الساحل وخليج غينيا على صفيح ساخن.. قراءة في تمدد الجماعات المسلحة

الثلاثاء 11/أغسطس/2026 - 10:13 ص
طباعة الساحل وخليج غينيا حسام الحداد
 
يمثل التمدد الميداني ل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) في منطقة الساحل الأوسط وامتدادها نحو دول خليج غينيا تحولا استراتيجيا في مسار الحركات الإرهابية  العابرة للوطنية. هذا الصعود لا يمكن تفسيره بوصفه مجرد تفوق عسكري تقليدي، بل هو ثمرة استراتيجية براغماتية طوعتها شبكات القاعدة لتجذير نفسها في البنى المحلية، مستفيدة من الهشاشة السياسية، والتهميش التنموي، والتصدعات العميقة في النسيج الاجتماعي لدول المنطقة.
من منظور سوسيولوجي سياسي، نجح الفرع المذكور في تجاوز أزمة "المركزية التنظيمية" التي عانت منها تنظيمات السلفية الإرهابية  سابقا. فعلى عكس تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي يعتمد أسلوب العنف الصادم والإدارة القسرية للمجتمعات، انتهجت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" مقاربة أكثر دهاء تعتمد على "التوطن المحلي". فقد عملت على نسج تحالفات مع مكونات قبلية ومحلية، وتقديم نفسها كبديل سلطوي أو حام في مناطق غاب عنها نفوذ الدولة المركزية. هذا الانخراطه المصلحي في الصراعات المحلية مكنها من توفير حاضنة شعبية نسبية، أو على الأقل تحييد جزء من السكان المحليين، وهو ما يفسر قدرتها على الصمود والتوسع رغم الحملات العسكرية الإقليمية والدولية.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، كشفت الهجمات الأخيرة، كاستهداف مطار "ديوري حماني" الدولي في نيامي، عن تحول نوعي في بنك أهداف الجماعة. فلم يعد الأمر يقتصر على حرب العصابات في الأقاليم النائية، بل تعداها إلى توجيه ضربات رمزية واستراتيجية في العمق الحضري والعواصم، بهدف تقويض شرعية الأنظمة الحاكمة وإظهار عجزها الأمني، فضلا عن إرسال رسائل ردع إقليمية ودولية. هذا التصعيد يرافقه تنافس محتدم مع فرع "ولاية الساحل" التابع لتنظيم داعش؛ وهو صراع دموي على الموارد وطرق التهريب ومناطق النفوذ، يثبت أن البوصلة الأيديولوجية غالبا ما تتراجع لصالح الهيمنة المادية والسيطرة الاقتصادية على شرايين الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
غير أن هذا التمدد يواجه تناقضات داخلية ومخاطر استراتيجية بالغة. فكلما توسع التنظيم جنوبا نحو دول خليج غينيا (بنين، كوت ديفوار، توغو)، كلما اصطدم ببيئات ديموغرافية وجغرافية ودينية أكثر تعقيدا، حيث التعددية الدينية والتماسك الاجتماعي النسبي، مما يصعب عمليات التجنيد والسيطرة طويلة الأمد. فضلا عن ذلك، فإن الاعتماد المتبادل على شبكات التهريب والاقتصاد التعديني غير المشروع يغذي صراعات أفقية تجعل التنظيم عرضة للتآكل الداخلي وانفضاض الحلفاء المحليين متى ما تغيرت معادلات المكسب والخسارة.
في السياق الراهن، تحذر التقريرات الحقوقية والأمنية، مثل تقديرات "مجموعة الأزمات الدولية"، من أن هذه التهديدات تتجاوز البعد العسكري لتضرب في عمق الاستقرار السياسي والاقتصادي لدول الساحل والساحل الأطلسي. وفي المقابل، تظل الاستجابة الحكومية الإقليمية والدولية مهددة بالتعثر إن ركزت حصرا على المقترحات الأمنية والتدخلات الخشنة، متجاهلة ضرورة معالجة جذور الأزمة المتمثلة في غياب العدالة الاجتماعية، وضعف الحوكمة الرشيدة، وتآكل شرعية مؤسسات الدولة في الأطراف والمناطق الهامشية.
