حسام الحداد يكتب: ما وراء المقدس.. تفكيك بنية "الإسلام السياسي" ونقده
السبت 06/يونيو/2026 - 07:03 م
طباعة
حسام الحداد
يعد كتاب "أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده" لياسين الحاج صالح بمثابة مشروع فكري جريء يسعى إلى إعادة صياغة علاقتنا بالإسلام، ليس فقط كدين، بل كفضاء حضاري وثقافي وتاريخي عريض. ينطلق المؤلف من فرضية أساسية ترى أن الإسلام قد اختُزل في العقود الأخيرة إلى "إيديولوجيا سياسية" شمولية على يد حركات الإسلام السياسي، وبالمقابل تم اختزاله "ماهوياً" على يد خصومهم من العلمانيين، الذين يميلون إلى شيطنته ككتلة صماء ثابتة. يفكك الحاج صالح هذا الاشتباك من خلال التمييز الدقيق بين الإسلام كحضارة وتراث مشترك، والإسلام كإيمان وروحانيات فردية، والإسلام كإيديولوجيا سلطوية؛ ليخلص إلى ضرورة إخراج الدين من دائرة الاحتكار التي تفرضها المؤسسات الدينية والأحزاب، ووضعه في متناول النقاش العام كظاهرة إنسانية تخضع للتاريخ والتحليل النقدي، تماماً مثل أي ظاهرة اجتماعية أخرى.
إن الغاية من هذا "الفتح" ليست محاربة الدين، بل تحريره من "الاستبداد المقدس" الذي يستخدمه "الوكلاء" لإسكات العقل وقمع حرية الفرد. يجادل المؤلف بأن "الإسلام السياسي" المعاصر قد أنتج ما يسميه "الإنسان الإسلامي"، وهو كائن مبرمج يفتقر إلى الضمير المستقل ويخضع لرقابة الفتوى الدائمة، مما يحوّل الدين من منبع للطمأنينة إلى أداة للهندسة الاجتماعية القسرية. لذا، يطرح الكتاب العلمانية لا كفصل للدين عن الدولة فحسب، بل كفصل "للإكراه عن الدين"، داعياً إلى الانتقال من "الدين الصلب" الذي يتدخل في السياسة والقانون، إلى "الدين اللين" الذي يحترم عقلانية المجال العام واستقلالية الضمير الفردي، مؤكداً أن الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يزدهر إلا في مناخ من الحرية والمساءلة التي لا تعرف المحرمات.
التمييز بين دلالات "الإسلام" الثلاث
يرى ياسين الحاج صالح أن الدلالة الأولى للإسلام تتمثل في كونه حضارة وتراثاً تاريخياً مشتركاً، وهو الفضاء الثقافي الذي يشكل الهوية التاريخية لجميع المنتمين إليه، بمن فيهم غير المؤمنين به كدين أو حتى غير المسلمين كالمسيحيين العرب
. فهذا "الإسلام الحضاري" هو الموروث الذي يوفر اللغة والأدب والفنون والتجربة التاريخية الكبرى للمنطقة، ويشبه في معناه مصطلح "الثقافة اليهودية-المسيحية" في الغرب، حيث يعدُّه المؤلف "ملحمة العرب الكبرى" التي لا يمكن لأحد الخروج من إطارها الثقافي بغض النظر عن قناعاته الإيمانية [9، 10].
