مقتل متحدث داعش في اليمن يعيد ملف الإرهاب إلى الواجهة

الجمعة 04/سبتمبر/2026 - 12:04 م
طباعة المتحدث باسم التنظيم المتحدث باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري فاطمة عبدالغني
 
أعادت عملية أمنية نفذتها قوات يمنية بإسناد من التحالف العربي في مدينة سيئون شرقي اليمن، تنظيم "داعش" إلى دائرة الاهتمام، بعدما أعلنت السلطات مقتل المتحدث باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، خلال مداهمة أمنية استندت إلى معلومات استخبارية مشتركة.

ورغم التراجع الكبير في نشاط "داعش" و"القاعدة" داخل اليمن خلال السنوات الأخيرة نتيجة العمليات العسكرية والأمنية المتواصلة، فإن مقتل أحد أبرز عناصر "داعش" في "سيئون" يسلط الضوء على استمرار وجود خلايا متطرفة قادرة على العمل بصورة سرية، في وقت لا يزال فيه تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يمثل التهديد الأكبر بين الجماعات الجهادية الناشطة في البلاد، وفق تقديرات أممية.

تفاصيل العملية الأمنية في "سيئون"

بحسب ما نقلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية "سبأ" عن جهاز أمن الدولة المركزي، نفذت قوات التحالف العربي وقوة "22" النخبوية اليمنية مداهمة لمنزل في سيئون فجر الثلاثاء، عقب عملية تنسيق استخباري أسفرت عن تحديد موقع أبو حذيفة الأنصاري.

وكان الأنصاري داخل المنزل برفقة ثمانية مدنيين، بينهم رجل وامرأتان وخمسة أطفال، عندما داهمت القوات الموقع، وأفادت السلطات بأن الأنصاري قُتل خلال العملية، بينما أصيب شخص آخر بعد مقاومة القوات الأمنية، قبل أن يتلقى العلاج ويتم نقله إلى موقع وصفته السلطات بالآمن.

وعقب انتهاء المداهمة، فتشت القوات المنزل وعثرت على حزام ناسف تمكنت من إبطال مفعوله، إلى جانب جهازي حاسوب محمول وخمسة هواتف محمولة وجهازين لوحيين.

وجاءت العملية بعد ساعات من سماع سكان في "سيئون" دوي انفجارات خلال الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، بالتزامن مع تحليق طائرة مسيرة وانتشار قوات عسكرية في عدد من شوارع المدينة، قبل أن تنسحب القوات لاحقاً.

وأكد جهاز أمن الدولة أن نجاح العملية ارتبط بتبادل المعلومات الاستخبارية بين الأجهزة اليمنية وقوات التحالف، إلى جانب عمليات الرصد والتخطيط المشترك والتدريب الذي تتمتع به القوات النخبوية.

"داعش" و"القاعدة".. لماذا بقي التنظيمان رغم تراجع نشاطهما؟

وبحسب تقارير صحفية تأتي عملية سيئون ضمن سلسلة من العمليات الأمنية والعسكرية التي استهدفت مواقع وخلايا تابعة لتنظيمي "داعش" و"القاعدة في شبه الجزيرة العربية"، خصوصاً في محافظات أبين وشبوة وحضرموت.

وكان تنظيم "القاعدة" قد استفاد من حالة الفوضى التي رافقت الحرب اليمنية منذ عام 2015، وتمكن في مرحلة سابقة من فرض سيطرته على مناطق في جنوب البلاد، من بينها مدينة المكلا عاصمة حضرموت والحوطة عاصمة محافظة لحج، قبل أن تؤدي العمليات العسكرية إلى إخراجه من تلك المناطق.

ودفعت الضربات المتتالية العديد من عناصر التنظيم إلى الانتقال نحو المناطق النائية والوعرة في وسط وجنوب اليمن، حيث حافظ على قدر من النشاط والقدرة على إعادة تنظيم صفوفه.

أما "داعش"، فلم يتمكن منذ ظهوره في اليمن من فرض سيطرة جغرافية مماثلة أو الاحتفاظ بمناطق واسعة، لكنه نفذ عدداً من الهجمات الدامية التي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية في مناطق مختلفة من البلاد.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة وخبراء يمنيين إلى فارق كبير في القوة بين التنظيمين، ووفق تقرير صدر في يوليو 2025 عن فريق المراقبة التابع لمجلس الأمن الدولي والمعني بتنظيمي "داعش" و"القاعدة"، يتراوح عدد مقاتلي تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بين 2000 و3000 مقاتل، مقابل أقل من 100 عنصر لـ"داعش"، يتركزون بصورة أساسية في محافظة مأرب.

لماذا يتفوق تنظيم "القاعدة" على "داعش" في اليمن؟

ووفقًا لتقارير إعلامية ساهمت الاضطرابات السياسية والفراغ الأمني في اليمن في توفير بيئة مواتية لنمو الجماعات المتطرفة، إلا أن تنظيم القاعدة تمكن من استثمار هذه الظروف بصورة أكثر فاعلية، وبناء نفوذ أوسع وأكثر استدامة مقارنة بتنظيم "داعش".

