خطاب الأزمة وسيكولوجية الشرعنة: تفكيك أيديولوجي لافتتاحية العدد 456 من "النبأ" الداعشية

السبت 18/يوليو/2026 - 05:06 م
طباعة خطاب الأزمة وسيكولوجية حسام الحداد
 
تمثل الأدبيات الإعلامية الصادرة عن التنظيمات الأيديولوجية الحركية مادة خصبة للدراسات التفكيكية، حيث تعكس الوثائق الخطابية بوضوح التحولات البنيوية والميدانية التي يمر بها التنظيم. وفي هذا السياق، تأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" في عددها (456)، الصادر يوم الخميس 16 يوليو 2026، وتحت عنوان مركزي مكثف هو "الهمة مهمة"، لتقدم نموذجا كلاسيكيا متقدما لآليات إدارة الأزمات النفسية والميدانية عبر البروباغندا المكتوبة. لا ينفصل هذا النص عن سياقه الزمني والمكاني؛ بل يعكس استجابة اتصالية فورية تهدف إلى ترميم التصدعات الروحية والمعنوية لدى الأتباع والقواعد، مستخدما لغة تتراوح بين الوعظ الإرشادي والأمر العملياتي المباشر.
وتكمن أهمية القراءة النقدية لهذه الافتتاحية في كشفها عن الهندسة العكسية للخطاب؛ فبينما يسعى النص جاهدا لإظهار التماسك والثبات، فإنه يمارس -من حيث لا يحتسب- اعترافا ضمنيا بحالة من الأفول والتراجع الجغرافي والعسكري. ستقوم هذه القراءة بتفكيك النص عبر مستويات متعددة، تبدأ بسيميائية العتبة النصية والعنوان، مرورا بآليات "الشرعنة والعقلنة" النفسية، وتوظيف "القياس التاريخي" لإعادة هندسة المفاهيم الكبرى كـ"النصر" و"التمكين"، وصولا إلى رصد السقطات اللغوية والمفاهيمية الناشئة عن اضطراب الصياغة بين النزعة الوعظية والضرورة العسكرية الميدانية.

من العتبة النصية إلى النمذجة الإرشادية
تمثل عتبة العنوان ("الهمة مهمة") مرتكزا خطابيا يعتمد فيه الكاتب على آلية الجناس الناقص، وهو اختيار يحمل أبعادا سيكولوجية وتوجيهية مدروسة. فمن خلال الربط الصوتي والدلالي الفوري بين "الهمة" (بما تحمله من شحن روحي ونفسي) وبين "مهمة" (بما تفرضه من إلزام وجودي وعملياتي)، يقطع النص الطريق على أي تعاط هامشي مع المقال. العنوان هنا لا يقدم كعنوان مقال صحفي تقليدي، بل يبرز كـ"أمر عملياتي" عاجل ومكثف، يشي للمتلقي مباشرة بأن المضمون الذي سيتلوه يقع في دائرة الضرورات الحتمية والقصوى الموجهة لترميم التصدعات النفسية الشائعة في فترات التراجع أو الأزمات الميدانية.
تتحرك البنية الهيكلية للمقالة وفق هندسة وعظية إرشادية صارمة وصاعدة، تبدأ بتأسيس إطار نظري وتأصيلي عام يرسم الصورة المثالية التي ينبغي أن يكون عليها "المؤمن السائر على خطى الأنبياء". وما إن يستقر هذا المفهوم في ذهن القارئ، حتى ينتقل الكاتب بذكاء إلى المرحلة الثانية المتمثلة في التشخيص السيكولوجي للمشكلة الراهنة، وهي "الفتور"، و"الاستعجال في نيل المراد"، و"الرغبة في الركون". هذا التتابع الهيكلي يتيح للكاتب استباط الأزمة الواقعية وتأطيرها ضمن العوارض البشرية الطبيعية، مما يمهد الطريق لتقديم العلاج المقترح المتمثل في ملازمة "الصبر والصلاة" والتعلق بـ"النعيم السرمدي الأبدي" كأدوات وقائية للتغلب على هذه المشاعر.
وفي محاولة لإضفاء الحجية التاريخية والدينية على هذا المسار العلاجي، يرتكز هيكل الافتتاحية في جزئه الأخير على استدعاء النمذجة التاريخية وسير الصحابة الأوائل الذين أصابهم ما أصابهم من جراح وآلام دون أن تثنيهم عن المضي قدما. يهدف هذا الإسقاط التاريخي إلى خلق حالة من التماهي بين القارئ وبين الرعيل الأول لتخفيف وطأة الضغوط الحالية، قبل أن يختم المقال بنيته الهيكلية بالوصول إلى "أمر اليوم" أو التوصية الختامية الحركية. هذه التوصية تلخص الرسالة النهائية للافتتاحية بضرورة التمسك بجادة الهدى والثبات العسكري والنفسي المطلق، بغض النظر عن وضوح الثمار الميدانية أو غيابها.

