موجة إحراق الكنائس في كندا.. حوادث غامضة وأسئلة حول الإرهاب والدوافع
الثلاثاء 01/سبتمبر/2026 - 11:18 ص
طباعة
روبير الفارس
أعاد إحراق كنيسة القديس سيمون الكاثوليكية التاريخية في مقاطعة نيو برونزويك الكندية فتح ملف الاعتداءات على الكنائس ودور العبادة في كندا، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه أسئلة معلقة بشأن سلسلة من الحرائق العمد التي استهدفت مؤسسات دينية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2021.
فقد اندلع حريق هائل في كنيسة القديس سيمون الواقعة في منطقة سان سيمون على شبه جزيرة أكاديان، قبل أن تلتهم النيران المبنى الخشبي التاريخي بالكامل. وأكد مكتب الإطفاء في نيو برونزويك أن الحريق أُشعل عمدًا، فيما أعلنت الشرطة الملكية الكندية RCMP توقيف رجل يبلغ من العمر 68 عامًا، هو جيل ماليت من سان سيمون، وتوجيه تهمة الحرق العمد إليه.
وبحسب الشرطة، كانت الكنيسة خالية من الأشخاص لحظة اندلاع النيران، وقد تحولت إلى خسارة كاملة. وظهر المشتبه به مبكرًا في التحقيقات، قبل أن يمثل أمام المحكمة الإقليمية في باثورست، مع تحديد 28 أغسطس موعدًا لجلسة تتعلق بالإفراج عنه بكفالة. ولا تزال التحقيقات مستمرة، ولم تعلن الشرطة حتى الآن الدافع وراء الحريق.
كنيسة تتجاوز كونها مبنى
لم تكن كنيسة القديس سيمون مجرد مبنى ديني بالنسبة إلى سكان المنطقة؛ فالكنيسة التي ارتبط تاريخ رعيتها بأكثر من قرن كانت جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع الأكادي، وشهدت عبر أجيال طقوس المعمودية والزواج والجنائز والاحتفالات الدينية والمناسبات الاجتماعية.
ووصف أسقف باثورست، المطران ميشيل برولو، تدمير الكنيسة بأنه «خسارة لا تُقدّر بثمن»، مشيرًا إلى أن أجيالًا من المسيحيين احتفلوا بإيمانهم داخلها، وأن ذكريات العائلات ارتبطت بهذا المكان. كما وصف سكان محليون الكنيسة بأنها قلب المجتمع وروحه.
لكن أهمية الحادث لا تتوقف عند خسارة مبنى تاريخي، إذ يأتي حريق سان سيمون في سياق أكثر اتساعًا من الاعتداءات والحرائق التي طالت كنائس ومؤسسات دينية في أنحاء مختلفة من كندا خلال السنوات الماضية.
موجة حرائق منذ 2021
شهدت كندا منذ عام 2021 ارتفاعًا ملحوظًا في حرائق استهدفت مؤسسات دينية، وتركز جزء كبير منها في الكنائس المسيحية، ولا سيما الكنائس الكاثوليكية الواقعة في مناطق ترتبط بتاريخ مدارس السكان الأصليين الداخلية.
وتشير دراسة كمية نشرتها مؤسسة Macdonald-Laurier Institute عام 2025 إلى أن الحرائق العمد في المؤسسات الدينية في كندا تضاعفت أكثر من مرتين مقارنة بخط الأساس، وأن الارتفاع لم يتراجع بصورة كبيرة بعد عام 2021. إلا أن الدراسة خلصت إلى أن التحليل الإحصائي لا يدعم اعتبار الزيادة في مجملها ذات دوافع دينية، ورجحت ارتباط جانب كبير منها بالغضب الذي أعقب الإعلان عن اكتشافات محتملة لمدافن غير معلّمة في مواقع مدارس داخلية سابقة للسكان الأصليين.
وتشير تقارير كندية إلى أن عشرات الكنائس تعرضت خلال تلك الفترة لحرائق أو محاولات إحراق، فيما بقيت دوافع عدد كبير من الوقائع غير محسومة. كما أظهرت التحقيقات أن بعض الحوادث انتهت إلى توقيف مشتبه بهم، لكن إثبات وجود دافع موحد وراء الظاهرة كان أمرًا بالغ الصعوبة.
