من الإسلام السياسي إلى الشعبوية.. لماذا لم تكتمل النهضة العربية؟

السبت 18/يوليو/2026 - 06:52 م
طباعة  من الإسلام السياسي حسام الحداد
 
يظل سؤال "لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟" الجرح المعرفي الغائر في جسد الفكر العربي الحديث، والركيزة الأساسية التي انطلقت منها محاولات التحديث منذ مطلع القرن التاسع عشر. ومع تحول الفضاء الرقمي المعاصر إلى ساحة بديلة للمثاقفة ومراجعة المسلمات التاريخية، يعود هذا السؤال ليتصدر المشهد عبر منصات البودكاست النخبوية التي تحاول تفكيك مآلات الوعي العربي. في هذا السياق، تأتي حلقة بودكاست "سرديات" المقدم عبر منصة "مجتمع" كمنعطف حواري استثنائي، حيث استضافت الأكاديمي والمفكر المصري الدكتور أنور مغيث، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة والمدير السابق للمركز القومي للترجمة، ليفتح بجرأته المعهودة وأدواته الفلسفية الصارمة صندوق الأزمات البنيوية التي أعاقت اكتمال مشروع النهضة العربية الأولى، ممتدا بتحليله ليشمل المسار المتعرج للتحولات السياسية والفكرية التي قادت المجتمعات من إيديولوجيا الإسلام السياسي إلى السقوط في وحل الشعبوية المعاصرة.
تتجاوز هذه القراءة النقدية التفكيكية للحلقة حدود الرصد التلخيصي العابر، لتقدم تشريحا إبستمولوجيا (معرفيا) للأطروحات الفكرية التي دار حولها السجال. فالحوار لم يكن مجرد استعادة نوستالجية لرموز عصر التنوير العربي، بل كان محاكمة واعية للآليات النفسية والفقهية التي كبلت العقل السياسي الجمعي، بدءا من "عقدة التوفيقية" والتردد الفكري لرواد النهضة، مرورا بمتلازمة "عقدة الثأر" التي صبغت علاقة العربي بالمستعمر وحولته من حدث تاريخي إلى شماعة أبدية للفشل التنموي. ومن خلال وضع هذه الأفكار على مشرحة النقد، يحاول المقال إضاءة مكامن القوة الإبداعية في طروحات د. مغيث، مع تقديم مراجعة منهجية تبحث في جدلية العوامل الذاتية والشروط الجيوسياسية الموضوعية، رغبة في استشراف شروط العبور نحو مستقبل عربي محكوم بعقلانية المصالح ودولة المواطنة الخالصة.

 إشكالية المرجعية والرقيب الداخلي (الالتفاف بدلا من المواجهة)
توقف الدكتور أنور مغيث مليا أمام إحدى البنى العميقة التي شكلت عائقا حقيقيا أمام اكتمال مشروع النهضة العربية الأولى، وهي ما يعرف بـ"عقدة التوفيقية". لقد اتسمت أطروحات الرواد الأوائل - أمثال رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي - بمحاولة دؤوبة للالتفاف حول العقبات والموانع الفكرية والاجتماعية القائمة في بيئتهم بدلا من مواجهتها مواجهة نقدية تفكيكية وجذرية. هذا التردد البنيوي جعل مشاريع الإصلاح المبكرة تدور في حلقة مفرغة؛ إذ كانت تتجنب الصدام المباشر مع الأسس التقليدية، وتلجأ إلى حيل خطابية لتمرير الأفكار الحديثة، مما أدى لاحقا إلى انفجار تلك الأزمات الهيكلية مجددا مع كل تحول سياسي أو اجتماعي تشهده المنطقة.
لتوضيح هذا الالتفاف الفكري، يسوق الدكتور مغيث مثالا بليغا ومحوريا من كتاب رفاعة رافع الطهطاوي الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريس". ففي اللحظة التاريخية التي كان فيها الطهطاوي يعكف على ترجمة الدستور الفرنسي ونقله إلى العربية، واجه معضلة المواءمة المعرفية، فعلق على الدستور موضحا أن أغلب ما ورد فيه من مبادئ وحقوق ليس له وجود أو أصل نصي مباشر في القرآن أو السنة النبوية، ولكنه مستحسن ونافع في فقه السياسة وإدارة الممالك. ويرى مغيث أن هذا التعليق يشي بوضوح بنوع من "الرقيب الداخلي" أو الخوف النفسي والمعرفي الذي يلاحق المفكر النهضوي؛ حيث يظهر الطهطاوي في مواضع أخرى من ترجماته وكأنه يبرر إيراد النظريات العلمية الحديثة (ككروية ودوران الأرض) بصفتها أمانة علمية فقط، خوفا من مخالفتها لإجماع الأئمة أو صدامها مع المعتقدات السائدة.
