فشل واشنطن في هزيمة إيران.. ماذا يعني ذلك لمستقبل الحوثيين ومحور المقاومة؟

السبت 04/يوليو/2026 - 11:49 ص
طباعة فشل واشنطن في هزيمة فاطمة عبدالغني
 
أثارت الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، وانتهت باتفاق لوقف القتال بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التصعيد، تساؤلات واسعة حول نتائجها الحقيقية وانعكاساتها على موازين القوى في الشرق الأوسط. 
فعلى الرغم من التفوق العسكري الأمريكي والدعم الإسرائيلي، لم تحقق واشنطن الأهداف التي أعلنتها في بداية العمليات، بينما خرجت إيران محتفظة بأبرز أدوات نفوذها الإقليمي. 
وفي هذا السياق، حلل الباحث توماس جونو العوامل التي حالت دون تحقيق الأهداف الأمريكية، وتأثير ذلك على مستقبل إيران وحلفائها، وفي مقدمتهم الحوثيون.

لماذا أخفقت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها؟

يشير التقرير التحليلي الذي نشره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة دخلت الحرب بأهداف طموحة شملت إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك البرنامج النووي، وإضعاف برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب إنهاء أو تقليص دعم طهران لحلفائها الإقليميين، مثل حزب الله وحركة حماس والحوثيين.

لكن بعد أكثر من مئة يوم من القتال، يرى الكاتب أن واشنطن لم تحقق أيًا من هذه الأهداف بصورة حاسمة، رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين الطرفين.

ويرجع التقرير ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها الموقع الجغرافي لإيران، إذ يمنحها إشرافها على الساحل الشمالي والشرقي للخليج ومضيق هرمز قدرة دائمة على تهديد أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، كما ساعدت الطبيعة الجبلية للبلاد في إخفاء منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي صعّب القضاء عليها بالكامل.

ويرى التقرير أن الحرب كرّست حقيقة استراتيجية تتمثل في أن إيران ستظل قادرة، خلال المستقبل المنظور، على استخدام ورقة مضيق هرمز للضغط على خصومها وانتزاع تنازلات سياسية.

حرب وجود بالنسبة لإيران.. وخيار سياسي لواشنطن

ويؤكد التقرير أن أحد أهم أسباب صمود إيران يكمن في اختلاف طبيعة الحرب بالنسبة للطرفين.

فمن وجهة نظر القيادة الإيرانية، كانت المعركة مرتبطة ببقاء النظام، بعدما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أن تغيير النظام أحد أهداف الحرب، وهو ما دفع طهران إلى تحمل خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة دون التراجع.

في المقابل، يعتبر الكاتب أن الحرب بالنسبة للإدارة الأمريكية كانت خيارًا سياسيًا أكثر منها معركة وجود، الأمر الذي جعل استعداد واشنطن لتحمل كلفة استمرارها أقل، خاصة مع تداعيات ارتفاع أسعار النفط والضغوط الداخلية.

كما يشير التقرير إلى أن إيران استفادت من استعدادها المسبق لمثل هذا السيناريو، عبر تطبيق استراتيجية دفاعية تقوم على اللامركزية في اتخاذ القرار، مع وجود خطط جاهزة لاستبدال القيادات العسكرية والسياسية في حال استهدافها، وهو ما حافظ على استمرارية مؤسسات الدولة رغم مقتل عدد من كبار المسؤولين.

ويضيف الكاتب أن الولايات المتحدة بالغت في تقدير قدرتها على تغيير سلوك إيران عبر الضربات العسكرية، إذ ركزت على حجم ما دمرته من صواريخ ومنصات إطلاق، بينما احتفظت طهران بقدرتها الأساسية على تهديد الملاحة في الخليج واستهداف خصومها الإقليميين.

إيران حققت مكاسب... لكنها لا تزال تواجه أزمات داخلية

ورغم اعتبار التقرير أن إيران خرجت بمكاسب جيوسياسية مقارنة بالأهداف الأمريكية، فإنه يحذر من اعتبارها المنتصر المطلق.

