حسام الحداد يكتب: الشرق الأوسط على أعتاب "مرحلة التصفية"

السبت 30/مايو/2026 - 04:49 م
طباعة حسام الحداد يكتب: حسام الحداد
 
تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة مفصلية تتسم بسيولة استراتيجية حادة، حيث تتقاطع طموحات القوى الإقليمية مع حسابات المصالح الدولية في مشهدٍ أعادت فيه العمليات العسكرية المفتوحة رسم خرائط النفوذ التقليدية. إن الحالة الراهنة ليست مجرد سلسلة من المواجهات المتفرقة، بل هي انعكاس لمرحلة "تصفية حسابات" كبرى، تسعى فيها أطراف الصراع إلى انتزاع أقصى قدر ممكن من "أوراق القوة" الميدانية قبل التوصل إلى أي تسويات دولية محتملة. هذا التحول نحو الميدان العسكري كأداة ضغط رئيسية أدى إلى تآكل قواعد الاشتباك القديمة، مما خلق واقعاً جيوسياسياً معقداً يفرض على جميع الفاعلين إعادة تقييم خياراتهم الوجودية في بيئة تفتقر إلى أدنى مستويات اليقين.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، تبرز واشنطن وطهران كلاعبين محوريين في "دبلوماسية حافة الهاوية"، حيث تتأرجح المنطقة بين فرص اتفاقات دبلوماسية لا تزال هشّة، وبين مخاطر الانزلاق نحو مواجهات شاملة تهدد أمن الإقليم واستقراره الاقتصادي. وبينما تحاول المسارات التفاوضية صياغة مذكرات تفاهم تهدف إلى احتواء التصعيد، يظل الميدان العسكري في لبنان وغزة هو المحرك الفعلي للسياسات، حيث تفرض إسرائيل عقيدة عسكرية جديدة تتجاوز "الردع" إلى "التفكيك المنهجي" لبنية خصومها. إن هذا التفاعل المتضارب بين الدبلوماسية المأزومة والعمليات العسكرية المستمرة يجعل من هذا التقرير قراءة في استراتيجيات القضم التدريجي والإنهاك المتبادل التي ترسم ملامح الشرق الأوسط في المرحلة القادمة.

واشنطن – طهران.. ودبلوماسية حافة الهاوية
تشير التقارير الواردة عن وكالتي  رويترز و الشرق  إلى أن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران قد تجاوزت مرحلة الاستكشاف لتصل إلى "صياغة المذكرة"، وهو تطورٌ يعكس رغبة الطرفين في إيجاد مخرج للأزمة الراهنة، رغم بقاء الفجوات الجوهرية قائمة. ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس ترامب إلى فرض استراتيجية "الضغط الأقصى المتجدد" عبر ربط أي اتفاق نووي بملفات إقليمية حساسة تتجاوز التخصيب، مثل ضمان حرية الملاحة في المضائق الاستراتيجية وكبح النفوذ المزعزع للاستقرار الذي تمارسه الوكلاء الإقليميون لإيران، فإن طهران تتعامل مع هذه المسارات بحذر شديد. إن المعضلة الأساسية التي تواجه هذه المذكرة تكمن في افتقارها إلى "الضمانات التنفيذية"؛ إذ تخشى طهران من احتمالية نقض أي اتفاق مستقبلاً، بينما تصر واشنطن على آلية مراقبة صارمة تضمن عدم استغلال أي تخفيف للعقوبات في إعادة تمويل الأنشطة العسكرية العابرة للحدود.
من وجهة نظر استراتيجية، تُعد هذه اللحظة بالنسبة لطهران مفترق طرق وجودي؛ فإدراك النظام بأن عام 2026 يحمل في طياته ضغوطاً اقتصادية خانقة وتحديات أمنية داخلية متصاعدة، دفع القيادة الإيرانية إلى استخدام "ورقة التوتر الميداني" كأداة ضغط تكتيكية لرفع سقف مطالبها وتحسين شروط التفاوض قبل إبرام أي صفقة. ومع ذلك، لا يزال التوافق المبدئي يُنظر إليه داخل دوائر صنع القرار في واشنطن بوصفه "هدنة استراتيجية" ضرورية لامتصاص الغضب الإقليمي ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، أكثر من كونه "حلّاً جذرياً" ينهي الخصومة التاريخية. إن هذا التباين في الأهداف يجعل من الاتفاق المحتمل كياناً هشاً، يعتمد استمراره على مدى قدرة الأطراف على موازنة المصالح الميدانية مع الضرورات الاقتصادية، في بيئة إقليمية تزداد فيها حدة الاستقطاب يوماً بعد يوم.