إن هذا الرقيب الذي استشعره رواد النهضة لم يكن مجرد خوف عابر، بل كان تجسيدا لسطوة مرجعية أحادية مطلقة تراكمت على مدى اثني عشر أو ثلاثة عشر قرنا من التاريخ الإسلامي. وتقوم هذه المرجعية الفقهية والاعتقادية على فكرة "الاكتفاء الذاتي الشامل" المستمدة من تأويل ضيق لبعض الآيات. هذا الاعتقاد، الذي روج له الفقهاء ورجال الدين عبر العصور، ترسخ في الوعي الجمعي ومفاده أن التراث الديني يمتلك إجابات وحلولا جاهزة وصالحة لكل المشكلات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ليس للمسلمين فحسب، بل للبشرية جمعاء. هذا الإيمان بالاكتفاء التاريخي جعل الانفتاح على الوافد الغربي الحديث محاطا دوما بـالوجس، ومحكوما بضرورة نيل صك الغفران والشرعية من داخل المنظومة القديمة أولا.
منظورا إليه من زاوية نقدية، فإن هذا التحليل يضع اليد بدقة على أزمة "ازدواجية الخطاب التنويري العربي"؛ إذ لا يمكن التشكيك في وطنية هؤلاء الرواد أو حسن نيتهم وإدراكهم العميق لضرورة خروج شعوبهم من سبات التخلف. إلا أن المحرك الأساسي لأسلوبهم التوفيقي كان الخوف من إحداث قطيعة معرفية قد تؤدي إلى صدام عنيف مع النخب الدينية التقليدية والمجتمع. ونتيجة لذلك، ذهبت جهودهم نحو "أسلمة" أو "تبيئة" المفاهيم الحداثية الغربية، عبر البحث لها عن مسوغات تراثية مقبولة - مثل توظيف مفاهيم "المصلحة المرسلة"، أو "القياس"، أو "الشورى" كبدائل للديمقراطية والعلمانية والمواطنة - وهو ما حرم الفكر العربي من صياغة مفهومية مستقلة للحداثة الحقيقية.
إن النتيجة الحتمية لهذا الخيار التوفيقي الالتفافي كانت بناء نهضة هشة فكريا ومعرفيا؛ فنظرا لأن المفاهيم الحديثة لم تؤسس على أرضية فلسفية مستقلة ولم يجر تفكيك المرجعية التقليدية تفكيكا نقديا صارما، ظلت البنية التنويرية عاجزة عن الصمود طويلا. ومع أول هزات سياسية أو اجتماعية في القرن العشرين، انهار هذا التوازن القلق وتراجعت الأفكار الليبرالية والتنويرية أمام الصعود القوي للحركات الأصولية والإسلام السياسي، والتي استغلت ذات المرجعية التراثية الصلبة التي لم تمس جذورها، لتقدم خطابا يرفض التحديث ويستند إلى شعار الاكتفاء الذاتي ذاته، مستفيدا من تردد الرواد الأوائل في حسم المعركة المعرفية لصالح العقلانية الخالصة.

المقارنة بين التجربتين العربية والهندية
انتقل الحوار في بودكاست "سرديات" إلى منطقة بالغة الحساسية في الفكر السياسي العربي المعاصر، وهي مرحلة ما بعد الاستقلال ومراجعة المفاهيم التفسيرية لظاهرة الهيمنة الأجنبية. وفي هذا السياق، وضع الدكتور أنور مغيث مفهوم "القابلية للاستعمار" - الذي صاغه المفكر الجزائري مالك بن نبي - على مشرحة النقد، معتبرا إياه مفهوما ينتمي إلى حقل التفسير النفسي السيكولوجي أكثر من كونه تعبيرا عن واقع مادي موضوعي. فالاستعمار، بحسب رؤية مغيث، لا يحدث لأن الشعوب تمتلك رغبة باطنية أو استعدادا نفسيا مسبقا للخضوع، بل هو نتاج حتمي وموضوعي للفجوة الهائلة في موازين القوى، والتقدم العلمي، وتراكم الثروة، والتفوق التنظيمي والعسكري لصالح القوى الاستعمارية، مما يفرض السيطرة كأمر واقع لا سبيل للخلاص منه إلا بالمقاومة.
