الأديرة في مرمى الحرب.. حين تصل القذائف إلى ذاكرة المسيحية في أوكرانيا

الثلاثاء 11/أغسطس/2026 - 10:43 ص
طباعة الأديرة في مرمى الحرب.. روبيرالفارس
 


لم تعد الحرب الروسية على أوكرانيا تهدد حياة البشر ومنازلهم فحسب، بل امتدت آثارها إلى أماكن العبادة التي تشكل جزءًا أساسيًا من ذاكرة البلاد وهويتها الدينية والتاريخية. فمن دير راهبات الكلمة المتجسد في كراماتورسك، شرقي البلاد، إلى دير كييف-بيتشيرسك لافرا التاريخي، مرورًا بدير سفياتوهيرسك في دونيتسك، تعرضت مؤسسات رهبانية ومواقع مسيحية عريقة للقصف أو الأضرار خلال سنوات الحرب.

وتكشف أحدث بيانات اليونسكو عن حجم أوسع للخسائر؛ إذ أحصت المنظمة، ، 536 موقعًا ثقافيًا تضرر في أوكرانيا، بينها 154 موقعًا دينيًا. وتؤكد اليونسكو أن هذه الأرقام تمثل المواقع التي تمكنت من التحقق من الأضرار التي لحقت بها، فيما تستمر عمليات التوثيق والتقييم. 

. البقاء رغم القصف

في كراماتورسك، الواقعة في منطقة دونيتسك القريبة من خطوط القتال، تعرض دير راهبات خادمات الرب والعذراء مريم، التابع للعائلة الرهبانية للكلمة المتجسد، للقصف مرتين خلال نحو ثلاثة أسابيع.

وتعود الراهبات إلى المدينة منذ سنوات، إذ بدأت خدمتهن فيها قبل الحرب، في إطار العمل الرعوي للعائلة الرهبانية التي تخدم السكان المحليين، بينما تأسست بعثة آباء الكلمة المتجسد في كراماتورسك عام 2019. وتشمل الخدمة الرعوية الأطفال والعائلات والفئات الأكثر احتياجًا.

لكن القصف لم يدفع الراهبات إلى الرحيل. وعلى الرغم من الأضرار والخطر المستمر، اخترن البقاء إلى جانب السكان، في رسالة تختصرها عبارتهن المؤثرة: «لا نريد أن تكون الكلمة الأخيرة للدمار، لأن الكلمة الأخيرة هي دائمًا لله».

وبذلك يتحول الدير من مجرد مبنى ديني تعرض للقصف إلى نقطة وجود إنساني وروحي في مدينة تعيش تحت تهديد الحرب.

 دير تاريخي في قلب المعارك

ومن أبرز الأديرة التي أصابتها الحرب دير سفياتوهيرسك لافرا، أحد أشهر المراكز الرهبانية في شرق أوكرانيا، والواقع في منطقة دونيتسك.

في مارس 2022، أصابت قذائف المنطقة المحيطة بالدير، وأدت موجات الانفجار إلى تحطيم معظم نوافذ المجمع وإلحاق أضرار بعدد من مبانيه. وكان عدد من الرهبان والنازحين يحتمون داخل الدير في ذلك الوقت، بينهم مئات الأطفال.

ولم يكن ذلك آخر ما تعرض له الموقع، إذ تكرر استهداف المنطقة خلال الحرب، وأصابت القذائف مباني ومرافق تابعة للمجمع الرهباني.

ويكتسب دير سفياتوهيرسك أهمية استثنائية لأنه ليس مجرد دير حديث، وإنما مركز روحي ارتبط تاريخيًا بالمسيحية الأرثوذكسية في منطقة دونباس، ويضم منشآت دينية محفورة في الصخور والمنحدرات المحيطة بنهر دونيتس.

وقد وثقت السلطات الأوكرانية منذ الأسابيع الأولى للحرب الأضرار التي لحقت بالدير، إلى جانب عشرات المواقع الدينية الأخرى. ففي مارس 2022 كانت السلطات قد أحصت 59 موقعًا روحيًا تضرر أو دمر في ثماني مناطق أوكرانية، وكان معظمها من الكنائس الأرثوذكسية. 
ومن المواقع الرهبانية الأخرى التي تعرضت للأضرار دير الرقاد المقدس في قرية نيكولسكي بمنطقة فولنوفاخا في دونيتسك.

ففي 6 مارس 2022، أصابت نيران المدفعية الدير، وألحقت أضرارًا بالصليب وبعض أجزاء المجمع ومخبزه. ووثقت دائرة الدولة الأوكرانية لشؤون السياسة العرقية وحرية الضمير الحادث ضمن سلسلة الهجمات التي طالت المؤسسات الدينية منذ بداية الغزو الروسي واسع النطاق. 
كييف-بيتشيرسك لافرا.. ضربة جديدة لذاكرة عمرها ألف عام
أما أحدث وأبرز الخسائر التي طالت مجمعًا رهبانيًا في أوكرانيا، فكانت من نصيب كييف-بيتشيرسك لافرا، أو «دير الكهوف»، أحد أهم المراكز الروحية في العالم الأرثوذكسي.