أما الدلالة الثانية، فهي الإسلام كدين وإيمان وشعائر، وهذا المستوى يخصُّ المؤمنين الممارسين للعبادات والطقوس الدينية
. هنا يبرز الإسلام كعلاقة خاصة وروحية بين الفرد وخالقه، وهي دلالة أضيق من المعنى الحضاري الشامل، إذ تقتصر على "أمة المؤمنين" الذين يلتزمون بواجبات العقيدة وتفاصيل الفقه [7، 9]. وضمن هذا المستوى، تتعدد المذاهب والاجتهادات (سنة، شيعة، إباضية، إلخ)، لكنها جميعاً تشترك في كونها تعبيراً عن الجانب الروحي والتعبدي الذي لا يسعى بالضرورة للتدخل في الشأن السياسي العام
المستوى الثالث والمثير للجدل هو الإسلام كإيديولوجيا سياسية، أو ما يُعرف بـ "الإسلام السياسي"، والذي تمثله حركات ومنظمات تسعى للوصول إلى السلطة
. في هذا السياق، يتحول الإسلام من دين وحضارة إلى "مشروع هندسة اجتماعية" ووسيلة للصراع السياسي، حيث يتبنى "الإسلاميون" رؤية شمولية تدعي احتكار الحديث باسم الدين لفرض سيطرة سياسية [9، 112]. ويرى المؤلف أن هذا التيار يميل إلى اختزال الإسلام الواسع بمستوياته السابقة في هذا القالب الإيديولوجي الضيق لخدمة مصالحه في مواجهة السلطة أو الخصوم الفكريين [10، 11].
تكمن أهمية التمييز بين هذه الدلالات الثلاث في منع الخلط الذي يستغله الإسلاميون وخصومهم على حد سواء؛ فالإسلاميون يحاولون صبغ خياراتهم السياسية بقداسة الدين لإسكات النقد، بينما قد يهاجم بعض العلمانيين "الماهويين" الإسلام كحضارة أو كإيمان بسبب كرههم لنسخته الإيديولوجية [10، 11]. إن تفكيك هذه المستويات هو الخطوة الأولى نحو "فتح الإسلام" وتحويله إلى موضوع ثقافي خاضع للنقاش العقلاني، مما يحرر الفضاء العام من الإكراه، ويحمي الدين كقيمة روحية، ويحفظ الحضارة كإرث مشترك للجميع دون تمييز [2، 12، 13].
نقد "النزعة الماهوية" (الجوهرية)
ينتقد ياسين الحاج صالح بشدة ما يسميه "النزعة الماهوية" (الجوهرية) التي تسيطر على عقول الإسلاميين وخصومهم من العلمانيين "الماهويين" على حد سواء. هذه النزعة تقوم على افتراض وجود "جوهر ثابت للإسلام" عابر للزمان والمكان، وكأن الدين كتلة صلبة لا تتأثر بالتحولات التاريخية أو السياقات الاجتماعية [4، 5]. ويرى المؤلف أن هذا التصور يحول الإسلام من ظاهرة إنسانية ودنيوية إلى "أسطورة" متعالية، مما يؤدي إلى انسداد أفق النقاش العقلاني، حيث يتم التعامل مع الدين كمعطى ناجز ونهائي لا يقبل التغيير أو النقد [101، 329].
في هذا الإطار، يبرز التناقض الظاهري والاتفاق الباطني بين الطرفين؛ فبينما يقدس الإسلاميون هذا "الجوهر" ويعتبرونه صالحاً لكل زمان ومكان كأساس للسلطة والتشريع، يرى خصومهم العلمانيون في ذات الجوهر شراً مستطيراً وسبباً أصيلاً للتخلف والاستبداد [5، 6]. ورغم صراعهما المرير، إلا أن الطرفين يلتقيان في إنكار "تاريخية الإسلام"؛ فكلاهما يتجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي والطبقي، ويفترض أن إسلام القرن السابع هو نفسه إسلام اليوم، متناسين أن التدين يتشكل ويعاد إنتاجه بناءً على موازين القوى والمصالح البشرية [6، 329].