شرعنة الفتور وإدارة الأزمة النفسية
تكمن القيمة التحليلية والأثرية الأهم في هذا النص في القراءة السيكولوجية العميقة لما وراء الكلمات، حيث يبرز المقال كـ"وثيقة اعتراف ضمني" بمرور التنظيم بحالة حرجة من التراجع الميداني، وما يترتب عليها من تفش للإحباط، والوهن، والفتور بين صفوف القواعد والأتباع. إن الخطاب لا يصدر هنا من موقع القوة المتمكنة أو التمدد المريح، بل يصاغ تحت وطأة ضغوط واقعية أفرزت ظلالها على البيئة النفسية للكاتب والجمهور المستهدف على حد سواء. وتكشف عبارات مثل: "فإن عرض له في همته فتور أو تباطؤ..." و*"النفوس البشرية الاستعجال في نيل المراد..."* بوضوح عن تصدعات معنوية داخلية يحاول التنظيم جاهدا احتواءها وتطويق آثارها قبل أن تتحول إلى انهيار تنظيمي شامل.
يمارس النص آلية دفاعية نفسية تعرف في علم النفس السياسي بـ"العقلنة والشرعنة" (Rationalization)، وهي محاولة واعية لإعادة تأطير الهزيمة العسكرية أو التراجع الميداني وسلخهما من سياقهما المادي الموضوعي. فبدلا من إرجاع الفشل إلى تفوق الخصوم أو الأخطاء الاستراتيجية، يعمد الكاتب إلى تحويله إلى مجرد "طبيعة بشرية جبلت عليها النفوس". يتضح ذلك جليا في قوله: "فإن عرض لها ما يحول دون ذلك... ومالت للركون واستطعام الطريق". هذه الصياغة تهدف سيكولوجيا إلى تخفيف وطأة الشعور بالذنب، أو التقصير، أو الفشل لدى المقاتلين، عبر إيهامهم بأن ما يمرون به ليس دليلا على ضعفهم أو بطلان مسارهم، بل هو عارض إنساني طبيعي أصاب حتى الأنبياء والصحابة من قبلهم، مما يرفع عنهم الحرج النفسي ويعيد دمجهم في المنظومة.
لا يكتفي الخطاب بتشخيص الأزمة النفسية وتبريرها، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة صياغة العقلية الجمعية للأتباع من خلال ربط العلاج النفسي بالامتثال الحركي الصارم. إن إرجاع الكاتب أسباب الفتور إلى "الاستعجال" يعكس رغبة التنظيم في ضبط إيقاع مقاتليه وجعلهم يقبلون بـ"استطالة الطريق" وديمومة المعاناة كجزء من التكليف الروحي. هذا التوجيه النفسي المغلف بالغطاء الديني يعمل كمخدر موضعي للصدمات الميدانية؛ فهو ينقل ذهن المقاتل من التفكير في الخسائر الحاضرة إلى التركيز على "التسليم المطلق والجهاد الممتد"، مما يضمن للتنظيم الحفاظ على ولادته الحركية واستمرارية عناصره في القتال حتى في أحلك ظروف الانحسار العسكري.

