داعش-خراسان: "الوجوه الجديدة" والتمويل المشفر.. التحدي الأمني القادم
الأربعاء 19/أغسطس/2026 - 12:19 م
طباعة
حسام الحداد
يشهد المشهد الأمني العالمي تحولاً دراماتيكياً وجذرياً في طبيعة التهديدات الإرهابية، حيث برز تنظيم "داعش - ولاية خراسان" (ISIS-K) كفاعل محوري وديناميكي أعاد صياغة مفهوم "الجهاد المعولم" في مرحلة ما بعد سقوط "دولة الخلافة" الترابية في العراق وسوريا. فمنذ انطلاقته الأولى من الملاذات الجغرافية المعزولة والوعرة على جانبي الحدود الأفغانية-الباكستانية، نجح التنظيم في تجاوز إرثه المحلي الضيق وعمليات الاستنزاف الميداني، متبنياً استراتيجية تكيف هيكلية وأيديولوجية بالغة التعقيد مكنته من التطور السريع والتحول من فصيل إقليمي محاصر إلى "غرفة عمليات افتراضية وعابرة للقارات"، تمتلك القدرة على تصدير العنف وتوجيه الضربات المباغتة في أقاليم جيوسياسية متباعدة، مما وضعه في مقدمة التهديدات الأمنية الأكثر خطورة وقلقاً للمجتمع الدولي في الوقت الراهن.
إن هذا الصعود المقلق لـ "ولاية خراسان" لا ينفصل عن سياق استغلاله الذكي لحالات الفراغ الأمني الجسيم والترتيبات الإقليمية الهشة الناجمة عن انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة، وتحويل وسط وجنوب آسيا إلى منصة انطلاق استراتيجية مزدوجة المفعول. فمن جهة، يعمل التنظيم على "تقويض الخصوم الإقليميين" (Strategy of Embarrassment) عبر ضربات نوعية تستهدف الرموز والمقدرات الحيوية لإظهار عجز الأنظمة وحركة طالبان عن بسط الأمن، بينما يركز من جهة أخرى على "نقل الصدمة والرعب" إلى قلب العواصم الغربية لإحداث أزمات سياسية وإعلامية تعيد بريقه الدعائي. ويرتكز هذا الطموح التوسعي على آليات تجنيد رقمية فدائية ومستحدثة تخترق مجتمعات الشتات والمهاجرين عبر ترسانة إعلامية متعددة اللغات، وإدارة دقيقة للخلايا عبر التطبيقات المشفرة، مما أفرز نمطاً أمنياً هجيناً يتسم بالغموض التام وانخفاض التكلفة التشغيلية، مستفيداً من العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي لتجاوز الرقابة، والاعتماد على "الوجوه الجديدة" غير المرصودة لضرب البنى التحتية والمرافق الحيوية، مما يفرض تحدياً وجودياً على المقاربات الأمنية التقليدية ويستوجب صياغة استراتيجية دولية شاملة تخترق "السحابة المعتمة" وتجفف منابع التمويل والتجنيد الافتراضي.
الأبعاد الاستراتيجية للتمدد الخارجي
يعتمد تنظيم "داعش-خراسان" في عقيدته التشغيلية على تحويل منطقة وسط وجنوب آسيا إلى منصة انطلاق استراتيجية، مستفيداً من انسحاب القوات الأجنبية وهشاشة الترتيبات الأمنية الإقليمية. وتتحدد استراتيجيته الحالية في ثلاثة أبعاد رئيسية:
يركز التنظيم على توجيه ضربات نوعية لخصومه الميدانيين لإظهار عجزهم عن حماية أراضيهم ورعاياهم، وهو ما ظهر جلياً في هجمات كرمان بـ إيران وهجوم قاعة "كروكوس" بـ موسكو. ويسعى التنظيم من خلال هذه الهجمات إلى إثارة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، وخلق فجوة بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها، مما يسهل عليه التجنيد والتوسع. كما يهدف التنظيم إلى استغلال النزاعات الإقليمية القائمة لتعزيز نفوذه ومكانته.
مع تزايد الضغوط الأمنية على القيادات التقليدية لتنظيم "داعش" في العراق وسوريا، نجحت "ولاية خراسان" في تقديم نفسها كمركز ثقل إيديولوجي ومالي وعملياتي بديل يوجه الشبكات التكفيرية في آسيا الوسطى وأوروبا. ويسعى التنظيم إلى بناء نموذج بديل يختلف عن النموذج المركزي السالف الذكر، يعتمد على اللامركزية والمرونة في العمليات، مما يجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية. كما يسعى التنظيم إلى استغلال الموارد المالية والبشرية المتاحة في المنطقة لتعزيز قدراته وتوسيع نطاق نشاطه.