تجلى النقد الأعمق والأكثر إثارة للجدل في الحلقة عبر استدعاء الدكتور مغيث لأطروحة المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي، والتي عقد فيها مقارنة كاشفة بين الوجدان السياسي العربي ونظيره الهندي في مرحلة ما بعد التحرر. فالهند، رغم خضوعها الطويل للاحتلال البريطاني المباشر وما صاحبه من مجازر دموية وقمع وحشي فاق بكثير ما تعرضت له دول عربية خضعت للانتداب فقط، لم تسمح لعواطف الانتقام المحض بأن تقود مسيرتها الوطنية بعد الاستقلال. بل على العكس، أدارت النخبة الهندية علاقتها بالترث الاستعماري ببراعة وبرود عقلاني شديد؛ حيث استبقت على اللغة الإنجليزية كقاسم مشترك لإدارة التنوع اللغوي الهائل وحماية السلم الأهلي، واستفادت من نظم التعليم والإدارة الحديثة التي تركها المحتل لبناء نهضتها الخاصة.
في المقابل، يرى الدكتور مغيث أن العقل السياسي العربي ظل غارقا في ما أسماه "عقدة الثأر" أو استعارة "الطار" التاريخي، وهي حالة سيكولوجية وسياسية جعلت المجتمعات والدول العربية عاجزة عن تجاوز لحظة الصدام مع المستعمر. وبناء على هذه العقدة، جرى صوغ العلاقات الدولية، ورسم السياسات الداخلية، بل وحتى هندسة المناهج التربوية والتعليمية للأجيال الجديدة، لتتمحور كلها حول فكرة "الكرامة الجريحة" وضرورة الانتقام الوجداني. هذا الاندفاع العاطفي أدى إلى رفض المحتل كليا ككتلة صماء شريرة، ودون القدرة على الفصل أو التمييز الواعي بين أدوات القمع الاستعمارية المدانة، وبين المنجزات المعرفية، والعلمية، والتنظيمية والمؤسسية التي يمكن استغلالها كأدوات للتقدم والندية.
يقدم هذا التحليل نقدا بنيويا صريحا لـ"العاطفية السياسية" التي هيمنت على الخطاب العربي المعاصر؛ إذ إن تحكيم مشاعر الكراهية والنبذ التاريخي والإقصاء حل محل "العقلانية الحسابية" القائمة على البراجماتية الصارمة وحساب المصلحة الوطنية العليا (Ratio). فبينما تحركت دول عاقلة كالهند وفق منطق: "كيف نستثمر ما تركه المحتل لنصبح قوة اقتصادية ومعرفية فاعلة؟"، تحرك العقل العربي وفق منطق الإدانة الأخلاقية المستمرة. هذا الاندفاع وراء الصياغات الشعاراتية الحماسية والخطاب الحنجري أفرغ طاقات التحرر من مضمونها البنائي، وعطل عمليات التحديث الحقيقي، مفضلا التضحية بالمصالح الاستراتيجية في سبيل إرضاء كبرياء عاطفي مؤقت.
أفضت هذه المتلازمة العاطفية في نهاية المطاف إلى تحويل الاستعمار من حدث تاريخي مضى وانتهى بانسحاب الجيوش، إلى "شماعة أبدية" وأداة تعليل مريحة يعلق عليها الفشل الداخلي الذاتي. لقد أعاقت "عقدة الثأر" بناء دول مؤسساتية قادرة على الإنتاج والمنافسة الحقيقية في السوق العالمية، لأن النظم والنخب السياسية استسهلت إرجاع كل أزمة تنموية، أو اقتصادية، أو معرفية إلى "مؤامرات المستعمر القديم" وإرثه. وبدلا من مواجهة الخلل الهيكلي في الإدارة والتعليم والإنتاج، استمر الفكر العربي في إعادة إنتاج طاقة المظلومية، مما جعل العرب مستهلكين لحضارة الغرب في وقت يرفضونها فيه شعاراتيا، ويدورون في حلقة مفرغة تمنعهم من التحول إلى فاعلين حقيقيين في التاريخ المعاصر.