التوظيف الوظيفي للتاريخ وإعادة تعريف النصر
يعتمد النص في جوهره العقدي والحجاجي على آلية "القياس التاريخي والتناص الأيديولوجي" (Historical Analogy)، حيث يعمد الكاتب إلى استدعاء أحداث مفصلية من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المبكر، وإسقاطها بشكل تعسفي مباشر على الواقع المأزوم للتنظيم في الوقت الراهن. هذا التوظيف لا يستهدف مجرد التذكير بالقصص التاريخية، بل يمثل أداة أيديولوجية واعية لخلق حالة من "التماهي الوجودي" بين المقاتل المعاصر والرعيل الأول. ومن خلال هذه المقاربة، يتم سحب الشرعية القدسية للأحداث التاريخية وإضفاؤها على معارك التنظيم الحالية، مما يجعل التحديات الراهنة تبدو وكأنها استمرار حتمي للصراع الأزلي بين الحق والباطل، ويحول مقاتلي التنظيم في وعيهم الذاتي إلى امتداد مباشر للصحابة والتابعين.
تتجلى أولى وظائف هذا التوظيف التاريخي في محاولة "شرعنة الهزيمة" وتحويل الانكسارات الميدانية إلى ابتلاءات ربوية لازمة ومبشرة. ويظهر ذلك بوضوح عند استدعاء الكاتب لآية الآلام والجراح في سياق غزوة أحد: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا...}. إن الهدف من هذا الاستشهاد الموجه هو إيحاء أيديولوجي مبطن للأتباع بأن ما يمرون به اليوم من ضربات موجعة وانحسار جغرافي ليس فشلا عسكريا أو إشارة إلى خذلان إلهي، بل هو "امتداد طبيعي وسنة كونية" مر بها الأنبياء والصالحون من قبلهم. هذه الصياغة تسعى لامتصاص صدمة الخسائر الميدانية، وتحويل الشعور بالهزيمة إلى شعور بالاصطفاء والامتحان الروحي.
أما الوظيفة الأيديولوجية الأكثر خطورة في المقال، فتمثلت في إحداث عملية "إزاحة مفهومية" (Conceptual Shift) جذرية لمصطلح "النصر". ففي أدبيات التنظيم المستقرة وقت التمدد، كان النصر مرادفا لـ"التمكين المادي والسيطرة الجغرافية"، بينما يعيد الكاتب هنا هندسة هذا المفهوم ليتناسب مع مرحلة الأفول؛ ليصبح النصر هو "الثبات المطلق على المبدأ حتى الموت". ويتأكد هذا الطرح عبر استحضار قصة الصحابي مصعب بن عمير الذي قتل يوم أحد ولم يشهد اتساع رقعة الدولة والفتوحات، وقصة خباب بن الأرت في صبره على التعذيب. الرسالة المضمرة والمكثفة التي يرسلها الخطاب هنا هي: حتى لو خسرتم الأرض، وفقدتم الحواضن، وتوالت عليكم الهزائم المادية، فأنتم بنظر العقيدة منتصرون وفائزون ما دمتم متمسكين بالسلاح ومستمرين في المواجهة حتى الرمق الأخير.

الاضطراب المفاهيمي وسقطات البناء النصي
يظهر التحليل البنيوي للافتتاحية فجوات واضحة في الصياغة نتيجة محاولة الكاتب القسرية للمزاوجة بين لغتين متباينتين في الطبع والسياق: لغة الوعظ والرقائق الروحية القائمة على التنفيس والصبر، واللغة الحركية العسكرية القائمة على الصرامة والعمليات الميدانية. هذا التباين الحاد أدى إلى توليد تعابير قلقة واختلالات تركيبية أفقدت النص انسيابيته الدلالية. وتتضاعف هذه الإشكالية عند النظر إلى احتمالية وجود أخطاء ناتجة عن عمليات النقل الرقمي أو الطباعة؛ مما جعل النص يبدو في مواضع عدة مهلهلا من الناحية التركيبية، ويعاني من انفصال واضح بين النوايا التعبوية للكاتب وبين القوالب اللغوية التي أفرغت فيها تلك النوايا.
تتبدى أولى السقطات البنائية الكبرى في النص عند فحص المقاربات الجدلية التي ساقها الكاتب لربط المحنة بالمنحة، حيث تبرز عبارات تعاني من اضطراب تركيبي حاد ومعمى، كقوله: "فالشدائد يعقبها الطريق فيعقبه نصر أتباعه". تعاني هذه الجملة من "دائرية المعنى" (Circular Reasoning) والركاكة الأسلوبية؛ فإقحام لفظ "الطريق" كوسيط بين الشدة والنصر في هذا التركيب اللغوي الملتوي يفصل الأسباب عن مسبباتها، ويجعل المعنى يدور حول نفسه دون تقديم إفادة منطقية أو بلاغية للمتلقي، وهو ما يعكس ارتباكا ذهنيا لدى صانع القرار التعبيري في صياغة معادلة واضحة ومقنعة لتبرير استمرار المعاناة.
أما السقطة المفهومية الأكثر إثارة للدهشة، فتقع في خاتمة المقال المقررة للتوصيات النهائية، وتحديدا في عبارة: "وملازمة جادة الهدى والتمسك العائم بأمر الله". يظهر هنا تناقض صارخ وسيميائية منفصمة؛ إذ إن صفة "العائم" تحمل في المعجم الحركي والدلالي ظلالا سلبية تشير إلى عدم الاستقرار، والتخبط، والسيولة، والافتراء، وهو ما يتصادم تماما مع الكلمات المفتاحية الحاكمة للمقال مثل "الجادة"، و"التمسك"، و"الثبات". ويبدو جليا هنا أن النص سقط إما في فخ الخطأ المطبعي والرقمني الفادح، حيث كان الكاتب يقصد كلمات من قبيل "القائم"، أو "الدائم"، أو "العاصم"، أو أنه سقط في فخ "الزلل التعبيري" الذي يكشف لاوعي الكاتب المأزوم ببيئة من التخبط الميداني والسيولة التنظيمية التي تحاول الافتتاحية عبثا إخفاءها.