يركز التنظيم على استهداف الدول الأوروبية والغربية لإحداث صدمات سياسية وإعلامية تُعيد بريقه في أوساط الموالين له وتضمن تدفق دماء جديدة إلى شبكاته. ويسعى التنظيم من خلال هذه الهجمات إلى إثبات وجوده وقدرته على الوصول إلى أي مكان في العالم، وتوجيه رسالة قوية للمجتمع الدولي بأنه لا يزال يشكل تهديداً خطيراً للأمن والسلم الدوليين. كما يهدف التنظيم إلى استغلال التوترات السياسية والاجتماعية في الدول الغربية لتعزيز نفوذه وتوسيع نطاق نشاطه.
يستفيد التنظيم من الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة، وهشاشة الترتيبات الأمنية الإقليمية، لنشر أيديولوجيته المتطرفة وتجنيد عناصر جديدة. ويسعى التنظيم إلى استغلال الفقر والبطالة والظلم الاجتماعي في المنطقة لتعزيز نفوذه ومكانته، وخلق بيئة مواتية لانتشار التطرف والإرهاب. كما يهدف التنظيم إلى استغلال التطورات التكنولوجية الحديثة لنشر أيديولوجيته وتجنيد عناصر جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت.
آليات التجنيد والاستقطاب الرقمي
لقد تجاوز التنظيم بصورة شاملة الأنماط التقليدية في عمليات الاستقطاب المباشر التي تتطلب تواجداً ميدانياً مكثفاً ومخاطر أمنية عالية، معتمداً بدلاً من ذلك على هندسة شبكة تجنيد بالغة التعقيد، تعتمد في جوهرها على آليات رقمية محدثة ومستمرة التطوير، قادرة على اختراق الحدود الجغرافية والحواجز اللغوية والأمنية للوصول إلى شرائح مستهدفة بدقة متناهية، وتوظيف أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الاتصال لخدمة أجندته التوسعية.
وفي مقدمة هذه الآليات، يبرز التركيز الاستراتيجي المكثف على اختراق مجتمعات المهاجرين والشتات، لا سيما أبناء دول آسيا الوسطى، مثل طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان، حيث يستغل التنظيم هشاشة أوضاع هذه الفئات وانعزالها الثقافي. ولا يقتصر هذا الجهد على المناطق القريبة جغرافياً، بل يمتد بعمق لاختراق مجتمعات العمالة المهاجرة والشتات المستقرة في قلب أوروبا وروسيا، حيث يجري البحث الممنهج عن العناصر الأكثر عرضة للتهميش الاجتماعي والاغتراب النفسي، لتقديم سردية بديلة تمنحهم شعوراً زائفاً بالانتماء والقوة عبر تبني الأيديولوجيا المتطرفة.
ولتأمين وصول هذه السردية، طور التنظيم ماكينة إعلامية جبارة متعددة اللغات، تتجاوز الاعتماد الكلاسيكي على اللغة العربية؛ حيث تبنت مؤسسة "العزائم" الإعلامية، الذراع الدعائي الرئيسي للتنظيم، استراتيجية نشر خطب ومواد دعائية ومنشورات بأكثر من 12 لغة مختلفة، تشمل الروسية، والطاجيكية، والأوزبكية، والتركية، فضلاً عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية. ويركز المحتوى الإعلامي بذكاء على محورين أساسيين: أولهما تخوين الأنظمة المحلية والطعن في شرعيتها، وثانيهما تضخيم وتأجيج المظالم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحقيقية أو المتخيلة لدى الفئات المستهدفة، لتقديم "الجهاد" كحل وحيد ومحتوم لهذه الأزمات.
وأخيراً، يكتمل هذا النظام المعقد عبر الانتقال السلس من مرحلة الدعاية العامة إلى الإدارة الفردية المباشرة والدقيقة للخلايا والمجندين، مستفيداً بصورة قصوى من منصات التطبيقات المشفرة مثل Telegram وSignal لإنشاء دوائر اتصالية مغلقة ومؤمنة تماماً بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية. وفي هذا الفضاء الافتراضي المعتم، يتحول التجنيد إلى تفاعل فردي ومباشر بين المجند و"موجّهين افتراضيين" محترفين يتواجدون في مناطق آمنة، حيث يقومون بتبني الأفراد وإدارتهم خطوة بخطوة، بدءاً من مرحلة الشحن الأيديولوجي المعمق، وصولاً إلى التدريب الفني الافتراضي، وتحديد الأهداف الدقيقة، ورسم التكتيكات الميدانية اللازمة لتنفيذ الهجمات، مما يجعل المجند أداة طيعة وفاعلة في يد قيادة بعيدة تماماً عن موقع الحدث.