فالحرب، بحسب الكاتب، ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، كما أن البلاد لا تزال تعاني أزمة اقتصادية عميقة نتيجة سنوات طويلة من العقوبات وسوء الإدارة.

ويشير التقرير إلى أن النظام الإيراني يواجه أيضًا تحديات داخلية تتعلق بتراجع شعبيته واعتماده بدرجة كبيرة على الأجهزة الأمنية، متوقعًا أن تعود الاحتجاجات الشعبية مستقبلًا، حتى إذا أسهم الاتفاق مع الولايات المتحدة في تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية تدريجيًا.

الحرب تعيد رسم دور محور المقاومة

يرى التقرير أن الحرب كشفت تراجع الدور التقليدي لما يعرف بـ"محور المقاومة" في استراتيجية الردع الإيرانية، بعدما تعرضت حماس وحزب الله لضغوط عسكرية كبيرة منذ عام 2023، ما قلّص من قدرتهما على ردع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وبحسب الكاتب، أصبح هذا المحور يمثل في بعض الجوانب عبئًا على طهران، بعدما اضطرت إيران إلى تقديم دعم إضافي لحزب الله بدلًا من أن يشكل الحزب عنصر حماية لها.

كما يلفت التقرير إلى أن إدراج لبنان ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار جاء، جزئيًا، لحماية حزب الله من استمرار الضربات الإسرائيلية، وهو ما قد يضع طهران أمام خيارات معقدة إذا تجدد التصعيد مستقبلًا.

الحوثيون... الرابح الأكبر داخل محور المقاومة

ويعتبر التقرير أن الحوثيين يمثلون الاستثناء الأبرز داخل محور المقاومة، إذ خرجوا أكثر قوة مقارنة بما كانوا عليه قبل سنوات.

ويعزو الكاتب ذلك إلى استمرار الدعم الإيراني، إلى جانب ضعف خصوم الجماعة داخل اليمن، ما سمح لها بترسيخ سيطرتها وتوسيع نفوذها الإقليمي.

ورغم أن الحوثيين لم يشاركوا بصورة مباشرة في الحرب الأمريكية الإيرانية، فإن التقرير يرى أنهم احتفظوا بأحد أهم عناصر القوة، والمتمثل في القدرة على تهديد الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، وهو ما يمنحهم ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها إذا تعرضت إيران أو الجماعة نفسها لتهديد وجودي.

ويضيف التقرير أن تزامن قدرة إيران على تهديد مضيق هرمز مع قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة في باب المندب يمنح طهران وحلفاءها نفوذًا مؤثرًا على حركة التجارة العالمية، ويجعل هذين الممرين البحريين عنصرًا رئيسيًا في أي مواجهة مستقبلية.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، يتوقع الكاتب أن تعزز إيران دعمها العسكري والتقني للحوثيين، خاصة في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية ومنظومات الاستخبارات والاستطلاع، بهدف تعزيز قدرتهم على الضغط على السعودية والإمارات واستهداف الملاحة في البحر الأحمر.

كما يشير التقرير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا في علاقات الحوثيين الإقليمية، سواء مع حلفاء إيران في العراق ولبنان، أو عبر تنامي التعاون مع حركة الشباب في الصومال، معتبرًا أن التطورات الأخيرة قد تدفع طهران إلى مواصلة تعزيز هذا المسار.

ويقدم تحليل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية قراءة ترى أن الحرب لم تحقق التحول الاستراتيجي الذي سعت إليه الولايات المتحدة، بل أعادت ترتيب أولويات إيران داخل محور المقاومة، مع تصاعد أهمية الحوثيين باعتبارهم أحد أكثر حلفائها احتفاظًا بالقدرات العسكرية والقدرة على التأثير في الممرات البحرية. 
ويرى المراقبون أن هذه القراءة تعكس أحد السيناريوهات المحتملة لمستقبل النفوذ الإيراني، لكنها تبقى مرتبطة بتطورات المشهد الإقليمي، ومدى استمرار التفاهمات بين واشنطن وطهران، إضافة إلى قدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على منع تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة ضغط دائمة في أي مواجهة مستقبلية.

شارك