كما  تشير المعطيات التحليلية إلى أن صراع الساحل دخل مرحلة توازن سلبي معقدة. فبينما تمتلك الجماعات المسلحة مرونة عالية في التكيف وإعادة الإنتاج، تعاني الدول الإقليمية من استنزاف مستمر لمواردها. وعليه، فإن أي تصور مستقبلي لاحتواء هذا المد الإرهابي لن يتحقق بمعزل عن مشروع وطني شامل لإعادة بناء العقد الاجتماعي في الأطراف المهمشة، وتجفيف منابع الدعم المحلي الذي تستمد منه هذه الحركات شرعيتها الوهمية وبقائها.
التموضع الدولي
ويعيد إعادة التموضع الدولي والإقليمي في منطقة الساحل وخليج غينيا رسم الخريطة الجيوسياسية والأمنية برمتها، حيث تحولت المنطقة إلى مسرح بارز لتنافس القوى الكبرى وسط تراجع النفوذ الغربي التقليدي وخصوصا الفرنسي. 
يمكن قراءة دور هذه القوى الجديدة وانعكاساتها على موازين الأمن ومكافحة الحركات المتطرفة عبر المحاور التالية: 
أدى الأفول التدريجي للوجود العسكري والسياسي الفرنسي، وانسحاب قواته من دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى حدوث فراغ استراتيجي سارعت موسكو لملئه. الاعتماد على الشراكات الأمنية المباشرة مع الأنظمة العسكرية الجديدة (عبر الفاعلين العسكريين الروس البدلاء ل"فاغنر") منح هذه الأنظمة غطاء سياسيا وعسكريا سريعا. ورغم أن هذا التقارب وفر أدوات قتالية خشنة، إلا أنه ركز على الحلول العسكرية البحتة دون تقديم معالجات عميقة للأزمات المؤسسية أو التنموية. 
مع الضغط العسكري المتزايد في معاقل الساحل الأوسط، انحدرت الجماعات المسلحة (مثل "نصرة الإسلام والمسلمين") جنوبا نحو دول خليج غينيا (بنين، توغو، كوت ديفوار). هذا التمدد خلق واقعا أمنيا معقدا; فالقوى الإقليمية الجديدة المتمثلة في المجالس العسكرية للساحل تعزز "تحالف دول الساحل" بمعزل عن الهياكل الإقليمية التقليدية (مثل مجموعة الساحل G5 ومجموعة الإكواس)، مما أدى إلى تفكك منظومة التنسيق الإقليمي المشترك وفتح ثغرات واسعة تستغلها التنظيمات الإرهابية للتنقل والتموين. 
إلى جانب الحضور الروسي، تواصل الصين تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري المرتبط بتأمين خطوط الموارد والبنى التحتية، بينما تحاول الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية إعادة صياغة مقارباتها عبر دعم أمني ودبلوماسي محدود لدول خليج غينيا لحماية سواحلها ومنع امتداد الفوضى إليها. هذا التنافس الدولي المتشابك يقلل من فرص صياغة استراتيجية دولية موحدة لمكافحة الإرهاب، حيث توظف ورقة "محاربة الإرهاب" أحيانا لتحقيق مكاسب نفوذ جيوسياسية ضيقة. 
خلاصة القول،  إن دخول قوى دولية جديدة إلى الساحل وخليج غينيا لم يضعف الحركات المتطرفة، بل أدى إلى "سيولة أمنية" وانقسام في الاستراتيجيات الإقليمية، مما منح الجماعات المسلحة مرونة أكبر للمناورة والاستفادة من تناقضات الصراع الدولي على حساب الاستقرار المستدام لشعوب المنطقة.

شارك