في مقابل هذه النظرة السكونية، يؤكد الحاج صالح أن الإسلام ظاهرة دنيوية وتاريخية بامتياز، تخضع لقوانين التغيير التي تحكم المجتمعات البشرية. فالدين، من وجهة نظر سوسيولوجية، لا يفسر نفسه بنفسه، بل تُفسره السياسة والثقافة والاقتصاد
. وبناءً عليه، فإن "إسلام اليوم" ليس نسخة مطابقة لإسلام عصر النبوة، بل هو نتاج عمليات طويلة من التراكم والصراع، بدأت بـ "الفتنة الكبرى" وتواصلت عبر تدوين الفقه وتأسيس السلطات الاستبدادية التي وظفت الدين لحراسة شرعيتها [19، 20، 24].
يخلص الكتاب إلى أن تحرير العقل المسلم يبدأ من تفكيك هذه "الماهية" والاعتراف بأن الإسلام هو ما يفعله المسلمون في تاريخهم، وليس فكرة مجردة خارج الزمن. إن هذا المنهج التاريخي يسمح بـ "فتح الإسلام" للنقاش العام، وتحويله من "دين صلب" يتدخل في أدق تفاصيل القانون والسياسة إلى "دين نيّل" أو روحي يترك للمجال العام حريته وعقلانيته [2، 196]. هذا التحول هو الكفيل بإنهاء حالة "الجماد" الفكري، وتخليص المجتمعات من صراع الأساطير الجوهرية التي تقتات على الكراهية المتبادلة بين دعاة التقديس ودعاة التشييط [315، 329].
"فتح الإسلام" والعلمانية
تتمثل خطة "فتح الإسلام" التي يقترحها ياسين الحاج صالح في تحويل الإسلام من شأن خاص يحتكره "الإسلاميون" و"العلماء" إلى موضوع ثقافي عام يخضع للمساءلة والنقاش الحر في المجال العام
. تهدف هذه الخطة إلى كسر طوق "المحرمات والمحظورات" التي تحرس المعرفة الدينية وتمنع تداولها خارج الدوائر التقليدية، مما يسمح بطرح أسئلة فكرية وأخلاقية وسياسية تتطلب إجابات معقولة لا تتوسل بسلطة دينية قسرية [2، 60]. وبذلك، يتحول الإسلام من كتلة صماء غامضة إلى مسألة واضحة المعالم يمكن التفكير فيها بصورة نقدية تساهم في رقي المجتمع [2، 101].
يرتكز هذا "الفتح" على نزع القداسة عن الهياكل والمؤسسات التي نصبت نفسها متحدثاً وحيداً باسم الدين، مثل "الأمة" و"الدولة" و"الشريعة"
. يرى المؤلف أن انتشار القداسة في هذه الكيانات البشرية والدنيوية هو مصدر للإعاقة الفكرية والسياسية، حيث يتم استخدامها كأدوات للإكراه والإقصاء [60، 113]. لذا، فإن معاملة هذه المؤسسات كمنتجات تاريخية وبشرية هو السبيل الوحيد لتحرير العقل المسلم من "الاستبداد المقدس" وتحقيق انفصال حقيقي بين سلطة المعرفة وسلطة القمع [60، 108].
أما عن تحرير النقاش العام، فيدعو الكتاب إلى كف يد سلطة المنع والتحريم عن التدخل في القضايا الثقافية والدينية، بحيث لا يملك أي طرف حق احتكار الحديث باسم الإسلام
. إن الغرض من "فتح الإسلام" هو جعل الدين ملكية عامة لجميع المواطنين، لا فرق فيه بين مؤمن وغير مؤمن من حيث حق النقاش والمساءلة [2، 12]. هذا الانفتاح هو ما يسمح للإسلام بأن يكون مصدراً للإلهام الثقافي والروحي بدلاً من أن يكون أداة سياسية للفرز والتشيط، مما يساهم في إنتاج ثقافة أكثر تحرراً ووضوحاً [4، 11].
