سنوات حربا شرسة ضد حركات التمرد التي أودت بحياة الآلاف وأدت إلى نزوح أكثر من مليوني شخص. 
ومع بقاء مساحات شاسعة من البلاد خارج سيطرة الدولة، باتت الحرب ضد "القاعدة" و"داعش" حربا وجودية. 
وتقف سلطات واغادوغو اليوم أمام خيار صعب: إما إعادة النظر في كيفية التعامل مع المرجعيات الدينية المحلية لضمان تحصين المجتمع من التطرف، أو الاستمرار في نهج "القبضة الحديدية" الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

ويخبرنا التاريخ في منطقة الساحل أن الصدام مع المؤسسات الدينية المعتدلة كان دائما هو "ثغرة الدخول" التي نفذت منها التنظيمات الإرهابية. 

لذا، فإن الإفراج عن الشيخ كيندو والحوار مع المرجعيات قد يكون المفتاح ليس فقط للحفاظ على السلم الاجتماعي، بل أيضا لحرمان القاعدة من أهم ورقة رابحة في حربها الدعائية ضد الدولة البوركينية. فالمعركة التي تخاض في الميادين العسكرية يجب أن توازيها معركة حكمة في إدارة الملفات الدينية والاجتماعية، لضمان ألا تتحول السجون إلى مدارس جديدة للتطرف، وألا تصبح المساجد المغلقة ساحات جديدة للغضب المسلح.

شارك