براجماتية الخطاب الحركي
تتمحور الاستراتيجية الإقناعية الكبرى التي يرتكز عليها النص في خواتيمه حول السعي الدؤوب لتحقيق هدف حركي نفعي بحت، وهو إجبار المقاتلين والأتباع على الاستمرار في خوض غمار المواجهة والقتال، مع فرض حالة من "التعامي الواعي" عن النتائج الميدانية المباشرة أو التراجعات العسكرية الملموسة. وتتبدى هذه البراجماتية بأعلى تجلياتها في الصياغة الختامية للمقال التي تدعو المقاتلين إلى أن يكونوا: "جاعلين غايتهم الاستقامة والثبات على الحق، بغض النظر عن شهود الثمر من عدمه". هذه العبارة المحورية تمثل جوهر الخطاب التوجيهي؛ إذ تسعى صراحة إلى إعادة صياغة دوافع المقاتل وتجريدها من أي طموح لتحقيق مكاسب أرضية منظورة في المدى القريب.
تعد هذه الاستراتيجية الإقناعية بمنزلة "طوق نجاة خطابيا" تلجأ إليه التنظيمات الأيديولوجية حتما عندما تمر بمراحل الانحسار والانكماش الجغرافي. ففي أوقات الأزمات، يصبح من الخطر على بقاء التنظيم ربط استمرارية المقاتل بتحقيق انتصارات مادية؛ لذا يعمد الخطاب هنا إلى عملية "تفكيك ارتباط" (Decoupling) بنيوية ونفسية بين "الجهد العسكري المبذول" على الأرض وبين "النتيجة الواقعية الملموسة". وبموجب هذا التفكيك، يعفى القائد أو التنظيم من مسؤولية الفشل في تحقيق الوعود المادية (كالتمكين والسيطرة)، ويعاد توجيه وعي المقاتل ليتصالح مع فكرة أن فعله القتالي مشروع ومطلوب لذاته، بغض النظر عما يؤول إليه الواقع الميداني من خسائر.
وفي خطوة أخيرة لضمان تماسك البنية التنظيمية، يعمل النص على تحويل غاية الفعل الحركي بالكامل إلى "أجر أخروي غيبي بحت"، مستثمرا الميتافيزيقيا الدينية كبديل تعويضي عن الغنائم والانتصارات الأرضية المفقودة. هذا التحول التكتيكي في الدوافع يمثل صمام أمان استراتيجي لمنع حدوث حالات الاستسلام أو الانشقاقات الجماعية؛ فحين يقتنع المقاتل بأن "الثمر الحقيقي" لا يجنى في الدنيا بل في الآخرة، كفاحه يفقد ارتباطه بالمعادلات العسكرية الحسابية (ربح وخسارة). ونتيجة لذلك، يتم تحصين العناصر ضد الإحباط الناتج عن الهزائم المتتالية، ويتحول الاستمرار في معركة خاسرة ميدانيا بالمقاييس العسكرية إلى "نجاح روحي مطلق" بمقاييس الأيديولوجيا المستهلكة في هذا الخطاب.
تأسيسا على ما تقدم، يمكن القول إن افتتاحية "الهمة مهمة" تمثل وثيقة اتصالية بامتياز لـ"إدارة الهزيمة والانحسار"، حيث تحول الخطاب الحركي للتنظيم بشكل راديكالي من وعود "التمدد والتمكين المادي" إلى التماس "الصبر والرضا بغياب الثمرة". لقد نجح النص خطابيا في استثمار العاطفة الدينية الميتافيزيقية وتوظيف القياس التاريخي لتقديم مخدر موضعي للأتباع يعزل دوافعهم عن الحسابات العسكرية الملموسة، غير أنه سقط في فخ التناقض البنيوي والركاكة الأسلوبية نتيجة الارتباك بين لغة الرقائق ولغة السلاح. إن فك الارتباط بين "الجهد والنتيجة" وإعادة تعريف النصر ليكون "الثبات حتى الموت" هو المؤشر التحليلي الأبرز على وصول التنظيم إلى انسداد استراتيجي، يعجز فيه عن تقديم مكاسب واقعية، فلا يتبقى له سوى الاستثمار في ديمومة المعاناة كشرط وحيد للبقاء التنظيمي.

شارك