الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء.. هل يفرض الحوثيون معادلة جديدة في اليمن؟
السبت 04/يوليو/2026 - 01:19 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
أعاد وصول طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء الدولي فجر الجمعة خلط أوراق المشهد اليمني، في تطور يعد الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب عام 2015. فالرحلة لم تنظر إليها باعتبارها مجرد عملية لنقل مسافرين، بل باعتبارها خطوة حملت أبعادًا سياسية وعسكرية، وأثارت مواجهة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، وسط تحذيرات من انعكاساتها على مسار الهدنة الهشة القائمة منذ عام 2022، وعلى مستقبل الصراع في اليمن.
الرحلة الإيرانية تفتح مرحلة جديدة من التصعيد
وصلت طائرة إيرانية تابعة لشركة Mahan Air إلى مطار صنعاء الدولي قادمة من طهران، في أول رحلة معلنة من هذا النوع منذ سنوات، قبل أن تغادر بعد توقف استمر أكثر من ثلاث ساعات، ناقلةً قيادات حوثية إلى إيران، فيما أكدت الجماعة أن الطائرة نقلت أكثر من 200 شخص.
وأعلن المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع أن الجماعة فتحت خطًا جويًا بين صنعاء وطهران، مؤكداً استمرار الرحلات "مهما كانت النتائج والتداعيات"، ومشيرًا إلى أن الطائرة دخلت مطار صنعاء دون الحصول على إذن من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وجاءت هذه الخطوة بعد أسابيع من تصعيد الحوثيين خطابهم بشأن ما يصفونه بـ"إنهاء الحصار"، لتتحول هذه الشعارات إلى تحرك ميداني اعتبرته الحكومة اليمنية والتحالف العربي تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة اليمنية وإدارة مجالها الجوي.
وتزامن هبوط الطائرة مع احتكاك عسكري بين الحوثيين ومقاتلات سعودية، في أول مواجهة مباشرة من هذا النوع منذ هدنة أبريل 2022، في مؤشر على أن قواعد الاشتباك التي حكمت المرحلة الماضية باتت تواجه اختبارًا جديدًا.
رسائل سياسية وعسكرية وراء الرحلة
لم تقتصر أهمية الحدث على فتح خط جوي مباشر بين صنعاء وطهران، بل ارتبطت أيضًا بطبيعة الوفد الحوثي الذي غادر على متن الطائرة، حيث ضم شخصيات بارزة، من بينها عضو المجلس السياسي الأعلى محمد النعيمي، ونائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن والدفاع جلال الرويشان، ومفتي الجماعة شمس الدين شرف الدين، للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
ويرى الحوثيون أن تشغيل الرحلات الجوية يمثل خطوة نحو تثبيت ما يعتبرونه سيادة على مطار صنعاء، بينما اعتبر عضو المكتب السياسي للجماعة علي العماد أن هذه الرحلة تمثل "الخطوة الأولى" نحو فرض معادلات جديدة في البر والبحر والجو.
اتهامات بتحويل مطار صنعاء إلى ممر لوجستي
بالتزامن مع الإعلان عن تدشين الخط الجوي، برزت اتهامات للحوثيين باستخدام مطار صنعاء لأغراض تتجاوز النشاط المدني.
ووفق مصادر، جاءت الخطوة بعد تضييق الخناق على شبكات التهريب التقليدية، بما يتيح نقل الخبراء والتقنيات بشكل مباشر عبر الرحلات الجوية.
كما أشارت مصادر إلى أن الطائرة الإيرانية نقلت خبراء إلى صنعاء، قبل أن تغادر وعلى متنها قيادات حوثية، في حين تحدثت معلومات مفتوحة المصدر عن تسجيل 57 رحلة لطائرات متوسطة وصغيرة وكبيرة إلى مطار صنعاء خلال يونيو 2026، غالبيتها تحت غطاء العمل الإنساني.
وتتهم الحكومة اليمنية الحوثيين منذ سنوات باستغلال المطار والطائرات الإغاثية في نقل قيادات الجماعة وأسرهم، واستخدام المطار لأغراض سياسية وعسكرية، بينما يواجه المدنيون صعوبات كبيرة في التنقل والسفر.
وفي أعقاب وصول الطائرة الإيرانية، أفادت مصادر بوقوع غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للحوثيين في محافظتي حجة وعمران، فيما قالت الجماعة إنها أحبطت المحاولة، مهددة بالرد عبر استهداف المطارات والمصالح الحيوية في البر والبحر.
الحكومة اليمنية والتحالف: انتهاك للسيادة وتصعيد خطير
ولبحث تداعيات الرحلة الجوية الإيرانية، عقد مجلس القيادة الرئاسي اليمني اجتماعًا طارئًا برئاسة رئيس المجلس رشاد العليمي، واعتبر أن تسيير رحلة مباشرة إلى مطار صنعاء يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة اليمن وتحديًا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
وأكد المجلس أن هذه الخطوة تعكس استمرار ارتباط الحوثيين بالمشروع الإيراني، واستخدام مؤسسات الدولة ومنافذها لخدمة أجندته، معتبرًا أن التطور الجديد لا يهدد اليمن وحده، بل يشكل خطرًا على الأمن الإقليمي والدولي، ويقوض جهود خفض التصعيد.
وشدد المجلس على أن الدولة اليمنية ستواصل ممارسة مسؤولياتها في حماية سيادتها وإدارة أجوائها ومنافذها، داعيًا الأمم المتحدة ومجلس الأمن والشركاء الدوليين إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى اتخاذ إجراءات رادعة، وتشديد الرقابة على قنوات دعم الحوثيين.
في المقابل، أكد تحالف دعم الشرعية في اليمن أن تصريحات الحوثيين تجاه السعودية تأتي في إطار محاولة لصرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة بحق اليمنيين، مشيرًا إلى أن المملكة والتحالف قدما مبادرات متعددة لإنهاء الأزمة، بينما رفض الحوثيون خريطة الطريق الخاصة بالسلام، واتجهوا إلى تصعيد هجماتهم على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
كما شدد المتحدث باسم التحالف اللواء تركي المالكي على أن التحالف سيتخذ إجراءات حازمة للتصدي لأي محاولات تستهدف السعودية أو تنتهك سيادة اليمن، بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي الإنساني.
ويرى مراقبون أن وصول الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء يمثل تطورًا نوعيًا في مسار الأزمة اليمنية، لأنه نقل المواجهة من الخلاف حول إدارة المطار إلى اختبار عملي لواقع السيطرة على المجال الجوي. كما أن استمرار هذا الخط الجوي أو تعطيله سيحدد ملامح المرحلة المقبلة، في ظل تمسك الحوثيين بمواصلة الرحلات، وإصرار الحكومة اليمنية والتحالف على حماية السيادة اليمنية. ويرى المراقبون أن أي رحلة جديدة أو محاولة لاعتراضها قد تتحول إلى نقطة اشتعال جديدة، بما يهدد الهدنة الهشة ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا من التصعيد العسكري والسياسي.
