هجرة مسيحيي العراق.. 12 عامًا على ليلة الخروج الكبير من سهل نينوى

الثلاثاء 11/أغسطس/2026 - 10:41 ص
طباعة هجرة مسيحيي العراق.. روبير الفارس
 


«إعادة الإعمار وحدها لا تكفي».. بهذه العبارة لخّص البطريرك مار بولس الثالث نونا، بطريرك الكنيسة الكلدانية، واحدة من أكبر أزمات المسيحيين في العراق اليوم: فالمشكلة لم تعد فقط في إعادة بناء البيوت والكنائس التي دمرتها الحروب، وإنما في إعادة بناء الثقة نفسها، وإقناع المسيحي العراقي بأن وطنه لا يزال قادرًا على منحه الأمان والعمل ومستقبلًا لأسرته وأبنائه.

وفي حديثه عن واقع المسيحيين، شدد نونا على أن الوضع الأمني في العراق تحسن بصورة كبيرة، لكن ذلك لم ينهِ أسباب الهجرة. فالتغيير الديموغرافي، ونقص فرص العمل والخدمات، وتراجع الأمل لدى الشباب، كلها عوامل تجعل قرار البقاء أو العودة أكثر تعقيدًا من مجرد إزالة آثار الحرب.

وتكتسب تصريحات البطريرك أهمية خاصة مع حلول الذكرى الثانية عشرة لأحداث اغسطس 2014، حين تحولت قرى وبلدات سهل نينوى إلى مسرح لأكبر موجة نزوح مسيحي في تاريخ العراق الحديث.

عندما غادر المسيحيون سهل نينوى

في صيف 2014، كان تنظيم «داعش» قد سيطر على الموصل وأجزاء واسعة من محافظة نينوى. ومع تقدمه باتجاه البلدات والقرى المسيحية في سهل نينوى، انهارت خطوط الدفاع، وأصبح عشرات الآلاف من المسيحيين أمام خيار واحد: الرحيل.

في ليلة 6 اغسطس، فر سكان بلدات وقرى بينها قره قوش وبرطلة وتلكيف وباطنايا وباقوفا، متجهين بصورة أساسية إلى إقليم كردستان، خصوصًا أربيل وبلدة عنكاوا.
يستعيد البطريرك نونا تلك الساعات بوصفها واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ المسيحيين العراقيين، متذكرًا الخوف في عيون الناس وبكاء الأطفال، والاتصالات التي أجراها مع الكهنة والعائلات لحثهم على مغادرة مناطقهم قبل فوات الأوان.
ولم يكن النزوح مجرد انتقال مؤقت من مكان إلى آخر؛ فقد وجد أكثر من 120 ألف مسيحي أنفسهم لاجئين داخل إقليم كردستان بعد سيطرة داعش على قره قوش وغيرها من بلدات سهل نينوى. 
وكانت الصدمة أكبر لأن هذه البلدات لم تكن مجرد تجمعات سكانية عادية، بل تمثل قلب الوجود المسيحي التاريخي في شمال العراق، حيث حافظ الكلدان والسريان والآشوريون على لغاتهم وطقوسهم وكنائسهم وتراثهم عبر قرون طويلة.

من النزوح إلى الهجرة

لكن نزوح 2014 لم يبدأ أزمة هجرة المسيحيين من العراق، بل جاء بعد أكثر من عقد من التراجع السكاني المتواصل.
فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تصاعدت أعمال العنف والتهجير والاستهداف الطائفي، ودفع ذلك أعدادًا كبيرة من المسيحيين إلى مغادرة البلاد. ثم جاءت مرحلة تنظيم «القاعدة» والهجمات على الكنائس، وصولًا إلى صعود تنظيم داعش الذي وجّه ضربة شديدة إلى ما تبقى من الوجود المسيحي، خصوصًا في الموصل وسهل نينوى.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المسيحيين في العراق كان يتراوح قبل 2003 بين نحو 1.2 و1.5 مليون شخص، بينما تراجع إلى مئات الآلاف بعد سنوات الحرب والهجرة. إلا أن الأرقام الحالية محل خلاف كبير، إذ تشير بعض التقديرات إلى نحو 150 ألف مسيحي، بينما تضع مصادر أخرى العدد في نطاق 200 إلى 300 ألف. كما تؤكد تقارير بحثية أن تقدير عدد المسيحيين العراقيين بات شديد الصعوبة في ظل غياب إحصاء ديني حديث ودقيق. 

وهنا تكمن المفارقة: العراق الذي كان يضم واحدًا من أقدم التجمعات المسيحية في العالم، بات يواجه احتمال تحول المسيحيين فيه إلى أقلية صغيرة جدًا مقارنة بما كانوا عليه قبل عقدين.

العودة.. نجاح جزئي لا يكفي

بعد هزيمة داعش واستعادة بلدات سهل نينوى، بدأت مرحلة جديدة عنوانها «العودة». وأعيد بناء آلاف المنازل والكنائس والمؤسسات بمساعدة الكنائس ومنظمات دولية، وتمكن عشرات الآلاف من المسيحيين من العودة إلى مناطقهم.

وتشير منظمة «عون الكنيسة المتألمة» إلى عودة نحو 70 ألف مسيحي إلى منازلهم التاريخية في سهل نينوى خلال السنوات التي تلت تحرير المنطقة. وفي عام 2024، تحدثت المنظمة عن عودة نحو 9 آلاف عائلة مسيحية إلى سهل نينوى بعد أن كانت قد نزحت قبل عقد من الزمن. 