تجاوز "الخطوط الحمراء"
يُمثل عبور الفرقة 36 التابعة للجيش الإسرائيلي لنهر الليطاني وتوغلها العميق في الأراضي اللبنانية، وفقاً لما أوردته  ناشيونال نيوز، تحولاً جوهرياً ونوعياً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، التي انتقلت من عقيدة "الردع" التقليدي التي تعتمد على الضربات الجراحية والمحدودة، إلى عقيدة "الحسم العملياتي" التي تستهدف تفكيك البنية التحتية الصلبة لحزب الله بشكل منهجي. إن هذا التطور يشير إلى قناعة استراتيجية لدى تل أبيب بأن الردع التقليدي قد استنفد أغراضه في مواجهة قدرات الحزب الصاروخية والمتطورة، مما استوجب الانتقال إلى استراتيجية الهجوم المباشر وتدمير الموارد العسكرية في معاقلها، سواء في الجنوب أو في العمق اللبناني وصولاً إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بهدف شلّ قدرة الحزب على الاستمرار في خوض حرب استنزاف طويلة الأمد.
من منظور جيوسياسي، يتجاوز هذا التوغل البعد العسكري ليشكل محاولة لفرض "منطقة عازلة" بحكم الأمر الواقع، تهدف إلى إعادة صياغة المشهد الأمني على طول الحدود الشمالية بما يضمن أمن الجبهة الداخلية الإسرائيلية. إن هذه العمليات التوسعية تضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، ومعها المجتمع الدولي، أمام تحديات وجودية تتمثل في مخاطر انهيار الدولة تحت وطأة الضغوط العسكرية والنزوح الواسع للسكان. وبتحويل العمليات إلى سباق مع الزمن، تسعى إسرائيل إلى استنزاف القدرات الصاروخية واللوجستية لحزب الله إلى أقصى درجة ممكنة، وذلك لضمان الوصول إلى أي اتفاق دولي مستقبلي من موقع قوة مطلقة، بحيث تكون قد فرضت شروطها الأمنية على الأرض قبل أن تبدأ الدبلوماسية الدولية في رسم ملامح التسوية السياسية.

استراتيجية "القضم التدريجي"
تعتمد الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة حالياً على نهج "القضم التدريجي" والممنهج للأراضي، حيث تشير البيانات الصادرة عن CNN وACLED إلى وصول نسبة السيطرة الميدانية للجيش الإسرائيلي إلى ما يتراوح بين 64% و70% من مساحة القطاع الإجمالية. لا يهدف هذا التوغل إلى السيطرة الجغرافية فحسب، بل يسعى إلى فرض واقع إداري وأمني جديد يهدف إلى تفكيك بنية حكم حركة حماس التقليدية من أساسها. من خلال عزل المناطق عن بعضها البعض وتجزئة القطاع إلى مربعات أمنية محكمة، تعمل القوات الإسرائيلية على منع أي فرصة لإعادة التماسك العسكري أو الإداري للحركة، مما يحول القطاع إلى سلسلة من الجيوب المفككة التي يسهل التحكم في حركتها والسيطرة على مقدراتها الحيوية، وهو ما يقطع الطريق على أي محاولة لعودة حماس كقوة حاكمة موحدة.
في المقابل، أدى رفض حركة حماس لخطة "مجلس السلام" المتعلقة بنزع السلاح إلى تعقيد المسارات السياسية بشكل غير مسبوق، مما منح حكومة نتنياهو غطاءً استراتيجياً وذريعة متجددة لمواصلة التوسع الميداني تحت مسمى "استكمال التطهير الأمني". إن هذا الانسداد السياسي يعكس فجوة عميقة بين رؤية الحركة للتمسك بسلاحها كعنصر وجودي، وبين الاستراتيجية الإسرائيلية التي تهدف إلى تحويل غزة إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد. ونتيجة لذلك، تبدو الحلول السياسية الفورية أو الانتقالية بعيدة المنال، حيث تراهن تل أبيب على أن الاستمرار في استنزاف قدرات الحركة ميدانياً سيؤدي في نهاية المطاف إلى خلخلة بيئتها التنظيمية، مما يجعل من إعادة الإعمار أو الترتيبات السياسية المستقبلية رهينة للواقع العسكري الذي تفرضه إسرائيل على الأرض، وليس نتيجة لتفاهمات تفاوضية.

