قرية الطيبة بفلسطين تحتفل بعيد العذراء وسط التهديد والصراع
الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 11:20 ص
طباعة
روبيرالفارس
في بلدة الطيبة الفلسطينية، حيث تتداخل صعوبة الحياة اليومية مع الخوف على الأرض والمستقبل، جاء الاحتفال بعيد انتقال السيدة العذراء مريم هذا العام حاملاً معنى يتجاوز المناسبة الدينية، ليصبح شهادة على تمسّك جماعة مسيحية تاريخية بالبقاء والحياة، رغم الضغوط الأمنية والسياسية المتزايدة.
ومن قلب البلدة، ترأس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الاحتفالي بعيد انتقال العذراء، وسط أبناء الطيبة ومؤمنيها، في وقت تواجه فيه البلدة المسيحية الأخيرة ذات الغالبية المسيحية الكاملة في الضفة الغربية ظروفًا بالغة الصعوبة. وتُعرّف البطريركية اللاتينية الطيبة بأنها بلدة فلسطينية تقع في وسط الضفة الغربية، ويبلغ عدد سكانها نحو 1300 نسمة، وهي اليوم البلدة الفلسطينية الوحيدة التي يعيش سكانها فيها كمجتمع مسيحي بالكامل.
وحمل حضور البطريرك إلى الطيبة رسالة تضامن واضحة مع سكانها، في ظل ما يصفه أبناء البلدة ورعاتها بتهديد متزايد لوجودهم وأراضيهم. وخلال القداس، شدد بيتسابالا على أن المسيحيين لن يتخلوا عن حقهم في الحياة والبقاء، مؤكدًا أن الكنيسة ستواصل استخدام إمكاناتها للحفاظ على الوجود المسيحي في الطيبة وفي سائر الأرض المقدسة.
وفي كلمته، لم يتعامل الكاردينال مع الواقع الصعب باعتباره نهاية الطريق، بل ربط بين الإيمان والقدرة على الاستمرار، مشيرًا إلى أن المسيحي يستطيع، حتى في أكثر الظروف قسوة، أن يواصل «ولادة الحياة» عندما تبدو الظروف الإنسانية عاجزة عن تقديم الإجابات.
ويأتي الاحتفال في وقت تعيش فيه الطيبة تحت وطأة توترات متصاعدة. ففي الأشهر الماضية، حذّر الأب بشار فواضلة، كاهن رعية اللاتين في البلدة، من تزايد الاعتداءات والضغوط التي يتعرض لها السكان، ومن مخاوف مرتبطة بإقامة بؤرة استيطانية جديدة بالقرب من البلدة، معتبرًا أن مثل هذه التطورات تهدد الأرض والسكان والحضور المسيحي التاريخي.
وتزداد المخاوف مع القيود الأمنية المفروضة على المنطقة. ففي 15 يوليو، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن القوات الإسرائيلية أقامت حاجزًا عسكريًا على دوار الطيبة شرق رام الله، وأوقفت مركبات ودققت في هويات المواطنين، ما تسبب في عرقلة حركة السكان وتنقلهم.
وبالنسبة إلى أبناء الطيبة، لا يتعلق الأمر بمجرد قيود على الحركة أو خلافات حول الأرض، وإنما بمستقبل بلدة تحمل حضورًا مسيحيًا متجذرًا في التاريخ الفلسطيني. فالطيبة ترتبط، بحسب التقليد المسيحي، بقرية أفرام التي أقام فيها يسوع مع تلاميذه قبل آلامه، كما تحتضن بقايا كنيسة القديس جاورجيوس البيزنطية التي تعود جذورها إلى القرن الخامس، وأعيد بناؤها في العصر الصليبي.
وفي مواجهة هذا الواقع، تتحول المناسبات الدينية إلى مساحة للتأكيد على الوجود. فاحتفال عيد انتقال العذراء لم يكن مجرد طقس كنسي، بل مناسبة اجتمع خلالها أبناء البلدة حول كنيستهم وإيمانهم، في رسالة تقول إن الصراع والتهديدات لن ينجحا في اقتلاع الجماعة المسيحية من المكان الذي عاشت فيه أجيال متعاقبة.
وتحاول الكنيسة، من خلال حضورها الرعوي والروحي، أن تمنح سكان الطيبة ما يتجاوز الدعم المعنوي؛ فهي تؤكد أن الحفاظ على الوجود المسيحي في الأرض المقدسة يحتاج إلى بقاء الناس في أرضهم، وإلى حماية حقوقهم وتمكينهم من ممارسة حياتهم الطبيعية من دون خوف.
وكان الأب بشار فواضلة قد دعا المجتمع الدولي والمؤسسات المختلفة إلى التحرك قبل فوات الأوان، مؤكدًا أن سكان الطيبة لا يطلبون امتيازات، وإنما يريدون أن يعيشوا في أرضهم بسلام وأمان. كما شدد على أن حماية الأرض المقدسة لا يمكن أن تبقى مجرد شعارات، بل تحتاج إلى إجراءات ملموسة.
وهكذا جاءت الطيبة في عيد انتقال العذراء لتقدم صورة مكثفة عن واقع المسيحيين الفلسطينيين: كنيسة تصلي وسط القلق، ومجتمع يتمسك بأرضه رغم الضغوط، وإيمان يحاول أن يحوّل الخوف إلى رجاء.
ومن قلب الصراع، بدت رسالة الاحتفال واضحة: قد تضيق المساحات، وقد تزداد القيود والتهديدات، لكن أبناء الطيبة ما زالوا يرون في وجودهم ذاته شهادة، وفي بقائهم على أرضهم دفاعًا عن حقهم في الحياة، وفي إيمانهم قوة لمواصلة الطريق.