وفي هذا السياق، يقدم الحاج صالح تعريفاً جديداً للعلمانية يتجاوز المفهوم التقليدي القائم على فصل الدين عن الدولة؛ إذ يراها أساساً كفصل لـ "الإكراه" عن الدين [196، 208]. فالدولة العلمانية المنشودة هي الدولة المحايدة التي لا تتبنى ديناً بعينه لفرضه قسراً، بل تضمن حرية الاعتقاد الكاملة، بما في ذلك الحق في عدم التدين أو تغيير الدين [12، 256]. هذا التحول يمهد الطريق للانتقال من "الدين الصلب" الذي يتدخل في العلم والقانون بقوة الإكراه، إلى "الدين اللين" (الروحي) الذي يترك للمجال العام استقلاليته وللفرد حريته في اختيار طريقه الإيماني دون خوف [196، 197].
نقد الإسلام السياسي والسيادة الإلهية
يهاجم ياسين الحاج صالح في كتابه مفهوم "الحاكمية الإلهية"، معتبراً إياها الصيغة القياسية للفكر السياسي الإسلامي المعاصر التي تمنح "الإسلام" سلطة مطلقة تضعه في مواجهة العالم والحداثة
. وتقوم هذه النظرية على ادعاء أن التشريع والحكم حق حصري لله وحده، لا يجوز لأي فرد أو طبقة أو شعب أن يشاركه فيه [26، 27]. هذا التصور يلغي عملياً مبدأ السيادة الشعبية أو المواطنة، ويجعل من "الشريعة" روتستوراً ثابتاً لا يملك البشر حق تعديله أو مساءلته، مما يؤدي إلى انسداد أفق التطور السياسي والاجتماعي [27، 103].
ويرى المؤلف أن هذا المفهوم يؤسس لما يسميه "الاستبداد المقدس"؛ فبما أن الله لا يباشر الحكم بنفسه، فإن هذا الادعاء يؤول عملياً إلى منح سلطة مطلقة وغير خاضعة للمساءلة لمجموعة من البشر ينصبون أنفسهم متحدثين باسمه [106، 108]. هؤلاء "الوكلاء" يستخدمون القداسة لإسكات أي معارضة، حيث يتحول الخلاف السياسي معهم إلى "خروج عن طاعة الله" أو "ردة" تستوجب العقاب [106، 113]. وبذلك، تصبح الدولة "الإيمانية" أداة للقمع تشرعن الاستبداد عبر صبغه بصبغة إلهية متعالية تجعل الحاكم غير مسؤول أمام محكوميه [106، 283].
في هذا السياق، يتحول الإسلام من كونه ديناً وقيماً روحية إلى "مشروع هندسة اجتماعية شمولية" يسعى للسيطرة على كافة تفاصيل حياة الأفراد [37، 112]. هذا المشروع لا يكتفي بإدارة الشأن العام، بل يمتد ليشمل "برمجة" الإنسان وتنميط سلوكه وفق قوالب جاهزة، فيما يسميه المؤلف "الإنسان الإسلامي" (سكيمالسإ وموه) الذي يفتقر إلى الضمير المستقل ويتحرك وفق فتاوى خارجية [182، 184]. هذا النمط من التدين يحول المجتمع إلى كتلة صماء تخضع لرقابة صارمة، حيث تغيب المبادرة الفردية وتذوب الشخصية الإنسانية في إطار "الأمة" الإيديولوجية الضيقة [37، 184].
أخيراً، يؤكد الكتاب أن هذا التوجه يؤدي حتماً إلى مصادرة الحريات الأساسية وقهر الأفراد باسم الحفاظ على "بيضة الدين" [37، 112]. ويتجلى ذلك في الإصرار على تطبيق أحكام قاسية مثل "الردة" لمنع الأفراد من ممارسة حقهم في حرية الاعتقاد، وفرض قيود صارمة على النساء والحريات الشخصية [112، 256]. إن هذا "الدين الصلب" الذي يرفض الاعتراف بالاستقلال الذاتي للمجال العام (السياسة، القانون، العلم) ينتهي به الأمر إلى ممارسة "الإكراه" كأداة أساسية للحكم، مما يجعله يصطدم بجوهر الحرية الإنسانية التي هي شرط أساسي لإيمان حقيقي وصادق [12، 196، 208].
