إيران تغلي تحت وطأة البنزين.. وطوابير طهران تنذر بانفجار جديد

الثلاثاء 01/سبتمبر/2026 - 11:16 ص
طباعة إيران تغلي تحت وطأة روبيرالفارس
 


بين انهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، ونقص البنزين، تبدو إيران أمام واحدة من أكثر أزماتها الاقتصادية والاجتماعية حساسية منذ سنوات، فيما تتزايد التحذيرات من أن الضغوط المعيشية المتراكمة قد تتحول إلى موجة غضب شعبي جديدة.

وفي أحدث تحذير صادر من داخل الأوساط الاقتصادية للنظام، وصف الخبير الاقتصادي الحكومي حسين راغفر مستوى الاستياء داخل المجتمع الإيراني بأنه «غير مسبوق» منذ ما يقرب من نصف قرن، مؤكدًا أن الأوضاع الحالية أصبحت، في تقديره، أسوأ بكثير مما كانت عليه خلال احتجاجات يناير 2026.

وقال راغفر، في مقابلة نشرها موقع «ديدار» الحكومي في 29 أغسطس، إن المجتمع الإيراني يعيش حالة من الغضب لم يشهد لها مثيلًا خلال العقود الخمسة الماضية، محذرًا من أن أي قرار جديد يحمّل المواطنين أعباء إضافية، وفي مقدمتها رفع أسعار البنزين، قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان.

البنزين.. شرارة فوق برميل من الغضب

لم تنتظر أزمة الوقود طويلًا حتى تنتقل من أرقام الاقتصاد إلى شوارع العاصمة.
فقد أقر التلفزيون الرسمي الإيراني، بتشكل طوابير ضخمة أمام محطات الوقود في طهران، امتدت لعدة كيلومترات، بينما اضطُر مواطنون إلى الانتظار لأكثر من ساعتين للحصول على 40 لترًا فقط من البنزين.

ووصف الإعلام الرسمي المشهد بأنه طوابير طويلة وغير مسبوقة في العاصمة منذ سنوات، في اعتراف يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب منظومة توزيع الوقود.

وتزامنت الأزمة مع تقارير عن إغلاق عدد من المحطات وتعطل مضخات التوزيع، فضلًا عن تأثير انقطاعات الكهرباء المتكررة على عمليات التزويد بالوقود، ما جعل الحصول على البنزين يتحول بالنسبة إلى كثير من المواطنين إلى رحلة بحث طويلة.

وفي مشهد يكشف خطورة الأزمة، تحدث أحد المواطنين عن اضطراره إلى التنقل لساعات بين محطات الوقود لتأمين كمية محدودة من البنزين لتشغيل مولد طوارئ في أحد المراكز العلاجية، محذرًا من أن نقص الوقود يمكن أن يهدد بصورة مباشرة الخدمات الطبية وحياة المرضى.

المواطن يدفع الثمن

وفي الوقت الذي تتحدث فيه السلطات عن ضرورة إصلاح منظومة دعم الوقود، يضع راغفر الأزمة في سياق اقتصادي أوسع، محذرًا من الانهيار المتسارع للعملة وتآكل دخول الإيرانيين.

وأشار إلى أن الحكومة الحالية تسلمت سعر الدولار عند نحو 48 ألف تومان، بينما وصل السعر، وفق الأرقام التي أوردها، إلى نحو 207 آلاف تومان.

هذا الانهيار في قيمة العملة يعني أن أي زيادة في أسعار السلع والخدمات يمكن أن تتحول سريعًا إلى عبء إضافي على الأسر، خصوصًا مع تراجع الأجور الحقيقية وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويعارض راغفر رفع أسعار البنزين في هذه الظروف، معتبرًا أنه لا يمكن لحكومة، وصفها بأنها «وطنية»، أن تقدم على مثل هذه الخطوة بينما يواجه المواطنون تضخمًا جامحًا وتراجعًا في قدرتهم على شراء احتياجاتهم الأساسية.
ووجّه راغفر انتقادًا مباشرًا للسياسات التي تستند إلى أسعار الوقود في دول الخليج لتبرير زيادة الأسعار في إيران.

وتساءل: إذا كانت السلطات تريد مقارنة سعر البنزين بالأسعار الخليجية، فلماذا لا تقارن أجور الإيرانيين أيضًا بأجور العاملين في تلك الدول؟

وضرب مثالًا بالممرضات، مشيرًا إلى أن الممرضة في إيران تحصل، وفق تقديره، على نحو 180 دولارًا شهريًا، مقابل نحو 3 آلاف دولار يمكن أن تحصل عليها نظيرتها في سلطنة عمان.

