كيف تنقلب أسلحة الحرس الثوري الإيراني على الحوثيين في اليمن؟

السبت 29/أغسطس/2026 - 11:30 ص
طباعة كيف تنقلب أسلحة الحرس فاطمة عبدالغني
 
تتحول حرب الإمدادات في اليمن تدريجيًا إلى معادلة عسكرية لافتة، إذ لا تنتهي جميع شحنات الأسلحة التي يُتهم الحرس الثوري الإيراني بإرسالها إلى الحوثيين في أيدي الجماعة، فبعض تلك الشحنات يجري اعتراضه في البحر أو ضبطه على طرق التهريب البرية، قبل أن تخضع للفحص والتسجيل، ثم يُعاد استخدام جزء منها لتعزيز قدرات القوات اليمنية المناهضة للحوثيين.

وبحسب تقرير تحليلي نشرته وكالة شيبا للاستخبارات "شيبا إنتليجنس"، فإن عمليات اعتراض الأسلحة الإيرانية لا تحرم الحوثيين من الإمدادات فحسب، بل تمنح القوات الحكومية فرصة للاستفادة من الأسلحة التقليدية والمكونات التقنية التي كانت موجهة أساسًا إلى خصومها، ويشمل ذلك معدات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ والاتصالات وأنظمة التوجيه.

وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن هذه الظاهرة تفتح مسارًا غير مباشر تتحول من خلاله شبكات الإمداد الإيرانية، في بعض الحالات، إلى مصدر لتطوير قدرات القوات التي تقاتل الحوثيين.

من البحر الأحمر إلى مخازن القوات اليمنية

تبدأ إحدى حلقات هذه المعادلة في البحر، حيث يمثل باب المندب والبحر الأحمر مسارين رئيسيين لعمليات تهريب الأسلحة والمكونات العسكرية إلى اليمن.

ووفقًا لـ"شيبا إنتليجنس"، بدأت أحدث سلسلة من عمليات الاعتراض في 30 يونيو، عندما أوقفت كتائب العمالقة قاربًا في مضيق باب المندب كان يحمل معدات يمكن استخدامها في تصنيع الطائرات المسيّرة والقوارب المفخخة، ويُعتقد أن الشحنة كانت في طريقها إلى مناطق يسيطر عليها الحوثيون في الحديدة.

وفي 14 يوليو ، اعترضت دوريات تابعة لكتائب العمالقة قاربًا آخر محملًا بمواد ومعدات مرتبطة بإنتاج الأسلحة، عقب عملية متابعة استخباراتية في باب المندب، قبل احتجاز الطاقم ونقل الشحنة إلى الجهات المختصة لفحصها.

وتكرر الأمر مساء 26 أغسطس ، عندما استولت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية على قارب شحن تقليدي في البحر الأحمر يحمل معدات تستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، وذكرت وسائل إعلام عسكرية تابعة للمقاومة الوطنية أن الشحنة أرسلها الحرس الثوري الإيراني وكانت متجهة إلى الحوثيين، بينما لم تُعلن حتى الآن قائمة تفصيلية بمحتوياتها.

ولم تتوقف التطورات عند ضبط القارب، إذ اعترضت القوات البحرية نفسها، بعد ساعات، خمسة زوارق حوثية حاولت الاقتراب من جزر تسيطر عليها الحكومة وتطل على الممر الملاحي الدولي، وأجبرت الزوارق على الانسحاب باتجاه ساحل الحديدة، بالتزامن مع إسقاط طائرة مسيرة كانت تنفذ مهمة استطلاع في المنطقة.

مكونات الطائرات المسيرة تتحول إلى مورد تقني

لا تقتصر قيمة الشحنات المصادرة على الأسلحة التقليدية، إذ تمنح المكونات التقنية القوات اليمنية فرصة لفهم طبيعة التكنولوجيا التي يسعى الحوثيون للحصول عليها وتطويرها.

وتوضح مصادر "شيبا إنتليجنس" أن الأسلحة التقليدية، مثل البنادق والذخيرة والقذائف، تخضع للفحص والتسجيل قبل نقلها في الغالب إلى الوحدات التي نفذت عملية الضبط، بما يسمح بإضافتها إلى مخزوناتها واستخدامها في العمليات الميدانية.

أما المكونات الأكثر تطورًا، مثل أجزاء الصواريخ، وأنظمة التوجيه، ومكونات الطائرات المسيرة، وأجهزة الاتصالات، فتخضع لإشراف وزارة الدفاع اليمنية وفرق فنية متخصصة.

ويشير التقرير إلى أن بعض مكونات الطائرات المسيرة التي جرى ضبطها كانت صالحة لإعادة الاستخدام، ودخلت بالفعل في برامج حكومية مرتبطة بالطائرات الهجومية أحادية الاتجاه، خصوصًا في مجالات التجميع والصيانة والتطوير التقني.

ولا يعني ذلك أن الطائرات المستخدمة من جانب القوات الحكومية مصنوعة بالكامل من مكونات إيرانية مصادرة، إذ حصلت البرامج اليمنية كذلك على أنظمة ومساعدات عسكرية من مصادر أجنبية أخرى، لكن بعض المحركات والدوائر الإلكترونية ووحدات التحكم وأجهزة الاستشعار والمكونات التقنية المصادرة، وفق المصادر التي تحدثت إلى الوكالة، جرى دمجها في عمليات التطوير والصيانة.