"الإنسان الإسلامي" والسلطة الدينية
يحلل ياسين الحاج صالح شخصية المتدين المعاصر من خلال مصطلح "الإنسان الإسلامي" (Homo Islamicus)، معتبراً إياه كائناً قد تم تجريده من ضميره الداخلي المستقل لصالح "برمجة" خارجية مكثفة. في هذا النمط، لا يتحرك الفرد بناءً على وازع أخلاقي ذاتي أو تقدير شخصي للمواقف، بل يتحول إلى ما يشبه "الروبوت الورع" الذي ينتظر "كتيب تعليمات" أو فتوى لكل تفصيل في حياته، بدءاً من كيفية دخول الخلاء وصولاً إلى أعقد القضايا السياسية [180، 184]. هذا الاعتماد الكلي على الفتوى الخارجية يؤدي إلى "ضمور" مجمع الأخلاق في النفس البشرية، حيث تُستبدل المبادرة الفردية ببرمجة شرعية جامدة تلغي استقلالية الشخصية الإنسانية [181، 184].
ويرى المؤلف أن هذا النموذج من التدين هو نتاج مباشر لعملية "هندسة اجتماعية شمولية" حولت الدين من تجربة روحية إلى مشروع سياسي للسيطرة والنمذجة. فالإنسان الإسلامي يعيش في حالة من "المراقبة الدائمة" التي تفرضها السلطة الدينية، والتي تستخدم الشعور بالذنب كأداة للتحكم؛ فبما أن الفرد "مقصر" دائماً في تطبيق النموذج المثالي المتخيل لعصر النبوة، فإنه يظل في حالة استلاب وتبعية لرجال الدين الذين ينصبون أنفسهم حراساً على العقيدة [182، 183]. وبدلاً من أن يكون الدين منبعاً للطمأنينة، يتحول في ظل هذه السلطة إلى أداة لإنتاج كائن يفتقر إلى الثقة بقدراته العقلية والروحية [182، 209].
علاوة على ذلك، يربط الكتاب بين هذا التدين المتشنج وبين "تفتت السلطة الدينية" في العالم السني المعاصر؛ فغياب مرجعية واحدة معترف بها جعل المجال الديني ساحة للمزايدات بين "أمراء الجماعات" والمفتين الجدد [208، 211]. هذا التفتت لم يمنح الفرد حرية، بل جعله يبحث عن الأمان في اتباع النصوص بحرفية متناهية، محاولاً حماية نفسه من "فتن" الحداثة عبر الانغلاق في قوالب فقهية جاهزة [208، 211]. إن هذا النمط من التدين هو في جوهره استجابة "باصع لالتخا" (عصابية) لضغوط العالم الحديث، حيث يتم تعويض العجز عن الفعل التاريخي بالتمسك الشكلي المفرط بالهوية والرموز [184، 185].
في الختام، يشدد الحاج صالح على أن "الإنسان الإسلامي" هو منتج حديث وليس تراثياً فحسب؛ فهو ابن الدولة الشمولية والتقنيات المعاصرة التي استُخدمت لبرمجته
. ولتجاوز هذه الحالة العصابية، يدعو الكتاب إلى تحرير الفرد من "توربج" المفاهمية والسلطوية التي تمارسها التيارات الإيديولوجية، والعودة إلى "الدين اللين" الذي يعيد الاعتبار للضمير الفردي والحرية كشرطين أساسيين لأي إيمان حقيقي [196، 211]. فالإصلاح المنشود يبدأ من استرداد الإنسان لحقه في التفكير والمساءلة، بعيداً عن وصاية "الوكلاء" الذين حولوا الدين إلى أداة لقهر الذات وتشييط الآخر [12، 256، 325].