وبالنسبة إلى راغفر، فإن المشكلة لا تكمن فقط في سعر البنزين، وإنما في اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف الحياة، وهي فجوة يرى أنها أصبحت أحد أهم مصادر الغضب الاجتماعي.

«الحكومة في جيب المافيات »

فتح راغفر أيضًا ملف الفساد وتركيز الثروة والسلطة، معتبرًا أن إيران شهدت خلال العقود الماضية نشوء طبقة  مافيا خرجت من داخل بنية السلطة نفسها، قبل أن تفرض نفوذها على قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وقال إن تركيز السلطة والثروة في مكان واحد يجعل الفساد أمرًا حتميًا، مستخدمًا عبارة شديدة اللهجة لوصف الوضع: «نحن الآن لا نملك حكومة؛ الحكومة في جيب المافيات ».

كما ربط بين هذه السياسات وبين اتساع الفجوة بين الأجيال وتفاقم المشكلات الاجتماعية، معتبرًا أن آثار الأزمة الاقتصادية لم تعد محصورة في الأسعار والأجور، وإنما باتت تمتد إلى مختلف جوانب الحياة الإيرانية.

تهريب الوقود.. من يملك القدرة على إدارة هذه الشبكات؟

وتساءل راغفر كذلك عن حجم شبكات تهريب الوقود في البلاد، مشيرًا إلى ظهور مقاطع مصورة على شبكات التواصل الاجتماعي تظهر كميات كبيرة من الوقود المهرب.

واعتبر أن عمليات بهذا الحجم لا يمكن، من وجهة نظره، تفسيرها باعتبارها نشاطًا فرديًا لمهربين صغار، متسائلًا عن كيفية نقل كميات ضخمة من الوقود عبر مناطق حساسة أمنيًا دون وجود شبكات منظمة.

وأضاف متسائلًا: لماذا يجب أن يدفع المواطن الإيراني ثمن هذه العمليات؟

البرلمان يفتح الباب أمام خفض الحصص

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الطوابير، بدأت شخصيات برلمانية في طرح حلول تقوم على تقليص حصص البنزين وإعادة النظر في الأسعار.

وأقر عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، قادري، بوجود عجز يومي يتراوح بين 15 و20 مليون لتر من البنزين، معتبرًا أن استمرار نظام التوزيع الحالي لم يعد ممكنًا.

أما المتحدث باسم لجنة الطاقة، سبهوند، فحاول تفسير الطوابير بزيادة السفر خلال فصل الصيف، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن تطبيق أي تغييرات محتملة في الأسعار والحصص بصورة تدريجية و«هادئة»، لتجنب حدوث صدمة اجتماعية.

بنزين أقل جودة.. 

ولا تتوقف المخاوف عند نقص الكميات.
فقد حذر الخبير الاقتصادي صادق الحسيني من استخدام البنزين المنتج في المجمعات البتروكيماوية لتعويض النقص، متحدثًا عن تراجع مستوى الأوكتان وإضافة مواد كيميائية مثل الميثانول.
وبحسب تحذيره، فإن استمرار استخدام وقود منخفض الجودة قد يؤدي إلى أضرار في محركات السيارات، فضلًا عن مخاوف تتعلق بالصحة والبيئة.

أزمة البنزين أم أزمة نظام اقتصادي كامل؟

ما يحدث في طهران لا يبدو، وفق تصريحات المسؤولين والخبراء الإيرانيين أنفسهم، مجرد أزمة مؤقتة في محطات الوقود.
فخلف الطوابير يقف اقتصاد يعاني من تراجع العملة وارتفاع الأسعار، وخلف أزمة البنزين تقف مشكلة العجز والإنتاج والاستهلاك والتهريب، وخلف تراجع القوة الشرائية يقف صراع أوسع حول الأجور والثروة والفساد.
ولهذا تكتسب تصريحات حسين راغفر أهمية استثنائية؛ فهو لا يحذر فقط من ارتفاع الأسعار، وإنما يتحدث عن مستوى من الغضب الشعبي يصفه بأنه غير مسبوق منذ نحو نصف قرن.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية أمام الحكومة الإيرانية: هل تستطيع معالجة أزمة الوقود من دون أن تجعل البنزين شرارة احتجاج جديدة في مجتمع يقول أحد أبرز الاقتصاديين من داخل المنظومة إنه وصل بالفعل إلى مستوى غير مسبوق من الاستياء؟
ومع استمرار الطوابير والحديث عن تقليص الحصص ورفع الأسعار، تبدو طهران أمام اختبار صعب؛ فكل زيادة جديدة في كلفة المعيشة قد لا تكون مجرد قرار اقتصادي، وإنما مخاطرة اجتماعية في بلد مثقل أصلًا بالغضب والاحتقان.

إ

شارك