ورسخت القاعدة حضورها في اليمن في وقت مبكر، مستفيدة من قدرتها على استقطاب عناصر جديدة والتعامل مع التعقيدات الاجتماعية والسياسية بما يخدم توسعها، بينما ظهر "داعش" في مرحلة لاحقة ولم يتمكن من الوصول إلى مستوى النفوذ الذي حققته القاعدة.

ويرتبط هذا التفاوت إلى حد كبير بطبيعة تعامل التنظيمين مع التركيبة القبلية والاجتماعية في اليمن، إذ سعت القاعدة إلى بناء علاقات مع القبائل والاستفادة من الروابط الاجتماعية والدينية والقبلية، إلى جانب استغلال الظروف الاقتصادية وضعف التعليم في عمليات الاستقطاب، ما ساعدها على تعزيز وجودها في عدد من المناطق.

في المقابل، تبنى "داعش" منذ ظهوره خطابًا أكثر تشددًا وعنفًا، ما حدّ من قدرته على بناء علاقات اجتماعية وقبلية مماثلة، كما أدى اعتماده على العنف المفرط إلى صعوبة اندماجه داخل المجتمعات المحلية، وأضعف قدرته على تأسيس شبكة اجتماعية واسعة ومستقرة.

وركزت القاعدة على مناطق مثل حضرموت ومأرب وشبوة والبيضاء، مستفيدة من القضايا الدينية والقبلية والاجتماعية لتعزيز حضورها وتوسيع نفوذها، بينما أدى النهج الأكثر عنفًا الذي اتبعه "داعش" إلى الحد من قدرته على بناء شبكة محلية مماثلة.

وفي يوليو 2025، أشار تقرير أممي إلى أن قيادة تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" عملت على إعادة هيكلة التنظيم وتعزيز تماسكه الداخلي، في مسعى لرفع قدرته على التكيف مع المتغيرات الأمنية والسياسية والحفاظ على نشاطه في اليمن.

علاقات القاعدة والحوثيين تمتد إلى القرن الأفريقي

لا يقتصر ملف تنظيم القاعدة في اليمن على نشاطه المحلي، إذ تشير تقارير أممية إلى وجود روابط مع جماعات مسلحة في المنطقة، بينها جماعة "الشباب" في الصومال.

وكان فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن قد وصف في عام 2024 العلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بأنها "تحالف نفعي وانتهازي"، رغم الخلافات الأيديولوجية بين الطرفين.

وبحسب التقرير، شملت أوجه التعاون بين الجانبين مجالات أمنية واستخباراتية، إضافة إلى اتهامات بتزويد الحوثيين تنظيم القاعدة بطائرات مسيرة وأسلحة أخرى، وتقديم التدريب وملاذات آمنة لبعض عناصره.

وفي المقابل، لم تسجل الأمم المتحدة تعاوناً مماثلاً بين الحوثيين وتنظيم "داعش" في اليمن.

كما سلط تقرير أممي آخر صدر في يوليو 2025 الضوء على الروابط بين الجماعات المسلحة في اليمن والقرن الأفريقي، مشيراً إلى أن حركة "الشباب" في الصومال أنفقت نحو ربع مخصصاتها التشغيلية لشراء أسلحة من الحوثيين وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وتكشف هذه المعطيات أن تهديد الجماعات المتطرفة في اليمن لا يرتبط فقط بقدرتها على تنفيذ هجمات داخل البلاد، بل يمتد إلى شبكات أوسع تربط اليمن بالقرن الأفريقي، وتستفيد من الحدود البحرية والممرات الإقليمية والفراغات الأمنية.

ويرى المراقبون أن مقتل متحدث تنظيم "داعش" في سيئون يمثل ضربة أمنية مهمة للتنظيم، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء خطر الجماعات المتطرفة في اليمن، فضعف "داعش" مقارنة بالقاعدة لا يلغي قدرته على الاحتفاظ بخلايا صغيرة تعمل بصورة سرية وتستفيد من البيئة الأمنية الهشة.

وفي الوقت نفسه، تبدو قدرة تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" على إعادة الهيكلة والحفاظ على روابط محلية وإقليمية أكثر إثارة للقلق، خصوصاً مع استمرار الحديث عن علاقاته بجماعات مسلحة أخرى في اليمن والقرن الأفريقي.

ومن ثم، فإن نجاح العمليات الأمنية في الحد من نشاط التنظيمات المتطرفة سيظل مرتبطاً بمدى استمرار التعاون الاستخباري، وتحسين القدرات الأمنية، ومعالجة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها الجماعات المسلحة لتجنيد عناصر جديدة وإعادة بناء شبكاتها.

شارك