في ليلة 23-24 يناير 2026، أدى هجوم روسي واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أضرار في مبانٍ داخل مجمع اللافرا، بينها مبنى مدخل الكهوف البعيدة وكنيسة القديسة حنة. وتحطمت نوافذ وأبواب وتضررت أجزاء من الجص، فيما لم تتضرر الكهوف نفسها. وكانت هذه أول إصابة مباشرة للمجمع بانفجار جوي منذ الحرب العالمية الثانية، وفق إدارة المحمية الوطنية. 
لكن الضربة الأكثر خطورة جاءت في يونيو 2026.
ففي 15 يونيو، تعرضت اللافرا لهجوم جديد أدى إلى اندلاع حريق في كاتدرائية رقاد السيدة العذراء، أحد أبرز مباني المجمع. وأصيبت أجزاء من الداخل والخارج، كما لحقت أضرار بمنشآت تاريخية مجاورة. وقدرت السلطات الأوكرانية قيمة الخسائر الأولية بأكثر من 500 مليون هريفنيا، أي ما يزيد على 11 مليون دولار، مع توقع استمرار أعمال الإصلاح لنحو عامين.
وتُعد اللافرا جزءًا من موقع «كييف: كاتدرائية القديسة صوفيا والمباني الرهبانية المرتبطة بها، وكييف-بيتشيرسك لافرا» المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وقد أعربت المنظمة الدولية عن قلق بالغ إزاء الأضرار التي لحقت بالموقع. 

من 59 موقعًا إلى 154 موقعًا دينيًا

تكشف مقارنة الأرقام عن اتساع نطاق الكارثة.
ففي 25 مارس 2022، أي بعد شهر واحد تقريبًا من بداية الغزو الروسي واسع النطاق، أعلنت السلطات الأوكرانية أن 59 موقعًا روحيًا على الأقل تضرر أو دمر في ثماني مناطق.

أما بيانات اليونسكو الأحدث، فتتحدث عن 154 موقعًا دينيًا تضرر ضمن 536 موقعًا ثقافيًا تم التحقق من إصابتها حتى يونيو 2026. 

وهذه الأرقام لا تعني أن 154 ديرًا أو كنيسة دُمرت بالكامل، بل تشمل المواقع الدينية التي لحقتها درجات مختلفة من الأضرار. لذلك يجب التمييز صحفيًا بين «التدمير الكامل» و«الأضرار الجزئية» و«الأضرار الناتجة عن موجات الانفجار أو الشظايا».

أكثر من مجرد مبانٍ

تكمن خطورة استهداف الأديرة والكنائس في أنها ليست مباني منفصلة عن المجتمع. فالدير في أوكرانيا غالبًا ما يمثل مركزًا للصلاة، ومكانًا لإيواء النازحين، ومؤسسة تقدم المساعدة الإنسانية، وذاكرة عمرها مئات السنين.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح في دير سفياتوهيرسك، حيث تحولت أقبية الدير خلال الحرب إلى ملجأ للمدنيين، وبينهم أطفال.
والأمر نفسه يتكرر في كراماتورسك؛ فالراهبات لم ينظرن إلى الدير باعتباره مبنى يمكن إخلاؤه بمجرد تعرضه للقصف، وإنما باعتباره جزءًا من رسالتهن تجاه السكان الذين اختاروا البقاء في المدينة.

الحرب على الحجر والإنسان

منذ بداية الغزو الروسي واسع النطاق في فبراير 2022، تعرضت المواقع الدينية في مناطق متعددة من أوكرانيا لأضرار، من كييف ودونيتسك وخاركيف إلى زابوريجيا وسومي وتشيرنيهيف وغيرها.

وبينما تمثل بعض هذه المواقع منشآت حديثة، يعود بعضها الآخر إلى قرون بعيدة، ما يجعل خسارتها غير قابلة للتعويض بسهولة.

وفي يونيو 2026، وبعد إصابة كييف-بيتشيرسك لافرا، وصفت السلطات الأوكرانية الهجوم بأنه ضربة للتراث المسيحي والثقافي للبلاد، فيما أشارت تقارير دولية إلى أن الحريق أصاب كاتدرائية الرقاد داخل المجمع التاريخي. وفي المقابل، نفت موسكو استهداف الكاتدرائية، وقالت إن الأضرار نجمت عن صاروخ دفاع جوي أوكراني، وهي رواية تخالف الرواية الأوكرانية التي تحدثت عن ضربة روسية بطائرة مسيرة.

وبعيدًا عن الجدل بشأن المسؤولية عن كل حادثة منفردة، فإن الثابت أن الحرب وضعت جزءًا كبيرًا من التراث الديني الأوكراني في دائرة الخطر.
وفي هذا السياق تبدو رسالة راهبات الكلمة المتجسد في كراماتورسك أكثر من مجرد تعليق على قصف دير. إنها تعبير عن فلسفة دينية في مواجهة الحرب: أن بقاء الكنيسة لا يقاس فقط بسلامة جدرانها، وإنما بقدرتها على البقاء إلى جانب الإنسان عندما تنهار الجدران من حوله.
فقد تُرمم القباب، وتُستبدل النوافذ، وتُعاد بناء الجدران، لكن ما تحاول الراهبات حمايته في كراماتورسك، وما تحاول الأديرة الأوكرانية الحفاظ عليه، هو شيء أكبر من الحجر: ذاكرة شعب، وحضور مسيحي، ورسالة تقول إن الحرب مهما طال أمدها لا ينبغي أن تكون لها  الكلمة الأخيرة.

شارك