"داعش" والمغالطات المفاهيمية وشيطنة الدولة الوطنية
السبت 04/يوليو/2026 - 06:48 م
طباعة
حسام الحداد
تمثل الأدبيات الإعلامية للتنظيمات المتطرفة وثيقة فكرية بالغة الأهمية لتفكيك بنية الوعي الراديكالي وفهم آليات تعامله مع التحولات السياسية والاجتماعية في مناطق النزاع. وفي هذا السياق، تأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" في عددها (458) والصادر مساء الخميس 2 يوليو 2026، تحت عنوان "مجلس الشرك!" كنموذج صارخ وجلي للخطاب الإيديولوجي الذي يسعى بشكل حثيث إلى إعادة إنتاج مقولات التكفير السياسي وسرديات "الحاكمية المطلقة". فالنص لا يقف عند حدود الدعاية الحربية التقليدية، بل يتحرك في مساحة التنظير العقدي لتقويض أي مسعى يؤسس للاستقرار التشريعي أو المؤسساتي في الساحة السورية، متخذا من تكفير الكيانات البرلمانية المعاصرة وسيلة لعزل مجتمعات ما بعد الحرب عن أي أفق دستوري أو مدني حديث.
يسعى هذا المقال النقدي والتحليلي إلى سبر أغوار هذا الخطاب وتفكيك مرجعياته البنيوية عبر أربعة محاور رئيسة؛ تبدأ برصد المنطلقات الفكرية والأيديولوجية التي تؤصل للتكفير السياسي وخلط المفاهيم المدنية بالعقدية، مرورا بـتشريح البنية الحجاجية والأدوات الإقناعية القائمة على التوظيف الانتقائي للوحي والتراث، وصولا إلى استجلاء آليات التخوين الداخلي وشيطنة "الآخر الإسلامي" كأداة لمواجهة عزلة التنظيم الوجودية. وينتهي التحليل بـقراءة المآلات السياسية والواقعية لهذا الخطاب، مبينا كيف يتحول التأصيل الأيديولوجي إلى مسوغ وظيفي لشرعنة العنف المستدام، ونسف مسارات العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار، بما يضمن ارتهان مستقبل المجتمع لسيولة أمنية وفوضى مؤسساتية لا تنتهي.
المنطلقات الفكرية والأيديولوجية: مركزية "الحاكمية" والتكفير
تتخذ الافتتاحية من مفهوم "الحاكمية المطلقة" ركيزة عقائدية صلبة ومرجعية أحادية تنطلق منها لتفسير الواقع السياسي المعقد وتصنيفه؛ إذ لا يرى النص الحكم والتشريع مجرد أدوات تنظيمية أو شؤون مصلحية خاضعة لاجتهاد البشر، بل يتعامل معها كأصل عقدي راسخ لا يقبل التجزئة أو النسبية. وبناء على هذه الرؤية الاختزالية، يتم تصنيف أي مقاربة سياسية تسعى لإيجاد كيان تشريعي أو صياغة قوانين ناظمة للمجتمع كشكل من أشكال "الشرك الأكبر" والمنازعة المباشرة لله سبحانه في خصائص ربوبيته وألوهيته؛ وهو ما يرفع الاختلاف السياسي من فضاء الموازنات والمصالح إلى فضاء التكفير والإخراج الإقصائي الشامل من الملة.
يلاحظ في ثنايا النص استدعاء مستمر واستلهام وثيق للمنظومة الاصطلاحية والفكرية التي أسست لها أدبيات سيد قطب، لا سيما أفكار "الجاهلية المعاصرة" والعزلة الشعورية. بيد أن الافتتاحية لا تقف عند حدود المقولات القطبية التقليدية، بل تدفع بها نحو مآلات تكفيرية وحدية أشد غلوا وضراوة؛ حيث يتجاوز الكاتب التنظير الفكري العام ليسقط الأحكام الفقهية المغلظة بصورة عينية ومباشرة على الواقع الحالي. وفي هذا السياق، تغدو آليات العمل السياسي الحديث، وعلى رأسها إقرار القوانين عبر الاحتكام لـ "الأغلبية" أو من خلال التمثيل البرلماني، ردة صريحة وخروجا كاملا من دائرة الإسلام، مما يعكس رغبة التنظيم في نسف القواعد الفقهية المستقرة التي تميز بين ثوابت العقيدة ومتغيرات السياسة الشرعية.
