هايتي تحت سطوة العصابات..و مجزرة تكشف مأساة المسيحيين
الثلاثاء 01/سبتمبر/2026 - 11:24 ص
طباعة
روبير الفارس
لم تعد مأساة هايتي مجرد أزمة سياسية أو أمنية عابرة، بعدما تحولت مناطق واسعة من البلاد إلى ساحات مفتوحة للعصابات المسلحة، في ظل عجز مؤسسات الدولة عن حماية المدنيين، وتراجع قدرة الشرطة والقوات الحكومية على استعادة السيطرة على الأراضي.
وجاءت المجزرة الدامية التي شهدتها منطقة كنسكوف، الواقعة في التلال القريبة من العاصمة بور أو برنس، لتكشف مجددًا حجم الكارثة. فقد أسفر الهجوم الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 47 شخصًا وإصابة 22 آخرين، فيما اختُطف أكثر من 50 شخصًا، بينهم نساء وأطفال. ودفعت أعمال العنف نحو 2600 شخص إلى الفرار من منازلهم.
الأكثر مأساوية أن عددًا من المدنيين حاولوا الاحتماء داخل كنيسة بروتستانتية، لكن المسلحين لاحقوهم إلى داخل محيط الكنيسة، حيث قُتل 22 شخصًا على الأقل، وفق المعطيات التي عرضتها الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن. كما أُحرقت منازل ووقعت عمليات اغتصاب وخطف خلال الهجوم.
وهكذا لم تعد الكنائس في هايتي مجرد أماكن للعبادة، بل أصبحت في بعض المناطق ملاجئ للمدنيين الفارين من العنف، وهو ما يجعل استهدافها أو اقتحامها يحمل خطرًا مضاعفًا على السكان، خصوصًا المسيحيين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من المجتمع الهايتي.
المسيحيون في مرمى العصابات
يعيش المسيحيون في هايتي واحدة من أصعب المراحل في تاريخ البلاد الحديث. فالعنف الذي تضرب به العصابات مختلف قطاعات المجتمع لا يستثني الكنائس أو رجال الدين أو الرهبان والراهبات، بل إن المؤسسات الكنسية أصبحت من بين الأهداف التي تتعرض للخطف والابتزاز والسرقة والاعتداء.
وكانت تقارير سابقة قد وثقت خطف رجال دين وأفراد من الجماعات الرهبانية، إضافة إلى اقتحام كنائس ومؤسسات كنسية. ففي عام 2024، اقتحمت عصابات مدرسة دينية تابعة للرهبنة الروحانية في بور أو برنس ونهبتها وأحرقت ممتلكاتها، كما خُطف كاهن من كنيسة سانت آن، بينما تعرضت شخصيات كنسية أخرى للاختطاف والاعتداء.
وفي يناير 2024، اختُطفت ست راهبات وثمانية أشخاص آخرين كانوا على متن حافلة، كما شهد العام نفسه سلسلة من عمليات اختطاف رجال الدين والعاملين في المؤسسات الكنسية. وأكدت تقارير عن الوضع الديني في البلاد أن العصابات استهدفت بصورة متزايدة رجال الدين والجماعات الدينية، سواء من المسيحيين أو أتباع الديانات الأخرى، بهدف الحصول على الفدية أو فرض السيطرة.
لكن ما يميز استهداف الكنيسة في هايتي هو أنها لا تتعرض للعنف فقط باعتبارها مؤسسة دينية، وإنما أيضًا لأنها واحدة من المؤسسات القليلة التي لا تزال تمتلك حضورًا اجتماعيًا واسعًا، وتقدم التعليم والرعاية والمساعدات للفقراء والنازحين، كما يرفع بعض قادتها أصواتهم ضد سلطة العصابات.
ولهذا حذر أساقفة هايتي مرارًا من أن استمرار العنف يهدد وجود الدولة والمجتمع معًا. وكانت أسقفية هايتي قد وصفت في بيانات سابقة ما يجري بأنه مأساة وطنية، وطالبت بوقف العنف وإنقاذ السكان من سطوة الجماعات المسلحة.
كنسكوف.. ليست المجزرة الأولى
المجزرة الأخيرة لم تأت من فراغ. فقد تعرضت كنسكوف، التي كانت تُعد لفترة من المناطق الأكثر هدوءًا مقارنة بالعاصمة، لسلسلة من الهجمات منذ عام 2025.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الهجمات التي شهدتها المنطقة خلال شهرين في بداية عام 2025 أسفرت عن مقتل أكثر من 260 شخصًا، وتدمير أو إحراق نحو 200 منزل، ونزوح قرابة 3000 شخص. ومنذ ذلك الحين تواصلت الهجمات، بما شمل القتل والخطف والاغتصاب وإحراق الممتلكات وسرقة المواشي.
وفي الهجوم الأخير، بدا واضحًا أن العصابات لم تعد تكتفي بالسيطرة على الأحياء الفقيرة داخل العاصمة، وإنما تسعى إلى التوسع نحو المناطق المحيطة بها، والسيطرة على الطرق والممرات الاستراتيجية التي تربط بور أو برنس بالمناطق الأخرى.
وتقول تقديرات حديثة إن العصابات تسيطر على نحو 70% من العاصمة، فيما تجاوز عدد النازحين داخليًا 1.4 مليون شخص، بينما قُتل أكثر من 3000 شخص في النصف الأول من عام 2026 وحده. كما يعاني نحو 5.8 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.