قراءة في المشهد 
ينتقل المشهد الإقليمي حالياً من نمط "صراع الأزمات المتفرقة" الذي تميز بضربات موضعية واحتواء تكتيكي، إلى مرحلة "حرب استنزاف استراتيجية واسعة" تتسم بطابع الشمولية في الأهداف والوسائل. هذا التحول يعني أن الصراع لم يعد محصوراً في جبهات القتال التقليدية فحسب، بل امتد ليشمل البنى التحتية، طرق التجارة البحرية، والقدرات الاقتصادية للدول المتورطة بشكل مباشر أو عبر وكلائها. إن هذه المرحلة تفرض قواعد اشتباك أكثر تعقيداً، حيث أصبحت كل جبهة مترابطة استراتيجياً مع الأخرى، مما يجعل أي تصعيد في منطقة ما يرتد تلقائياً على التوازنات الأمنية في كامل الإقليم، ويصعب معها الفصل بين المسارات العسكرية والدبلوماسية.
في هذا السياق، يبدو أن كافة الأطراف قد دخلت في سباق رهان على عامل الوقت، حيث تتبنى كل منها استراتيجية "الإنهاك المتبادل". فمن جهة، تراهن إسرائيل على قدرتها العسكرية المتفوقة لكسر البنية التحتية للأذرع العسكرية لخصومها في لبنان وغزة، معتقدة أن التفكيك الميداني لهذه القدرات هو السبيل الوحيد لفرض واقع أمني مستدام. وعلى الجانب المقابل، تراهن طهران على صمود "وحدة الساحات" والضغط الشعبي والاقتصادي الذي يفرضه الصراع على الخصوم، معوّلةً في الوقت ذاته على احتمال حدوث تحولات في المشهد السياسي الدولي، لا سيما في الولايات المتحدة، قد تؤدي إلى تآكل الإرادة الأمريكية أو تغيير أولوياتها، مما قد يمنحها هامشاً أكبر للمناورة لاحقاً.
أما فيما يخص التوقعات القريبة، فإن الساعات القادمة تعد لحظة مفصلية بالغة الحساسية؛ فإما أن تنجح المساعي الدبلوماسية في تحويل "المذكرة المبدئية" المتداولة بين واشنطن وطهران إلى إطار قانوني وتنفيذي ملزم، أو أن ينهار المسار التفاوضي تماماً، وهو ما سيعني حتماً انزلاق المنطقة نحو تصعيد عسكري مفتوح. وفي حال تعثر الدبلوماسية، من المتوقع أن تمتد حدة العمليات لتشمل بشكل مباشر مضيق هرمز وممرات الطاقة الحيوية، مما سيضع المجتمع الدولي أمام اختبار وجودي لمصالحه الاقتصادية، ويدفعه – ربما قسراً – للتدخل المباشر لضمان أمن إمدادات الطاقة العالمية التي باتت بالفعل تحت تهديد أمني غير مسبوق، وهو ما قد يحول الأزمة من صراع إقليمي إلى مواجهة دولية واسعة النطاق.
ختاماً، إن المؤشرات الراهنة تؤكد أن المنطقة تتجه بخطى متسارعة نحو مرحلة تصفية حسابات شاملة، حيث باتت العمليات العسكرية هي اللغة الوحيدة المعتمدة والوسيلة الأكثر مباشرة لفرض الأمر الواقع على الأرض. وبينما تظل طاولات المفاوضات تحاول اللحاق بمتغيرات الميدان، تبرز قناعة استراتيجية لدى القوى المتصارعة بأن أي "نظام إقليمي جديد" لن يولد من رحم التوافقات الدبلوماسية الهشة، بل سيُفرض بموازين القوى العسكرية التي تتشكل في هذه اللحظات الحرجة. وعليه، تظل الأيام المقبلة محفوفة بالمخاطر، حيث إن احتمالات انهيار المسارات التفاوضية قد تفتح الباب واسعاً أمام تحول الأزمات الموضعية إلى مواجهة إقليمية ودولية مفتوحة، تكون فيها إمدادات الطاقة العالمية وممرات الملاحة الاستراتيجية هي الورقة الأكثر تعرضاً للتهديد والابتزاز.

شارك