ينتهج الخطاب في الافتتاحية استراتيجية واضحة وممنهجة قائمة على تعمد الخلط بين المفاهيم السياسية والإدارية الحديثة وبين المصطلحات العقائدية والتراثية، محاولا بذلك إلغاء المسافة الفاصلة بين العلمين. وتتجلى هذه الأدلجة في سحب المفاهيم المدنية الدستورية كـ "الديمقراطية"، و"المجالس التشريعية"، و"التداول السلمي للسلطة"، ودمجها قسرا داخل سياقات مشحونة بعبارات كـ "الشرك" و"الوثنية" و"عبادة الطاغوت". ويهدف هذا المزج التعسفي إلى تجريد هذه النظم السياسية المعاصرة من طابعها الوظيفي كأدوات لتنظيم حريات وحقوق الشعوب، وتحويلها في ذهنية المتلقي إلى أصنام مستحدثة معبودة من دون الله، تجب محاربتها عوضا عن التفاعل معها.
تتجاوز هذه المنطلقات الأيديولوجية فضاء التنظير المجرد لتتحول إلى أداة وظيفية تسعى جاهدة لشيطنة وإفشال أي تجربة سياسية أو مؤسساتية وليدة تهدف إلى تنظيم حياة المجتمع السوري في مرحلة ما بعد النزاع. فمن خلال إسقاط صفة "الطاغوت" والتكفير الجمعي على المقترحات الدستورية والمشاريع البرلمانية كافة، يعمل التنظيم على قطع الطريق أمام أي عقود اجتماعية أو توافقات وطنية قد تخرج البلاد من دوامة العنف. إن هذا التأصيل التكفيري للمنطلقات السياسية يستهدف بالدرجة الأولى محاصرة مساعي الاستقرار المدني، والإبقاء على حالة السيولة الأمنية والمجتمعية التي يتغذى عليها فكر التنظيم ويجد فيها بيئة خصبة للاستمرار وفرض الوصاية المطلقة.
البنية الحجاجية والأدوات الإقناعية
تعتمد الافتتاحية في بنيتها الحجاجية على استراتيجية هندسة الإقناع عبر "الحشد النصي المتراكم"، وهي آلية يعمد التنظيم من خلالها إلى إغراق المتلقي بسيل من النصوص الشرعية والتراثية المتلاحقة لإضفاء هيبة قدسية ومطلقة على أطروحته السياسية الإقصائية. إن هذا الحشد لا يستهدف فتح باب النقاش الفقهي أو إبراز أوجه الاستدلال الفكري المتوازن، بل يسعى بالدرجة الأولى إلى شل القدرة النقدية لدى القارئ وإرهابه فكريا؛ حيث يتم الإيحاء بأن أي اعتراض على الرأي السياسي للتنظيم أو محاولة لمناقشته هو اعتراض مباشر على نصوص الوحي وكلام كبار أئمة الإسلام، مما يحول الموقف السياسي العابر للتنظيم إلى عقيدة دينية صارمة يدان المخالف لها بالخروج من الدين.
يتجلى العوار المنهجي في المحتوى الحجاجي للنص من خلال آلية "الاستدلال الانتقائي"، حيث تم اقتطاع آيات قرآنية محددة تعنى بمسائل الحكم والتحاكم –لا سيما من سورتي يوسف والنساء– وإخراجها من سياقاتها التنزيلية والتفسيرية المعتمدة لتوظيفها بشكل انتزاعي ضيق. يعمد الخطاب من خلال هذا التوظيف القسري إلى عقد مطابقة تامة وتماثل مشوه بين التجربة التشريعية والمؤسساتية المعاصرة، وبين مظاهر عبادة الأوثان والتحاكم إلى طواغيت الجاهلية الأولى. ومن خلال هذا الإسقاط، يلغي الكاتب أي مساحة للتمييز بين أحكام العبادات والاعتقاد وبين فضاء المصلحة المرسلة والتدابير الإدارية التي تقتضيها إدارة الدول الحديثة، موهما القارئ بأن البرلمان المعاصر ليس إلا وثنا جديدا يعبد من دون الله.
لم يقتصر النص على انتقاء الآيات القرآنية، بل امتدت بنيته الحجاجية للاستنجاد بنصوص تراثية محددة عبر اقتباس أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن كثير. بيد أن هذا الاستدعاء يعيبه تجميد النص التراثي وإغفال تام للسياقات التاريخية، والظروف السياسية، والمقاصد الشرعية التي كتبت في ظلها تلك الفتاوى (مثل واقعة "الياسق" التتاري). لقد تم تحوير هذه النقولات التراثية لتستخدم كأداة حادة لتثبيت فكرة "التكفير العيني والجمعي" الصارم لكل من يشارك في العمل البرلماني، أو يسهم في صياغة دساتير وضعية تنظم الحقوق والواجبات، متجاهلا القواعد الأصولية المستقرة في فقه السياسة الشرعية التي تمنح مرونة واسعة في رعاية مصالح العباد وتدبير شؤونهم بما لا يخالف قطعي الثبوت والدلالة.
