لماذا يصعب الوثوق بالنظام الإيراني؟
السبت 27/يونيو/2026 - 05:03 م
طباعة
لا يتعلق السؤال حول التزام النظام الإيراني بتعهداته بتفاصيل اتفاق هنا أو تفاهم هناك، بل بطبيعة هذا النظام نفسه. فالتجربة الممتدة خلال العقود الماضية أظهرت أن طهران لا تتعامل مع الاتفاقات بوصفها التزاماً دائماً، بل كوسيلة لشراء الوقت، وتخفيف الضغط، وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية.
منذ سنوات طويلة، جرّبت العواصم الغربية والإقليمية مسارات متعددة مع نظام ولاية الفقيه: حوار، اتفاقات، تفاهمات أمنية، تسهيلات اقتصادية، ومفاوضات نووية. لكن النتيجة غالباً كانت واحدة: تراجع مؤقت في الخطاب، ثم عودة إلى التصعيد، سواء عبر البرنامج النووي والصاروخي، أو عبر الميليشيات الإقليمية، أو عبر القمع الداخلي.
المشكلة أن هذا النظام لا يرى الاستقرار هدفاً بذاته. فمنذ تأسيسه، قام على فكرة تصدير الأزمات، وصناعة العدو، واستخدام التوتر الخارجي لتبرير السيطرة الداخلية. لذلك، فإن أي اتفاق لا يغير هذا المنطق يبقى هشاً بطبيعته. فالمسألة ليست في توقيع ورقة، بل في بنية حكم تحتاج إلى الأزمة لكي تستمر.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن طهران تستطيع الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكنها لا تتخلى عن أدواتها الأساسية: الصواريخ، الأذرع المسلحة، الابتزاز النووي، والتدخلات الإقليمية. وفي الداخل، يترافق كل حديث عن التهدئة مع موجات من الإعدامات والاعتقالات والتضييق على المجتمع. وهذا يعني أن النظام يستخدم الدبلوماسية في الخارج، بينما يواصل الحرب على شعبه في الداخل.
الاتفاق كتكتيك لا كتحول
حين يوقّع نظام ديمقراطي اتفاقاً، يكون ذلك غالباً جزءاً من سياسة دولة خاضعة للمساءلة. أما في حالة نظام ولاية الفقيه، فإن الاتفاق يتحول إلى مناورة مرتبطة بتوازنات البقاء. فإذا احتاج النظام إلى تخفيف الضغط الاقتصادي، يذهب إلى التفاوض. وإذا شعر بأنه استعاد بعض القوة، يعود إلى التصعيد. ولهذا تبدو كل تسوية معه مؤقتة، لأنها لا تمس جوهر المشكلة.
وهنا يكمن الفارق بين أزمة يمكن حلها بالمفاوضات، وأزمة ترتبط بطبيعة السلطة نفسها. فالنظام الإيراني لا يستطيع أن يتخلى بصورة جدية عن مشروعه الإقليمي والعسكري، لأن ذلك سيهز صورته أمام أجهزته وقاعدته الصلبة. كما لا يستطيع وقف القمع الداخلي، لأن الخوف هو إحدى أدوات بقائه الأساسية.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يوقع النظام اتفاقاً؟ بل: هل يستطيع أن يعيش من دون أزمة؟ والتجربة تقول إن الإجابة تميل إلى النفي.
في المقابل، تطرح المقاومة الإيرانية رؤية مختلفة تماماً؛ رؤية تقوم على أن استقرار إيران والمنطقة لا يمر عبر منح النظام فرصاً جديدة، بل عبر دعم حق الشعب الإيراني في تغيير ديمقراطي. هذه الرؤية ترفض ثنائية الحرب والمساومة، وتطرح بديلاً يقوم على جمهورية ديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة، وإيران غير نووية تعيش بسلام مع جيرانها والعالم.
وقد حملت فعاليات «مؤتمر إيران الحرة 2026» في باريس هذه الرسالة بوضوح. فعلى الرغم من العراقيل ومحاولات التضييق، ظهر صوت المقاومة الإيرانية مؤكداً أن الحل لا يكمن في صفقة جديدة مع نظام اعتاد نقض تعهداته، بل في الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. فالمشكلة ليست في غياب الاتفاقات، بل في غياب نظام يحترم القانون والإنسان والتزاماته.
لذلك، يصعب الوثوق بالنظام الإيراني، لا لأنه خالف هذا الاتفاق أو ذاك فقط، بل لأن منطق بقائه يقوم على المراوغة والتصعيد والقمع. أما الطريق إلى الاستقرار، فيبدأ من الاعتراف بأن إيران تحتاج إلى تغيير يضع مصلحة الشعب، لا بقاء السلطة، في قلب السياسة.