من الإسلام السياسي إلى الشعبوية
يكشف الحوار الفلسفي مع الدكتور أنور مغيث عن رؤية تفكيكية متكاملة لـ "مسارات التحول" في الفكر السياسي العربي، حيث لا ينظر إلى الأزمات الراهنة بوصفها نبتة شيطانية قطعت جذورها عن الماضي، بل كحلقات متصلة في سلسلة من الإخفاقات التراكمية. إن هذا الترابط الوثيق يوضح كيف أن العوائق الهيكلية والمعرفية التي جرى الالتفاف عليها وتجنب مواجهتها في القرن التاسع عشر من قبل الرواد الأوائل، لم تختف بفعل الزمن، بل ظلت كامنة في التربة الفكرية للمجتمعات العربية. هذا التأجيل التاريخي للحسم المعرفي مهد الأرضية الخصبة لتحولات سياسية وإيديولوجية كبرى شهدها القرن العشرين، وتعيش المنطقة ارتداداتها حتى اليوم.
تجسد أول هذه التحولات الكبرى في الصعود المدوي لحركات الإسلام السياسي على مدار القرن الماضي؛ وهي الحركات التي استغلت بذكاء حالة "السيولة الفكرية" وعدم الحسم التاريخي للمفاهيم الحداثية الكبرى مثل العلمانية، والمواطنة، والسيادة الشعبية في الوعي الجمعي. وبدلا من مواجهة تعقيدات العصر ببرامج واقعية، قدمت هذه الحركات خطابات تبسيطية واختزالية شعارها الأبرز "الإسلام هو الحل". لقد وجد هذا الشعار صدى واسعا لدى جماهير كانت متعطشة للهوية ومأزومة بالواقع، ومستعدة ذهنيا لقبول فكرة "الاكتفاء الذاتي للتراث" التي لم يجرؤ تنويريو القرن التاسع عشر على تفكيكها جذريا.
بمرور العقود، وتحديدا مع وصول هذه الحركات إلى محكات الحكم أو التأثير السياسي المباشر، بدأت المرجعية الشعاراتية للإسلام السياسي تتآكل أمام صخرة الواقع المعقد. لقد عجز المشروع الأصولي عن تقديم حلول تنموية، أو اقتصادية، أو مؤسساتية حقيقية تلامس أزمات المواطن العربي اليومية، وتحول الخطاب من وعود الرفاه والدولة العادلة إلى صراعات على السلطة وتكريس للاستقطاب المجتمعي. هذا الإخفاق البنيوي لم يدفعه الوعي الجمعي بالضرورة نحو تبني "العقلانية التنويرية"، بل أنتج حالة من الإحباط العام والسيولة السياسية، مما مهد الطريق للانزلاق نحو المربع الجديد للأزمة: "الشعبوية المعاصرة".
تظهر الشعبوية اليوم في التحليل الفكري كـ "الوجه الآخر للعملة"، أو الوارث الشرعي لأزمة غياب العقلانية العربية. فالشعبوية، في جوهرها، تعتمد على ذات الآليات النفسية التي غزا بها الإسلام السياسي الوجدان العربي سابقا، لكن برداء جديد؛ حيث يجري تغييب كامل للبرامج التنموية القائمة على الأرقام والدراسات، وإقصاء متسد للعقل المؤسسي والدستوري. وبدلا من بناء دولة المؤسسات، يتمحور الخطاب الشعبوي حول دغدغة عواطف الجماهير وتبسيط الأزمات المعقدة في شعارات استعراضية، مستغلا التذمر الشعبي لتحقيق شرعية سياسية لحظية لا تصمد أمام التحديات الاستراتيجية.
إن الخطر الأكبر للشعبوية المعاصرة، كما بين الحوار، يكمن في استراتيجيتها القائمة على "الاستقطاب الحاد" وصناعة العدو المتخيل. فلكي تعوض النخب أو الخطابات الشعبوية عجزها عن الإنتاج والحل، تلجأ باستمرار إلى شحن الجماهير ضد أعداء مفترضين - سواء كانوا أطرافا خارجية مؤامراتية أو خصوما داخليين يتهمون بالخيانة أو النخبوعية. هذا الضخ العاطفي المستمر يبقي المجتمع في حالة طوارئ نفسية ومعارك وهمية داحسية، مما يجهض ويعطل من جديد أي إمكانية لولادة نهضة عقلانية حقيقية تعلي من شأن العلم، والإنتاج المادي، والمصلحة البراجماتية، ويحكم على الوعي العربي بالبقاء أسيرا لنفس الدائرة المفرغة التي بدأت منذ قرنين.