ويبرز ظهور طائرات هجومية أحادية الاتجاه ضمن قدرات القوات الحكومية كمؤشر على انتقال بعض التكنولوجيا المصادرة من مرحلة الفحص والتحليل الاستخباراتي إلى الاستخدام العسكري العملي.

التهريب البري يكشف جانبًا آخر من شبكات الإمداد

لا تقتصر عمليات اعتراض الشحنات المرتبطة بالحوثيين على الطرق البحرية، ففي 13 أغسطس، أحبطت السلطات الجمركية اليمنية محاولة لتهريب 23 وحدة من الألياف البصرية عبر منفذ الوديعة، بالتزامن مع ضبط 3687 مكونًا إلكترونيًا في المنطقة الحرة بعدن.

وشملت المضبوطات لوحات تحكم وأجهزة استشعار ومكونات إلكترونية يمكن استخدامها في تصنيع أو تطوير الطائرات المسيّرة، ووفق مصدر جمركي نقلت عنه "شيبا إنتليجنس"، كانت المعدات متجهة إلى جهة مرتبطة بالحوثيين في محافظة عمران.

وتتجاوز أهمية هذه المضبوطات قيمتها المادية، إذ توفر للخبراء اليمنيين معلومات حول نوعية التكنولوجيا التي يحاول الحوثيون إدخالها إلى مناطق سيطرتهم، بما في ذلك تقنيات للتحكم في الطائرات المسيّرة ومقاومة التشويش الإلكتروني.

وفي 25 أغسطس، أوقفت قوات "درع الوطن" سيارة في منطقة شحن بمحافظة المهرة، وعثرت بداخلها على 142 قذيفة هاون و10 صمامات هاون و13 بندقية كلاشينكوف و14 خرطوشة بندقية صيد.

وبخلاف المكونات الإلكترونية والتقنيات المتخصصة، يمكن إخضاع هذه الأسلحة التقليدية للفحص والتسجيل ثم إعادة استخدامها ميدانيًا، ما يجعل نجاح عمليات ضبط التهريب وسيلة لتعويض جزء من احتياجات الوحدات التي تنفذ عمليات الاعتراض.

عندما تنقلب خطوط الإمداد على أصحابها

تكشف هذه التطورات عن نتيجة غير مباشرة لشبكات تهريب الأسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، فكل عملية اعتراض يمكن أن تحقق للقوات المناهضة للحوثيين أكثر من هدف في الوقت نفسه: حرمان الجماعة من شحنة عسكرية، وإضافة الأسلحة التقليدية إلى مخزون القوات التي ضبطتها، والحصول على مكونات تقنية يمكن استخدامها في التطوير العسكري أو تحليل التكنولوجيا المستخدمة في ترسانة الحوثيين.

ويبدو هذا التأثير أكثر وضوحًا في مجال الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، حيث يمكن للمكونات التي صممت أصلًا لتعزيز قدرات الحوثيين أن تجد طريقها، بعد مصادرتها، إلى برامج عسكرية تابعة للقوات التي تواجه الجماعة.

وبذلك، لا تسير خطوط الإمداد في اتجاه واحد بالضرورة، فالشحنة التي تصل إلى الحوثيين تعزز قدراتهم العسكرية، بينما الشحنة التي يجري اعتراضها قد تتحول إلى مورد للقوات الحكومية، سواء عبر إعادة استخدام الأسلحة أو الاستفادة من مكوناتها التقنية.

هذه المعادلة تعني أن عمليات مكافحة تهريب الأسلحة لا تقتصر نتائجها على تعطيل الإمدادات الحوثية، بل يمكن أن تساهم أيضًا في تطوير قدرات خصوم الجماعة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمكونات متقدمة يصعب الحصول عليها عبر القنوات التقليدية.

ويرى المراقبون أن ظاهرة إعادة استخدام الأسلحة والمكونات المصادرة تعكس جانبًا مهمًا من طبيعة الحرب اليمنية، حيث لا تقتصر المعركة على السيطرة على الأرض، وإنما تمتد إلى شبكات الإمداد والتكنولوجيا والقدرة على تطوير السلاح.

وفي حال استمرت عمليات اعتراض الشحنات في البحر والطرق البرية، فقد تصبح الأسلحة الإيرانية المصادرة مصدرًا إضافيًا للمعلومات والموارد بالنسبة إلى القوات المناهضة للحوثيين، لكن حجم هذا التأثير سيظل مرتبطًا بنوعية المضبوطات، ومدى صلاحيتها لإعادة الاستخدام، وقدرة القوات اليمنية على استيعاب التقنيات المعقدة وتطويرها.

وفي المقابل، فإن استمرار تدفق الأسلحة والمكونات إلى الحوثيين، حتى مع نجاح بعض عمليات الاعتراض، يؤكد أن الحرب على شبكات التهريب لا تزال جزءًا أساسيًا من الصراع الأوسع في اليمن، وأن المعركة على خطوط الإمداد قد تحدد إلى حد كبير شكل التوازن العسكري خلال المرحلة المقبلة.

شارك