انتهاك حرمة المسيحيين في سوريا.. اعتداء على الأحياء ونبش لمدافن الأموات
الثلاثاء 11/أغسطس/2026 - 10:37 ص
طباعة
روبيرالفارس
لم تعد الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون في بعض المناطق السورية تقتصر على ما يطال الأحياء من قتل وتهجير وتدمير للمنازل والكنائس، بل امتدت، في مشهد بالغ القسوة، إلى مدافن الموتى، لتصبح القبور نفسها عرضة للنبش والتخريب وإخراج الرفات والجماجم.
وتعود قضية انتهاك حرمة المدافن المسيحية إلى الواجهة مجدداً في قرية الصورة الكبيرة شمالي السويداء، بعدما أعلن أبناء رعية الملاك ميخائيل تعرض مقابر ذويهم للمرة الثانية للنبش، وإخراج جماجم ورفات من القبور، في اعتداء وصفته الرعية بأنه انتهاك صارخ لحرمة الموتى وللأعراف الدينية والإنسانية.
وبحسب بيان أصدره أبناء الرعية في دمشق، فإن مدافن المسيحيين في القرية تعرضت للنبش مجدداً منذ الأحداث التي شهدتها المنطقة في 2025، مشيرين إلى العثور على جماجم أُخرجت من القبور وتركت في العراء، فيما تحدث البيان عن حالات جرى فيها فصل الرأس عن الجسد.
وزار وفد مسيحي القرية، التي تسيطر عليها قوات تابعة لسلطة دمشق، وتوجه إلى المقبرة حيث أُقيمت صلاة النياح، ثم جرى جمع الرفات وإعادة دفنها. كما توجه الوفد إلى الكنيسة المدمرة في القرية، وأقيمت الصلاة فيها، في محاولة لاستعادة شيء من حرمة المكان الذي تعرض للتخريب والدمار.
لكن ما حدث في الصورة الكبيرة ليس واقعة منفصلة عن سياق أوسع عاشه المسيحيون السوريون خلال سنوات الحرب. فقد تعرضت قرى وبلدات مسيحية في مناطق مختلفة من البلاد للتهجير، وجرى الاستيلاء على منازل وممتلكات، فيما دمرت كنائس وأديرة ومقامات دينية، وتحولت بعض دور العبادة إلى مبانٍ مهجورة أو مواقع عسكرية أو تعرضت للتخريب.
وفي حالة الصورة الكبيرة، لم يتوقف الاعتداء عند البشر والممتلكات ودور العبادة، وإنما امتد إلى المقابر. ففي أكتوبر 2025، بثت قناة الحرة تقريراً مصوراً من مدافن القرية أظهر قبوراً منبوشة وتوابيت محطمة وجثامين أُخرجت من مدافنها، بينها جثامين لم تكن قد تحللت بالكامل.
ويمنح هذا التوثيق السابق أهمية خاصة للشهادات الجديدة التي أعلنتها الرعية، إذ يشير إلى أن المقابر تعرضت فعلاً لانتهاك سابق، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة مع تكرار النبش وإخراج الرفات.
وأمام قسوة المشاهد، قرر أبناء الرعية عدم نشر الصور الجديدة لما تعرضت له المدافن، مؤكدين أن القرار جاء احتراماً لمشاعر أسر الموتى، ولما تحمله تلك المشاهد من إساءة بالغة لكرامة الإنسان حتى بعد وفاته.
ولا تقتصر القضية، بحسب بيان الرعية، على المقابر المسيحية وحدها، إذ أشار البيان إلى تعرض مدافن أبناء الطائفة الدرزية أيضاً للنبش وإخراج جماجم منها، فيما اضطر بعض الأهالي إلى نقل جماجم ذويهم إلى مدينة السويداء خوفاً من تكرار الاعتداءات.
وهنا تتجاوز القضية حدود الخلافات المحلية أو الطائفية، لتطرح سؤالاً أكبر حول حماية المدنيين وحرمة دور العبادة والمقابر في سوريا، وحول قدرة السلطات القائمة على توفير الحد الأدنى من الأمن الذي يسمح للسكان بالعودة إلى قراهم ودفن موتاهم في سلام.
فالمقبرة ليست مجرد مساحة لدفن الموتى؛ إنها جزء من ذاكرة الجماعة وهويتها، والاعتداء عليها يمثل اعتداءً على الذاكرة وعلى حق العائلات في صون كرامة موتاها. وعندما يُنبش قبر ويُخرج جثمان أو تُبعثر عظام إنسان، فإن آثار الاعتداء لا تتوقف عند الشخص المدفون، وإنما تمتد إلى أسرته وأبنائه وذويه الذين يجدون أنفسهم أمام انتهاك لا يستطيع الموت أن يحمي أصحابه منه.
أما المسيحيون الذين غادروا قرى السويداء، فيجدون أنفسهم أمام معادلة شديدة القسوة: العودة إلى أرض ارتبطت بتاريخ عائلاتهم وكنائسهم ومقابر أجدادهم، أو البقاء في النزوح خوفاً على حياتهم وممتلكاتهم وحرمة موتاهم.
ولهذا يطالب أبناء الصورة الكبيرة بتأمين عودتهم إلى قريتهم، ووضع آلية واضحة لحمايتهم وحماية ممتلكاتهم ومقابرهم وكنيستهم، مؤكدين تمسكهم بأرضهم ورفضهم أن تتحول أحداث تموز 2025 إلى سبب دائم للنزوح والتشرد.
إن ما يجري في قرية الصورة الكبيرة يذكّر بأن مأساة المسيحيين في سوريا لا يمكن قياسها بعدد القتلى والمهجرين وحدهم؛ فهناك أيضاً البيوت التي هُجرت، والكنائس التي دُمرت، والقرى التي فرغت من سكانها، والمقابر التي لم تسلم من العبث.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تصبح حماية حرمة الإنسان، حياً كان أم ميتاً، اختباراً حقيقياً لأي سلطة وأي مشروع للسلام. فعودة المسيحيين إلى قراهم لا تبدأ فقط بإعادة فتح الطرق وتأمين المنازل، وإنما تبدأ أيضاً بضمان ألا تمتد يد العبث مرة أخرى إلى قبور آبائهم وأجدادهم، وأن تبقى للموتى حرمتهم كما يجب أن تكون للأحياء كرامتهم وأمنهم.
