القاعدة في جزيرة العرب تعيد ترتيب أولوياتها.. من اليمن إلى الساحل الأفريقي

السبت 22/أغسطس/2026 - 11:19 م
طباعة القاعدة في جزيرة علي رجب
 
تبدو أنشطة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب خلال الأشهر الأخيرة أقرب إلى إعادة ترتيب للأولويات منها إلى تراجع نهائي، في ظل انخفاض حضوره العملياتي داخل اليمن، مقابل سعيه إلى تعزيز موقعه في شبكة التنظيم الدولية من خلال تسليط الضوء على جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل الأفريقي.

وتشير المعطيات الواردة في تقرير حديث إلى أن التنظيم كثف خلال مايو/أيار الماضي رسائله المرتبطة بالساحل، في محاولة للاستفادة من الزخم الذي تحققه الجماعة المرتبطة بالقاعدة هناك، مع إعادة تنشيط خطابه الإعلامي الموجه إلى الجمهور الغربي.

إشادة بتحركات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
وفي مايو/أيار، نشر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب رسالة بعنوان "تهانينا ودعواتنا لإخواننا في الساحل الأفريقي"، أشاد خلالها بهجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، معربا عن أمله في أن تشهد باماكو ومناطق أخرى تطورات وصفها بأنها مشابهة لما حدث في أفغانستان مع سيطرة حركة طالبان على كابول عام 2021.

ويعكس هذا الخطاب محاولة للاستفادة من النجاحات التي تنسب إلى جماعات القاعدة في منطقة الساحل، في وقت تراجع فيه حضور التنظيم اليمني مقارنة بالسنوات التي تمكن خلالها من فرض نفوذ واسع على مناطق يمنية.

كما أعادت مجلة "إنسباير" التابعة للتنظيم، والصادرة باللغة الإنجليزية، التركيز على خطاب يحرض على استهداف المصالح الغربية والإسرائيلية، بما يعكس استمرار اهتمام التنظيم بالعمليات الخارجية رغم تراجع نشاطه المحلي.

تنظيم لم يعد يسيطر على مناطق رئيسية
تأسس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2009 نتيجة اندماج فرعي القاعدة في السعودية واليمن، وسرعان ما أصبح أحد أبرز فروع التنظيم العالمي، بسبب قدرته على الجمع بين النشاط المسلح المحلي ومحاولات تنفيذ عمليات خارجية.

وشهد التنظيم ذروة نفوذه خلال الحرب اليمنية، خصوصا بعد تمكنه من السيطرة على مدينة المكلا ومناطق أخرى، قبل أن يبدأ مسار الانحسار نتيجة العمليات العسكرية والضربات الأمريكية وفقدان عدد من قياداته والتضييق الأمني.

وبحلول عام 2026، لم يعد التنظيم يسيطر على مراكز سكانية رئيسية، بينما تتركز أنشطته بصورة أكبر في محافظات أبين وشبوة ومأرب وحضرموت.

ومع ذلك، تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتفاظ التنظيم بآلاف المقاتلين وموارد مالية، إلى جانب استمرار امتلاكه طموحات وقدرات في مجالات مختلفة، فضلا عن علاقاته مع جماعات أخرى تابعة للقاعدة.

تغير المشهد العسكري في اليمن
شهدت بيئة الصراع التي يتحرك فيها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب تغيرات مهمة خلال الفترة الماضية. فمنذ أواخر عام 2022، كان المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المرتبطة به من أبرز القوى التي تواجه التنظيم في ساحات القتال.

لكن التطورات التي شهدها جنوب اليمن خلال أواخر عام 2025 وبداية 2026 أدت إلى تغير كبير في خريطة القوى، مع تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي وخسارته مساحات واسعة من الأراضي.

وقد أتاح ذلك، وفق التقرير، مساحة جديدة أمام تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لإعادة تقييم أولوياته، خصوصا في ظل عدم وجود عدو محلي موحد يفرض عليه مستوى الضغط السابق.
"إنسباير" تعود إلى واجهة الدعاية
ويبرز الجانب الإعلامي باعتباره أحد أهم الأدوات التي يحاول التنظيم استخدامها لتعويض تراجع نشاطه العسكري.

فبدل الاعتماد بصورة أساسية على عمليات معقدة تتطلب إعدادا طويلا وقدرات تنظيمية كبيرة، يركز الخطاب الجديد بصورة أكبر على التحريض على أعمال عنف ينفذها أفراد بصورة منفردة.

ويمنح هذا الأسلوب التنظيم قدرة على الحفاظ على حضوره الدعائي مع تقليل الحاجة إلى بنية عملياتية كبيرة، كما يجعل اكتشاف مثل هذه التهديدات أكثر صعوبة بالنسبة للأجهزة الأمنية.

وتكتسب مجلة "إنسباير" أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها واحدة من أبرز أدوات الدعاية الإنجليزية التابعة للقاعدة، إذ ساهمت على مدار سنوات في إيصال رسائل التنظيم إلى جمهور خارج مناطق الصراع التقليدية.

الساحل يمنح التنظيم قصة نجاح جديدة
ويبدو أن منطقة الساحل الأفريقي أصبحت عنصرا أساسيا في الخطاب الجديد للقاعدة في جزيرة العرب، إذ تمنحها التطورات هناك سردية ميدانية لا يستطيع التنظيم تقديمها حاليا بالزخم نفسه من اليمن.

وتحاول الرسائل الصادرة عن التنظيم تصوير الصراع في الساحل باعتباره نموذجا لحرب طويلة الأمد يمكن أن تستنزف الحكومات وتضعف مؤسسات الدولة، وصولا إلى تغييرات سياسية وأمنية واسعة.

غير أن الإشادة المتبادلة بين فروع القاعدة لا تعني بالضرورة وجود تنسيق عملياتي مباشر بينها، بل يمكن أن تكون وسيلة لتعزيز الروابط الرمزية والحفاظ على تماسك الشبكة الجهادية العابرة للحدود.

استراتيجية لمنع التهميش
وتشير الصورة العامة إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لا يعود إلى مرحلة القوة التي بلغها في العقد الماضي، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو مستعدا للقبول بالتهميش نتيجة تراجع نشاطه داخل اليمن.

وبدلا من ذلك، يعتمد التنظيم على الجمع بين الحضور المحلي المحدود، والدعاية العابرة للحدود، والتضامن مع فروع القاعدة الأخرى، خصوصا في منطقة الساحل.

وبذلك، تبدو استراتيجية التنظيم في عام 2026 قائمة على الحفاظ على الأهمية والقدرة على التأثير، حتى في ظل انخفاض عملياته داخل اليمن، عبر الاستفادة من صعود جماعات حليفة في ساحات أخرى وإعادة توجيه خطابه الإعلامي نحو قضايا وتهديدات تتجاوز حدوده الجغرافية.

شارك