تكتمل الحلقة الإقناعية في الافتتاحية بالانتقال من النص التراكمي والتراثي إلى "الخطابة الحماسية الموجهة"، والتي تمثلت في إدراج اقتباس مطول للمتحدث باسم التنظيم "أبي حذيفة الأنصاري". يحمل هذا الاقتباس دلالة وظيفية بالغة الأهمية تعتمد على استدعاء "السلطة الرمزية والقيادية" للتنظيم لفرض وصاية فكرية مباشرة على الوعي الجمعي لأهل الشام. إن الهدف الرئيس من هذه الشحنة الخطابية الحماسية هو نقل الصراع من الحيز الفكري إلى الحيز التحريضي؛ حيث تستخدم لغة عاطفية حادة لـ "تخوين وشيطنة" كافة المكونات الفصائلية والسياسية الأخرى في الساحة السورية (سواء كانت جماعة الإخوان أو الفصائل المعتدلة). ويتم ذلك عبر تصوير تلك البدائل كأدوات تآمرية تسوق الناس نحو "وثنية جديدة"، بهدف عزل الحاضنة الشعبية عن أي مشروع سياسي معتدل يمكن أن يقود البلاد نحو الاستقرار والتشريع المدني.
التخوين الداخلي وشيطنة "الآخر الإسلامي"
لا تنحصر المعركة الفكرية والسياسية في هذه الافتتاحية في حدود مهاجمة الأنظمة العلمانية أو نقد البرلمانات بمفهومها الفلسفي العام؛ بل تتجاوز ذلك لتشن هجوما شرسا ومباشرا تستهدف فيه دائرة "الداخل الإسلامي". يلاحظ أن النص يوجه سهام نقده الحاد ولغته التكفيرية المغلظة نحو من يصفهم بـ "الإسلاميين، والمنشقين، والناكصين"، معتبرا إياهم الخطر الحقيقي الذي يجب التحذير منه. إن هذا الأسلوب يكشف عن تحول جوهري في بنية الخطاب؛ حيث لا يعود العدو الخارجي هو المستهدف الأوحد، بل يصبح القريب الأيديولوجي المخالف في الوسائل والآليات هو المستهدف الأول بالتشهير والإقصاء، سعيا لقطع أي جسور تواصل بين القواعد الشبابية وهذه الكيانات.
تتجلى أدوات الشيطنة الفكرية في النص عبر استحضار نموذج "جماعة الإخوان" كرمزية للردة والانحراف السياسي، حيث يسقط الكاتب هذا الوصف تعسفيا على كل فصيل أو جماعة تقبل بالعمل المؤسساتي. ويظهر هذا بوضوح في قوله: "بشكل لا إرادي تتقمص هؤلاء دور حكومات الإخوان المرتدين... حول شرعنة الشرك بأسلمة الطاغوت و'ثورية' الديمقراطية". إن توظيف عبارات مثل "أسلمة الطاغوت" يهدف إلى نزع الشرعية الدينية والأخلاقية عن أي محاولة اجتهادية تسعى للجمع بين المقاصد الشرعية والآليات الديمقراطية الحديثة، مصورا تلك المحاولات كخديعة كبرى ومسخ للعقيدة، وليس كخيارات سياسية فرضتها طبيعة المرحلة وتغيرات الموازنات على الأرض.
يعكس هذا النفس الهجومي الحاد أزمة عزلة خانقة يعيشها التنظيم على الصعيدين الواقعي والفكري؛ فمع تحول المشهد السوري نحو البحث عن استقرار مؤسساتي وتوافقات وطنية، يجد التنظيم نفسه منبوذا وخارج السياق التاريخي. ومن هنا، ينظر الخطاب بـرعب وذعر حقيقيين إلى أي تقارب سياسي، أو مسعى لصياغة عقد اجتماعي، أو محاولة لبناء دولة قانون ومؤسسات في سوريا. فكل خطوة نحو البناء والتقنين تمثل في وعي التنظيم تهديدا مباشرا لوجوده، لأنها تسحب البساط من تحت أطروحته التي لا يمكنها البقاء أو التمدد إلا في مناخات الفوضى المفتوحة وغياب الدولة.