تفكيك الذات ومواجهة شروط الواقع
تميزت حلقة الدكتور أنور مغيث في بودكاست "سرديات" بجرأة نقدية واضحة وشجاعة معرفية افتقدتها الكثير من النقاشات الفكرية المشابهة؛ حيث نأى الضيف بنفسه كليا عن السقوط في فخ المواربة أو المجاملات التاريخية لرموز النهضة العربية. وفي المقابل، لم يقع الحوار أيضا في ورطة "الجلد العاطفي" غير المؤسس أو النقد العدمي للذات. بل جاء الطرح متزنا وعقلانيا، يسعى إلى تشريح الإشكالات الكبرى بأدوات فلسفية رصينة، تفكك الخطاب وتبحث في محركاته النفسية والفقهية والاجتماعية دون تهويل أو تهوين.
تمثلت أبرز نقاط القوة في هذا اللقاء في قدرة الدكتور مغيث على تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر، وربط أزماتنا الراهنة - كصعود الخطاب الشعبوي والتبعية المعرفية - بجذورها التاريخية الأولى المتمثلة في "التوفيقية المترددة" لرواد القرن التاسع عشر. علاوة على ذلك، أضفى استدعاء المقارنات الحضارية، لا سيما التجربة الهندية في التعامل مع إرث المستعمر، حيوية استثنائية على الحوار؛ إذ نجح في إخراج الفكر العربي من قوقعة التمركز حول الذات المظلومة والباكية على كرامتها الجريحة، دافعا به نحو أفق رحب من المراجعة الذاتية العقلانية القائمة على البراجماتية والمصلحة الوطنية.
على الجانب الآخر، وفي إطار المأخذ الفكري والمنهجي، قد يرى بعض النقاد والمؤرخين أن حصر أسباب تعثر النهضة في العوامل الذاتية والنفسية - مثل "عقدة الثأر" والتردد الفكري للرواد - ينطوي على نوع من الاختزال. فهذا التفسير السيكولوجي قد يغفل، بقصد أو بدون قصد، ضراوة الشروط الموضوعية والجيوسياسية الفائقة التعقيد التي طوقت المنطقة العربية طوال قرنين. إن عوامل مثل زرع الكيان الصهيوني في قلب الجغرافيا العربية، والتدخلات العسكرية الأجنبية المباشرة، فضلا عن الدعم الدولي المستمر للأنظمة السلطوية لضمان مصالح القوى الكبرى، هي كوابح مادية ثقيلة لعبت دورا بنيويا وتدميريا في إجهاض مسارات التحديث.
إن هذه الشروط الخارجية الضاغطة لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل خلقت بيئة موضوعية فرضت على المجتمعات العربية حالة من الاستنفار العاطفي والدفاعي الدائم. فحينما يعيش مجتمع ما تحت تهديد وجودي مستمر أو اختراق لسيادته، يصبح من الصعب عليه إنتاج "عقلانية باردة" كتلك التي حركت الهند. ومع ذلك، يظل النقد الذي قدمه د. مغيث مشروعا، لكونه يوضح كيف تحولت هذه الضغوط الخارجية إلى مسوغات داخلية استغلتها النخب المحافظة والشعبوية لتأجيل معارك التنوير الداخلي، بدعوى أنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، مما تسبب في تواطؤ الموضوعي مع الذاتي لتعطيل العقل.
في النهاية، تمثل هذه الحلقة وثيقة سمعية وفكرية بالغة الأهمية، ومنعطفا حواريا يستحق التأمل والدراسة في فضاء البودكاست العربي. إنها صرخة تنبيه فلسفية تذكرنا بأن قطار النهضة العربية لن يكتمل ولن يصل إلى محطته المبتغاة مادام العقل الجمعي العربي يتحرك بالهواجس والتردد الفقهي وعقد التاريخ الساكنة. إن العبور نحو المستقبل يتطلب مغادرة مربع المظلومية العاطفية، والشروع الفوري في حساب المصالح الاستراتيجية ببراجماتية واعية، وبناء أسس صلبة لدولة المواطنة، وسيادة القانون، والإنتاج المعرفي والعلمي الخالص.

شارك