لكن «العودة» لم تكن شاملة.

فالكثير من العائلات التي غادرت العراق إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا وكندا لم تعد، وبعضها استقر نهائيًا في بلدان المهجر، وحصل أبناؤها على التعليم والعمل والجنسية، وأصبح الرجوع إلى العراق بالنسبة إليها قرارًا بالغ الصعوبة.
وهذا ما يجعل قضية الهجرة أكثر خطورة من مجرد أرقام النازحين؛ لأن كل عائلة تغادر العراق لا تعني فقدان منزل فحسب، وإنما فقدان مدرسة وكنيسة ومهنة وشبكة اجتماعية، وقد تعني أيضًا أن جيلًا جديدًا سيولد خارج الوطن ولن تكون له علاقة مباشرة بالقرية التي خرج منها أجداده.

لماذا لا يعود المسيحيون؟

يرى البطريرك نونا أن إعادة الإعمار لا تكفي، وهي نقطة تتفق مع واقع المناطق المسيحية في سهل نينوى.
فالبيت الذي أعيد بناؤه لا يعني بالضرورة أن صاحبه سيعود إليه إذا لم يجد وظيفة. والكنيسة التي أعيد ترميمها لا تستطيع وحدها إعادة مجتمع كامل إذا كان الشباب يبحثون عن مستقبلهم في أوروبا وأمريكا وأستراليا.
وتشير تقارير دولية إلى استمرار مخاوف المسيحيين من نفوذ الجماعات المسلحة، فضلًا عن النزاعات السياسية والإدارية في المناطق المتنازع عليها، ومشكلات الملكية والأراضي والتغيير الديموغرافي. كما أشار تقرير عن الحريات الدينية في العراق إلى أن بعض المسيحيين النازحين لا يزالون مترددين في العودة إلى سهل نينوى بسبب وجود فصائل مسلحة ومخاوف تتعلق بالأمن والتمثيل السياسي. 
وهناك عامل آخر أكثر عمقًا: الشعور بالمواطنة.
فالمسيحي العراقي لا يريد العودة باعتباره «أقلية تحتاج إلى حماية»، وإنما باعتباره مواطنًا عراقيًا كامل الحقوق، له الحق في العمل والتعليم والأمن والتمثيل السياسي وامتلاك الأرض والمشاركة في صناعة مستقبل بلاده.

الهجرة.. الخطر الأكبر على المستقبل

ولذلك فإن أخطر ما يواجه المسيحيين العراقيين اليوم قد لا يكون هجومًا إرهابيًا جديدًا، وإنما استمرار النزيف البطيء للسكان.
فحتى عندما يتحسن الأمن، يمكن للهجرة أن تستمر بسبب البطالة وضعف الاقتصاد والخدمات، وخصوصًا بين الشباب. وإذا غادر الشباب، تصبح عملية إعادة بناء المجتمع المسيحي أكثر صعوبة؛ إذ تتراجع أعداد الأسر الشابة، وتنخفض معدلات الزواج والإنجاب، وتكبر الفجوة بين الأجيال، وتتحول بعض القرى إلى تجمعات يغلب عليها كبار السن.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الهجرة المسيحية من العراق لا تزال مستمرة، وأن مستقبل الحضور المسيحي يرتبط بإصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية حقيقية، وليس فقط بإعادة بناء المباني التي دمرتها الحرب. 

من «النجاة» إلى «المستقبل»

بعد اثني عشر عامًا ، تبدو مهمة الكنيسة العراقية مختلفة عن مهمة السنوات الأولى بعد سقوط داعش.
في البداية كان الهدف إنقاذ الناس من القتل والنزوح، ثم أصبح الهدف إعادة بناء البيوت والكنائس، أما اليوم فالتحدي هو بناء شروط تجعل العراقي المسيحي يختار البقاء والعودة طوعًا.
وهذا يعني توفير الأمن، لكنه يعني أيضًا توفير فرص العمل، والتعليم، والخدمات، وحماية الملكية، وضمان التمثيل السياسي الحقيقي، ومنع أي تغيير ديموغرافي قسري، وتعزيز مفهوم المواطنة المتساوية.
لقد عاد جزء من المسيحيين إلى سهل نينوى، لكن السؤال الأصعب لم يعد: «هل يمكن إعادة بناء قره قوش؟»، بل: «هل يمكن إعادة بناء المجتمع الذي كان يعيش فيها؟».
وهنا تلتقي ذاكرة البطريرك نونا عن ليلة الهروب مع هاجس الحاضر. فالمسيحيون الذين خرجوا في تلك الليلة كانوا يريدون النجاة من الموت، أما الذين يفكرون في الهجرة اليوم فيبحثون عن شيء آخر: مستقبل آمن لأبنائهم.
ولهذا فإن معركة بقاء المسيحيين في العراق لن تُحسم بعدد المنازل التي أعيد بناؤها، ولا بعدد الكنائس التي رُممت، وإنما بعدد العائلات التي ستقرر أن تبقى، وبعدد الشباب الذين سيجدون سببًا مقنعًا لعدم الرحيل.
فبعد قرون طويلة من الحضور المسيحي في بلاد الرافدين، قد يكون السؤال الحقيقي في السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت الكنائس ستظل قائمة، وإنما ما إذا كان سيبقى حولها شعب يصلي فيها ويتحدث بلغته ويورث أبناءه ذاكرته وتاريخه.

شارك