كاردينال الماني في الأرض المقدسة: المخاوف حول مستقبل المسيحيين في القدس حقيقية

الثلاثاء 01/سبتمبر/2026 - 11:22 ص
طباعة كاردينال الماني روبيرالفارس
 
 


اختتم الكاردينال راينر فولكي، رئيس أساقفة كولونيا في ألمانيا، زيارة تضامنية إلى الأرض المقدسة استمرت ثلاثة أيام، في وقت تواجه فيه الجماعات المسيحية في القدس والضفة الغربية ظروفًا أمنية واقتصادية واجتماعية متزايدة الصعوبة، تهدد بقاءها واستمرار حضورها التاريخي في المنطقة. وقد خُصصت الزيارة للاستماع إلى المسيحيين والوقوف على أوضاعهم، ولا سيما في المجتمعات المتضررة من الأزمة الراهنة. 

ووصف فولكي ما شاهده وسمعه خلال الزيارة بأنه تركه «مهزوزًا بشدة»، مشيرًا إلى أعمال تخريب وحرائق وعنف جسدي، إلى جانب أجواء الخوف والضغوط الاقتصادية والبطالة وانعدام الآفاق، وهي عوامل تدفع مزيدًا من المسيحيين إلى التفكير في الهجرة وترك الأرض التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم.

وقال الكاردينال إن «العالم يجب ألا يغضّ الطرف عمّا يحدث»، مؤكدًا أن الكنيسة لا تستطيع أن تكتفي بالمراقبة، بل عليها أن تقف إلى جانب المسيحيين الذين يتعرضون للمضايقة والدفع إلى الهامش، وأن تعمل من أجل تمكينهم من البقاء في وطنهم.

«سمعنا صرختكم»..

وكانت بلدة الطيبة في الضفة الغربية إحدى أبرز محطات الزيارة. وتُعد الطيبة من آخر البلدات الفلسطينية ذات الغالبية المسيحية الكاملة في الضفة الغربية، وقد تعرضت خلال الفترة الماضية لسلسلة من الاعتداءات والتوغلات وأعمال التخريب وإحراق الممتلكات، ما جعلها رمزًا للقلق المتزايد على الوجود المسيحي الفلسطيني. 

وخلال لقائه أهالي البلدة، وجه فولكي إليهم رسالة تضامن واضحة قائلًا: «لقد وصل إلينا نداؤكم، وسمعنا صرختكم طلبًا للمساعدة. ولهذا نحن هنا».

وشدد رئيس أساقفة كولونيا على ضرورة توفير الظروف التي تسمح للشباب بالبقاء في أرضهم وبناء مستقبلهم فيها، بدلًا من أن تتحول الهجرة إلى الخيار الوحيد أمامهم نتيجة الخوف والبطالة والضغوط الاقتصادية.

وتأتي زيارة فولكي في وقت كانت السلطات الإسرائيلية قد أغلقت في وقت سابق من أغسطس مداخل الطيبة أمام الإسرائيليين، معلنة المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، في أعقاب تصاعد هجمات المستوطنين، في خطوة عكست حجم التوتر الأمني الذي بات يحيط بالبلدة المسيحية.

 ا مضايقات واعتداءات 

ولا تقتصر المخاوف على الضفة الغربية، إذ تواجه الجماعات المسيحية في القدس، ولا سيما في البلدة القديمة، تصاعدًا في حوادث المضايقة والاعتداء اللفظي والجسدي والتخريب.

وفي أحدث الوقائع، برأت محكمة إسرائيلية رجلًا كان متهمًا بالاعتداء على راهبة كاثوليكية في البلدة القديمة بالقدس، وأمرت بإيداعه مؤسسة للعلاج النفسي، في حادث أثار صدمة داخل الأوساط المسيحية، وسط تحذيرات من تنامي خطاب عدائي تجاه المسيحيين. كما تحدثت تقارير حديثة عن تزايد حوادث البصق على رجال الدين والراهبات، والشتائم والتخريب والاعتداءات، خصوصًا من جانب أفراد مرتبطين بأوساط دينية قومية متطرفة.
وتكتسب هذه الاعتداءات خطورة خاصة في القدس، التي تمثل مركزًا روحيًا عالميًا للمسيحية، وتضم كنائس وأديرة ومزارات ترتبط مباشرة بتاريخ المسيحية، وعلى رأسها كنيسة القيامة. وفي الوقت الذي لا تزال فيه المدينة تستقبل الحجاج من أنحاء العالم، يعيش المسيحيون المحليون وسط ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة.

 الضفة الغربية.. العنف و الهجرة

أما في الضفة الغربية، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا، إذ يتداخل العنف مع القيود على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية وتراجع النشاط الاقتصادي، الأمر الذي يضغط على العائلات المسيحية ويدفع بعضها إلى الهجرة.

وقد حذرت قيادات كنسية في الأرض المقدسة مرارًا من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إفراغ مناطق تاريخية من سكانها المسيحيين. وفي الطيبة تحديدًا، قالت تقارير إن الاعتداءات شملت إحراق ممتلكات ومركبات، والتعدي على الأراضي الزراعية وعرقلة وصول السكان إلى مصادر رزقهم. 

وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المسيحيين في الضفة الغربية أصبح في حدود عشرات الآلاف فقط، بعدما كان الوجود المسيحي أكبر بكثير في العقود الماضية. ويشكل هذا الانخفاض جزءًا من ظاهرة أوسع شهدت تراجع أعداد المسيحيين في أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط بسبب الحروب وعدم الاستقرار والهجرة. 

تكريم فولكي..

وفي ختام الزيارة، كرّم الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، الكاردينال فولكي بمنحه الميدالية الذهبية للصليب المقدس، تقديرًا لدعمه المستمر للمسيحيين في الأرض المقدسة وتضامنه معهم.

ويحمل التكريم دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي، إذ يأتي في ظل حاجة الكنائس المحلية إلى دعم دولي يحافظ على وجود المسيحيين في الأرض المقدسة، ليس باعتبارهم أقلية تحتاج إلى الحماية فحسب، وإنما باعتبارهم جزءًا أصيلًا من تاريخ المنطقة وهويتها الدينية والثقافية.

وتؤكد زيارة فولكي أن أزمة المسيحيين في القدس والضفة الغربية لم تعد مجرد قضية كنسية أو محلية، وإنما أصبحت اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي والكنائس العالمية على حماية التنوع الديني والحفاظ على مجتمع مسيحي متجذر في الأرض المقدسة منذ قرون.

فالخطر الذي يواجه هؤلاء المسيحيين لا يتمثل في حادث أمني منفرد، وإنما في تراكم الخوف والعنف والضغوط الاقتصادية والبطالة والهجرة، بما قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الوجود المسيحي وتفريغ بعض البلدات والمناطق التاريخية من سكانها الأصليين. ومن هنا جاءت رسالة فولكي من الطيبة: لمطلوب ليس فقط أن يبقى المسيحيون آمنين، بل أن يتمكنوا من البقاء في أرضهم وبناء مستقبلهم فيها.

شارك