وهنا تبرز نقطة مهمة: لا يمكن التعامل مع كل حريق كنيسة في كندا باعتباره جزءًا من حملة واحدة أو باعتباره هجومًا معاديًا للمسيحية، إذ كشفت التحقيقات عن اختلاف كبير بين الحالات من حيث الأشخاص والدوافع والظروف.
ومن الأمثلة على ذلك حريق كنيسة القديس جورج القبطية الأرثوذكسية في سَري، بريتيش كولومبيا، عام 2021. فقد أعلنت شرطة الخيالة الملكية الكندية أن الكنيسة تعرضت أولًا لمحاولة إحراق، ثم اندلع فيها حريق أدى إلى تدميرها، واعتبرت الشرطة الواقعة مشبوهة وفتحت تحقيقًا، دون أن تربط في ذلك الوقت بين الحادث وبين محاولة الإحراق السابقة أو بينه وبين موجة الحرائق الأوسع.
ما علاقة مدارس السكان الأصليين بالكنائس؟
لفهم خلفية موجة 2021، لا بد من العودة إلى قضية المدارس الداخلية للسكان الأصليين في كندا.
فالحكومة الكندية أقرت بأن نظام المدارس الداخلية شهد على مدى أكثر من قرن فصل نحو 150 ألف طفل من السكان الأصليين عن أسرهم ومجتمعاتهم، وكانت الحكومة تمول هذه المدارس بينما أدارت مؤسسات مسيحية عددًا كبيرًا منها. كما أقرت الشرطة الملكية الكندية بدورها التاريخي في تنفيذ سياسات مرتبطة بإجبار الأطفال على الالتحاق بهذه المدارس وإعادتهم إليها.
وفي عام 2021، أدت أخبار عن اكتشافات محتملة لمدافن غير معلّمة في مواقع مدارس داخلية سابقة إلى موجة غضب شديدة، تزامنت مع سلسلة حرائق استهدفت كنائس.
لكن الربط بين جميع الحرائق وبين هذه القضية يظل غير دقيق. فبعض الوقائع ارتبطت بالفعل بالغضب من تاريخ المدارس الداخلية، بينما لم يثبت في وقائع أخرى وجود هذا الدافع، وهناك حالات ثبت فيها أن الحريق لا علاقة له بالقضية.
هل إحراق الكنائس في كندا إرهاب؟
هنا يجب التمييز بين ثلاثة أوصاف مختلفة: الحريق العمد، جريمة الكراهية، والعمل الإرهابي.
من الناحية القانونية، لا يصبح إحراق كنيسة «عملًا إرهابيًا» تلقائيًا لمجرد أنه استهدف مكانًا للعبادة.
وينص القانون الجنائي الكندي في المادة 83.01 على أن النشاط الإرهابي يمكن أن يكون فعلًا يرتكب لدافع سياسي أو ديني أو أيديولوجي، مع نية ترهيب الجمهور أو إجبار شخص أو حكومة أو منظمة على القيام بفعل أو الامتناع عنه، وأن يؤدي الفعل عمدًا إلى صور محددة من الضرر الخطير، بما في ذلك الموت أو الإصابة الجسيمة أو تعريض حياة الأشخاص للخطر أو إحداث أضرار جسيمة بالممتلكات في ظروف معينة.
وبالتالي، فإن حريق كنيسة يمكن نظريًا أن يندرج تحت تعريف الإرهاب إذا أثبتت التحقيقات أن وراءه هدفًا سياسيًا أو دينيًا أو أيديولوجيًا، وأن مرتكبه كان يريد ترهيب الجمهور أو إكراه جهة معينة، وأن بقية الشروط القانونية تحققت.
أما إذا كان الدافع شخصيًا، أو انتقاميًا، أو مرضيًا، أو متعلقًا بالجريمة العادية، فإن وصف الحادث بالإرهاب سيكون غير دقيق، حتى لو كانت الجريمة تستهدف كنيسة.
وهذا هو الفارق المهم في حادث سان سيمون.
حتى الآن، المعروف رسميًا هو أن الحريق كان متعمدًا، وأن رجلًا يبلغ 68 عامًا اتُّهم بالحرق العمد، لكن الشرطة لم تعلن الدافع ولم تصنف الواقعة باعتبارها عملًا إرهابيًا. لذلك لا توجد، حتى الآن، أدلة معلنة تسمح بوصف حريق سان سيمون بأنه «هجوم إرهابي معادٍ للمسيحية
من يقف وراء حرائق الكنائس؟
لا توجد إجابة واحدة يمكن تطبيقها على جميع الحرائق.