من "الدين الصلب" إلى "الدين اللين"
يصف ياسين الحاج صالح "الدين الصلب" بأنه ذلك النمط من التدين الذي يسعى لفرض سيطرته الشاملة على كافة مفاصل الحياة، متدخلاً في أدق تفاصيل القانون والسياسة وحتى العلم [196، 200]. هذا النمط يصطدم حتماً مع الحداثة لأنه يقوم على "برمجة" خارجية للفرد ويلغي استقلالية العقل، حيث تُستخدم "الشريعة" ومفاهيم الحاكمية كأدوات للإكراه الاجتماعي والسياسي بدلاً من أن تكون قِيماً روحية [108، 184]. ويرى المؤلف أن استمرار هذا النموذج يؤدي إلى انسداد الأفق الحضاري، لأنه يحوّل الدين من تجربة إيمانية حرة إلى "مشروع هندسة اجتماعية شمولية" يقهر الأفراد ويصادر حرياتهم الأساسية باسم السيادة الإلهية المطلقة [37، 112].
في المقابل، يطرح الكتاب مفهوم "الدين اللين" (أو الروحي) كبديل إصلاحي يعيد الاعتبار للجانب الأخلاقي والوجداني العميق للإسلام. هذا التحول يعني انسحاب الدين من المجالات التي تمتلك منطقها الخاص وعقلانيتها المستقلة، مثل العلم والقانون والسياسة، ليتركها تعمل وفق قوانينها الدنيوية والإنسانية دون وصاية دينية قسرية [196، 197]. إن "الدين اللين" هو دين الضمير والوجدان الذي يخاطب الفرد في علاقته الخاصة بخالقه، مما يحمي الدين نفسه من الابتذال في الصراعات السياسية ويمنعه من أن يتحول إلى أداة قمعية بيد السلطة أو الجماعات الإيديولوجية [12، 196].
ويشدد الحاج صالح على أن حرية الاعتقاد الكاملة هي الشرط الأساسي والجوهري لأي إيمان حقيقي وصادق؛ فالدين الذي يُفرض بالإكراه لا ينتج مؤمنين، بل ينتج "منافقين" أو كائنات مبرمجة تفتقر للوازع الأخلاقي المستقل [256، 260]. لذا، فإن الإصلاح المنشود يقتضي الاعتراف بحق الفرد المطلق في اختيار طريقه الإيماني، بما في ذلك الحق في تغيير الدين أو عدم التدين أو حتى التشكيك والمساءلة [12، 256]. إن انتزاع "الإكراه" من الدين هو ما يجعل الإيمان فعلاً حراً ومسؤولاً، وهو السبيل الوحيد لتحرير "الإنسان الإسلامي" من حالة العصاب والتبعية لرجال الدين الذين نصبوا أنفسهم وكلاء على أرواح البشر [184، 259].
تنتهي هذه الرؤية الإصلاحية بتقديم تعريف جديد للعلمانية يتجاوز المفهوم التقليدي، حيث يراها المؤلف أساساً كعملية فصل لـ "الإكراه" عن الدين [196، 208]. الدولة العلمانية في هذا السياق هي الدولة المحايدة التي تضمن فضاءً عاماً حراً يسمح بتداول الإسلام كموضوع ثقافي متاح للنقاش العقلاني بعيداً عن سلطة التحريم [2، 12]. هذا الانتقال من "الصلابة" التنظيمية إلى "السيولة" الروحية يسمح للإسلام بأن يكون مصدراً للإلهام الأخلاقي في مجتمع ديمقراطي تعددي، حيث تُحترم كرامة الإنسان وحريته كقيمة عليا تتجاوز كل أشكال "الاستبداد المقدس" [112، 197، 256].
الخلاصة: الكتاب هو صرخة لـ تحرير الإسلام من محتكريه وتحرير المجتمعات الإسلامية من "أساطير" ثابتة تعيق تقدمها، عبر تبني منهج تاريخي نقدي يعيد الاعتبار للإنسان وحريته كقيمة عليا.