التهديدات الجيوسياسية والتكلفة الأمنية
لقد فرضت التحولات البنيوية العميقة التي شهدها التهديد الإرهابي نمطاً أمنياً جديداً ومعقداً للغاية، يتسم بالغموض الشديد وضعف الرؤية الاستخباراتية، مما جعل من الصعب جداً التنبؤ بالضربات القادمة أو إحباطها في مراحلها المبكرة. إن انتقال التنظيمات المتطرفة من الاعتماد على المناطق الجغرافية الصلبة والواضحة المعالم إلى فضاء "السحابة المعتمة" الافتراضية قد خلق بيئة سيالة عابرة للحدود تتقاطع فيها التهديدات المادية والرقمية، مما وضع الأجهزة الأمنية أمام تحديات غير مسبوقة تقتضي إعادة النظر في استراتيجيات مكافحة الإرهاب القائمة على فرضية وجود "عدو" محدد المعالم والجغرافيا.
ومن أبرز تجليات هذا النمط الجديد هو النجاح الكبير لهذه التنظيمات في خفض التكلفة التشغيلية للعمليات الإرهابية إلى مستويات متدنية للغاية، وذلك بفضل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا المتقدمة في التمويل والدعاية. فمن ناحية، أتاح استخدام العملات المشفرة (Cryptocurrencies) وتقنيات البلوكشين (Blockchain) تأمين تدفقات مالية بعيدة عن رقابة الأنظمة المصرفية التقليدية، مما يسهل عملية تمويل الخلايا والنشاطات التخريبية دون ترك آثار قابلة للتتبع. ومن ناحية أخرى، سمح توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي (AI) بتوليد كميات هائلة من المحتوى الدعائي المتطور وبلغات متعددة في وقت قياسي وبأقل كلفة، فضلاً عن استخدام الخوارزميات المتقدمة لتجاوز أنظمة الرقابة الرقمية التي تفرضها شركات التكنولوجيا الكبرى، مما يضمن استمرار وصول الرسائل التحريضية إلى الجمهور المستهدف دون انقطاع.
وفي بُعد آخر لا يقل خطورة، أدى الاعتماد الاستراتيجي للتنظيم على "الوجوه الجديدة" أو ما يُعرف بـ "الذئاب المنفردة" الموجهة رقمياً إلى تآكل كفاءة الرادارات والمنظومات الأمنية والاستخباراتية التقليدية بشكل ملحوظ. فهؤلاء الأفراد غالباً ما يكونون من مواطني الدول المستهدفة أو المقيمين فيها بصفة قانونية، وليس لديهم سجلات إجرامية أو أمنية سابقة، مما يجعلهم غير مرصودين لدى الأجهزة المعنية. إن عملية الشحن الأيديولوجي الخاطفة التي تتم عبر الفضاء الرقمي تحول هؤلاء الأشخاص من أفراد عاديين إلى عناصر فاعلة ومستعدة للتنفيذ في غضون أسابيع قليلة دون الحاجة للانخراط في هياكل تنظيمية ملموسة، مما يجعل من الصعب جداً تتبع مساراتهم أو رصد نواياهم الهجومية قبل فوات الأوان.
إن مجموع هذه المعطيات يمنح التنظيم اليوم قدرة عالية ومرنة على مباغتة الأهداف الحيوية والبنى التحتية الحساسة (Critical Infrastructure) في أقاليم جغرافية متعددة ومتباعدة، وضمن بيئات أمنية قد تُعتبر محصنة. ولم يعد الهدف يقتصر على إيقاع أكبر عدد من الضحايا فحسب، بل يشمل أيضاً إحداث صدمات سياسية واقتصادية ونفسية واسعة النطاق من خلال استهداف مفاصل حيوية كشبكات الطاقة، والمواصلات، أو حتى المرافق السياحية والثقافية الكبرى. إن هذه المباغتة المتكررة تضع ضغوطاً هائلة على التماسك الاجتماعي وتجبر الحكومات على اتخاذ إجراءات أمنية مشددة قد تقتضي تقييد بعض الحريات المدنية، مما يصب في نهاية المطاف في خدمة أجندة التنظيم الرامية لإضعاف الدولة من الداخل وزعزعة ثقة المواطنين في مؤسساتها الأمنية.
الخاتمة
يمثل تنظيم "داعش-خراسان" اليوم النموذج الأكثر تطوراً للإرهاب المعولم منخفض التكلفة وعالي التأثير. إن قدرته على المزج بين الملاذ الآمن في الجغرافيا الأفغانية والتمدد المفتوح في الفضاء الرقمي تجعل منه تهديداً سيبرانياً وميدانياً متكاملاً. ولذا، فإن مواجهة هذا التمدد لم تعد تتطلب ردود أفعال أمنية أو عسكرية محدودة، بل تستلزم بناء استراتيجية دولية شاملة تخترق مجتمعات التجنيد الافتراضي وتجفف شبكات التمويل الرقمي عبر الحدود.