فالوقائع التي حققت فيها الشرطة الكندية لا تسمح بإثبات وجود تنظيم واحد يقف خلف موجة إحراق الكنائس. كما أن الأدلة المتاحة لا تبرر نسبة جميع الحوادث إلى السكان الأصليين أو إلى جماعات معادية للمسيحية أو إلى مهاجرين أو إلى تيار أيديولوجي واحد.
والأهم أن حادث سان سيمون نفسه يوضح خطورة القفز إلى الاستنتاجات؛ إذ إن الشرطة أعلنت هوية متهم بالحرق العمد، لكنها لم تكشف حتى الآن عن الدافع. وبالتالي فإن أي حديث عن هوية «من يقف وراء الحادث» أو عن كونه جزءًا من مؤامرة أو حملة منظمة يظل سابقًا لأوانه.
وفي الوقت نفسه، فإن تكرار إحراق دور العبادة يستحق دراسة أمنية وقانونية جادة، خصوصًا عندما تتوافر مؤشرات على أن بعض الحرائق متعمدة، أو عندما تتكرر الاعتداءات على مؤسسات دينية في مناطق مختلفة.
المشكلة الأكبر: من جريمة منفردة إلى ظاهرة
ما يجعل قضية سان سيمون مهمة هو أنها تأتي بعد سنوات من الجدل حول أمن الكنائس في كندا. فالتقارير البحثية التي درست الظاهرة تشير إلى أن معدل إحراق المؤسسات الدينية ارتفع بصورة واضحة بعد عام 2021، وأن كثيرًا من هذه الوقائع ظل دون تفسير نهائي أو دون محاسبة قضائية كاملة.
وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز كل حادث منفرد: هل تتعامل السلطات الكندية مع هذه الوقائع باعتبارها جرائم حرق متفرقة، أم أنها تحتاج إلى مقاربة وطنية لرصد ما إذا كانت هناك أنماط مشتركة في استهداف دور العبادة؟
الإجابة لا تعني بالضرورة أن هناك تنظيمًا إرهابيًا خلف هذه الحوادث، وإنما تعني ضرورة تحليل البيانات بصورة مشتركة، ومقارنة الدوافع، وأساليب التنفيذ، والمناطق المستهدفة، والخلفيات الأيديولوجية للمتهمين، ونتائج التحقيقات القضائية.
وفي حالة سان سيمون تحديدًا، فإن التطور الحاسم سيكون معرفة دافع المتهم البالغ من العمر 68 عامًا: هل كان دافعًا شخصيًا؟ هل كان متعلقًا بالكنيسة نفسها؟ هل كان بدافع ديني أو أيديولوجي؟ وهل توجد صلة بينه وبين أي حوادث أخرى؟
هذه الأسئلة وحدها هي التي يمكن أن تحدد ما إذا كان الحريق مجرد جريمة حرق عمد استهدفت مبنى تاريخيًا، أم جزءًا من ظاهرة أوسع تستحق وصفًا أمنيًا مختلفًا.
رماد كنيسة وذاكرة مجتمع
في النهاية، فإن احتراق كنيسة القديس سيمون لا يمثل خسارة معمارية فحسب، بل ضياع جزء من ذاكرة مجتمع كامل. غير أن التعامل المسؤول مع الحادث يقتضي في الوقت نفسه عدم استباق التحقيقات.
فالحقيقة المؤكدة حتى الآن هي أن الكنيسة أُحرقت عمدًا، وأن شخصًا أوقف واتُّهم بالحرق العمد، وأن التحقيق ما زال مستمرًا. أما وصف الجريمة بأنها إرهابية أو معادية للمسيحية أو جزء من حملة منظمة، فيحتاج إلى أدلة تثبت الدافع والهدف، وليس مجرد طبيعة المكان المستهدف.
وبينما تنتظر مدينة سان سيمون نتائج التحقيق والمحاكمة، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا أمام كندا: كيف تحمي دور العبادة وذاكرة المجتمعات الدينية، وفي الوقت نفسه تضمن ألا تتحول جرائم الحرق المتعمد إلى ملف مغلق بلا إجابات عن دوافع مرتكبيها؟