الأزمة أكبر من مجزرة
المأساة الإنسانية في هايتي لا تتوقف عند عمليات القتل. فعمليات الخطف للحصول على الفدية أصبحت وسيلة منتظمة لإرهاب السكان، بينما تصاعدت جرائم العنف الجنسي، وتتعرض المستشفيات والمدارس والمؤسسات الإنسانية لضغوط هائلة.
وتشير البيانات إلى مقتل أكثر من 21 ألف شخص في هايتي منذ عام 2022، بينهم أكثر من 3000 خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، في حين ارتفعت عمليات الخطف مقابل الفدية خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 47%.
وتزداد خطورة الوضع مع اقتراب الانتخابات التي تأمل البلاد في إجرائها خلال ديسمبر 2026، وهي أول انتخابات عامة منذ سنوات، إذ لا يمكن إجراء عملية انتخابية حقيقية في بلد تسيطر فيه جماعات مسلحة على مساحات واسعة من العاصمة والمناطق المحيطة بها.
أين المجتمع الدولي؟
ربما يكون الأدق الحديث عن «عجز دولي» أكثر من «صمت دولي كامل». فالأمم المتحدة أدانت المجزرة، وعقد مجلس الأمن جلسة عاجلة في 28 أغسطس لمناقشة هجوم كنسكوف، وحذر المسؤولون الأمميون من التدهور الخطير للوضع الأمني، بينما طالبت منظمات حقوقية بمحاسبة المسؤولين عن عمليات القتل والخطف.
كما توجد جهود دولية لإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمكافحة العصابات، إلا أن نشر القوة وتأمين الموارد والقدرات اللازمة لها يواجه تأخيرات وصعوبات كبيرة. وفي الوقت نفسه، لا تزال الشرطة الهايتية تعاني ضعف الإمكانات مقارنة بقوة العصابات وتسليحها وانتشارها.
وهنا تكمن المفارقة: العالم يعرف ما يحدث في هايتي، والأمم المتحدة تصدر البيانات، ومجلس الأمن يعقد الاجتماعات، وتصدر الإدانات، لكن المدني الهايتي لا يرى بالضرورة أثر هذه التحركات في الشارع.
وفي كنسكوف تحديدًا، كان السكان قد وجهوا تحذيرات ونداءات متكررة طلبًا للحماية قبل المجزرة، لكن الهجوم وقع رغم ذلك، وهو ما أثار غضب السكان وتساؤلاتهم حول قدرة الدولة والمجتمع الدولي على منع تكرار هذه الجرائم.
المسيحيون يدفعون ثمن انهيار الدولة
لا يمكن فصل مأساة المسيحيين في هايتي عن الانهيار الأمني العام، فالعصابات لا تستهدف المسيحيين وحدهم، وإنما تضرب كل من يقف في طريق سيطرتها، بما في ذلك المسلمين وأتباع الفودو وغيرهم. وقد وثقت تقارير سابقة تعرض أماكن العبادة التابعة لديانات مختلفة للهجمات، وهو ما يعني أن القضية الأساسية هي انهيار سيادة القانون وتحول الدين والمؤسسات الدينية إلى ضحايا لاقتصاد الخطف والعنف والإرهاب الإجرامي.
لكن المسيحيين والكنائس يواجهون خطرًا خاصًا، لأنهم يمثلون شبكة اجتماعية واسعة تمتد إلى الأحياء والمناطق الفقيرة، ولأن رجال الدين والراهبات والعاملين في المؤسسات الكنسية يتحركون في مناطق لا تستطيع الدولة أحيانًا الوصول إليها.
وهكذا يجد المسيحي الهايتي نفسه أمام معادلة قاسية: كنيسة قد تكون ملاذًا للفارين من العنف، لكنها قد تتحول في اللحظة نفسها إلى مكان لاستهدافهم.
البابا يرفع صوته
وفي مواجهة هذا الواقع، جاء نداء البابا لاون الرابع عشر من أجل هايتي ليعيد تسليط الضوء على مأساة تكاد تتحول إلى أزمة منسية. فقد أعرب البابا عن قربه من الضحايا وعائلاتهم، ودعا إلى إطلاق سراح جميع الرهائن دون تأخير، وطالب المسؤولين بالتحرك بصورة ملموسة لضمان أمن السكان ووضع حد لأشكال العنف.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على التعاطف الديني، وإنما تضع قضية الرهائن وحماية المدنيين أمام المجتمع الدولي باعتبارها مسؤولية سياسية وإنسانية عاجلة.
وفي الوقت الذي تزداد فيه أعداد الضحايا والنازحين، يبقى السؤال الأكبر: إلى متى يستطيع المجتمع الدولي الاكتفاء بإدانة المجازر بعد وقوعها؟
فهايتي لا تحتاج إلى بيانات جديدة بقدر ما تحتاج إلى حماية فعلية للمدنيين، ودعم مؤسسات الدولة، ومواجهة شبكات تمويل وتسليح العصابات، ومحاسبة المسؤولين عن عمليات القتل والخطف، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية.
أما المسيحيون الذين يواصلون البقاء وخدمة الفقراء والنازحين، فإنهم لا يطلبون امتيازًا خاصًا، وإنما يطلبون الحق الأساسي الذي يطلبه كل إنسان في هايتي: أن يعيش دون خوف، وأن يدخل كنيسته دون أن يخشى أن تتحول إلى مسرح لمجزرة جديدة.