في نهاية المطاف، يكشف هذا التخوين الممنهج لـ "الآخر الإسلامي" عن الرغبة العميقة للتنظيم في الحفاظ على "حالة الحرب الدائمة" كخيار وحيد ونهائي، ورفضه القاطع لأي شكل من أشكال الاستقرار التشريعي أو السياسي. فبناء القانون وتأسيس الدساتير يعني الانتقال من شرعية "السلاح المؤقت" إلى شرعية "المؤسسة المستدامة"، وهو ما يعني حتما نهاية الوصاية الفكرية والعسكرية للتنظيم. لذلك، يصر النص على وسم أي استقرار تشريعي بـ "الشرك والردة" ليضمن استمرار حالة التعبئة والنفير، مفضلا إحراق المشهد المجتمعي بأكمله على أن يرى مجتمعا سوريا مستقرا يدير شؤونه عبر توافقات تشريعية ومدنية حديثة.
المآلات السياسية والواقعية للخطاب
تكشف القراءة المتفحصة والمستنيرة لأبعاد هذا النص عن رغبة أيديولوجية دفينة لدى التنظيم في إبقاء الساحة السورية محبوسة داخل زاوية "السيولة الأمنية المستمرة والفوضى المؤسساتية العارمة". فالنص لا يطرح بديلا واقعيا لبناء المجتمعات، بل يجد مصلحته الوجودية في تقويض وبتر أي بادرة استقرار مدني. إن غياب الهياكل الإدارية والقانونية يمثل البيئة المثالية التي يتنفس فيها الفكر المتطرف ويتمدد، حيث يستغل التنظيم الفراغ السلطوي والأمني لتقديم نفسه كقوة أمر واقع مستفيدة من تفكك الروابط المجتمعية وتدمير ركائز السلم الأهلية.
يتجلى البعد السياسي الكارثي للخطاب في إعلانه الرفض القاطع والنهائي لفكرة "الدولة الوطنية الحديثة"، وهي الدولة القائمة على مفاهيم المواطنة، والسيادة الشعبية، والعقد الاجتماعي المدني. من خلال وصم الدستور السوري والبرلمانات المقترحة بعبارات عدائية مثل "السراب العيلماني" أو "الوثنية المعاصرة"، ينسف النص أي إمكانية لجمع السوريين تحت مظلة سياسية جامعة تحترم التعددية وتصون الحقوق الإنسانية. هذا التعنت الأيديولوجي يسعى إلى اختزال الوطن في "ساحة حرب مفتوحة"، ملغيا بذلك قرونا من التطور الفكري والحقوقي الذي أثبت أن العقد الاجتماعي المرن هو الضامن الوحيد لمنع تجدد الحروب الأهلية.
لا يقف النص عند حدود الرفض الفكري الجاف، بل يتعداه ليمارس دورا تحريضيا بالغ الخطورة عبر "شرعنة العنف المستدام". فبمجرد إطلاق حكم التكفير المطلق وتصوير المجالس التشريعية والبرلمانية على أنها "مجالس شرك محض"، يضع الخطاب حجر الأساس الفكري لاستباحة هذه المؤسسات واستهداف القائمين عليها والمشاركين فيها. يتحول هذا التأصيل النظري في وعي الأفراد المشحونين إلى مسوغ "شرعي" لتنفيذ العمليات المسلحة والتفجيرات واغتيال النخب السياسية، باعتبار ذلك واجبا دينيا جهاديا، مما يغلق الباب أمام أي مساع سلمية لإدارة الاختلافات السياسية.
تنعكس المآلات الواقعية لهذا الخطاب التكفيري بصورة مدمرة على مستقبل الشعب السوري؛ حيث يؤدي تبني هذه الأطروحات إلى التعطيل الكامل والنهائي لكل مسارات "العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار". إن استمرار التهديد الإرهابي للمؤسسات المدنية والبرلمانات التمثيلية يحرم المجتمع السوري من فرصة بناء هيئات شرعية تعبر عن تطلعاته وتداوي جراح النزاع، كما يمنع تدفق الجهود الدولية لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة. وبذلك، ينجح الخطاب في تحقيق غايته الكبرى: ارتهان مستقبل أجيال كاملة لإرادة السلاح، وضمان بقاء المجتمع السوري تائها في غياهب الحروب الدائمة دون أمل في الاستقرار أو التنمية.
خلاصة نقذية
تمثل افتتاحية "مجلس الشرك!" نموذجا كلاسيكيا لـ الجمود الأيديولوجي الذي يعجز عن التكيف مع طموحات الشعوب في الحرية والعدالة والمؤسسات. إنه خطاب يعيش في ثنائية صفرية (إما حكم التنظيم المطلق أو التكفير المطلق للجميع)، مستخدما لغة مشحونة ومفردات تكفيرية واقصائية متطرفة، تهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على تماسك أفراد التنظيم داخليا عبر خلق عدو متخيل وربط الاستقرار السياسي بالردة العقائدية.
