جنوب لبنان.. الركام ينتظر السلام وإعادة الإعمار الغائبة

الإثنين 07/سبتمبر/2026 - 12:17 م
طباعة جنوب لبنان.. الركام روبيرالفارس
 


في جنوب لبنان، لا تبدو الحرب وكأنها انتهت، بقدر ما تبدو وكأنها غيّرت شكلها. فبينما تتحدث العواصم عن وقف إطلاق النار، ونزع سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل قوات الأمم المتحدة، يعيش سكان القرى الجنوبية واقعًا آخر: بيوت مهدمة، طرق مقطوعة، أراضٍ زراعية متضررة، خدمات أساسية غائبة، وعودة مؤجلة إلى قرى لم تعد تشبه ما تركه أهلها.

وتأتي تصريحات النائب الرسولي للاتين في لبنان، المطران سيزار إسايان، عن تدمير 65 قرية جنوبية بصورة كلية أو جزئية، ومقتل وإصابة ما لا يقل عن 17 ألف شخص، لتعيد طرح السؤال الذي يكاد يختفي خلف الأخبار العسكرية والسياسية: من سيعيد بناء جنوب لبنان؟

الأرقام و الكارثة

الأرقام الأممية تقدم صورة أكثر اتساعًا لحجم الدمار. فقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني في جنوب لبنان بنحو 1.38 مليار دولار، نتيجة الحرب، مع نحو 3.1 ملايين متر مكعب من الركام.
ويشير التقييم إلى تدمير 11,095 مبنى بصورة كاملة، بما أثر على 17,891 وحدة سكنية، إضافة إلى 2,242 مبنى تعرض لأضرار جزئية، و9,311 مبنى لأضرار طفيفة. وكانت بلدات مثل عيترون وبنت جبيل وميس الجبل والطَيبة من بين الأكثر تضررًا. 
لكن هذه الأرقام لا تحكي القصة كاملة؛ فالبيت الذي تهدم لا يعني فقدان جدرانه فقط. إنه يعني أسرة فقدت مأواها، ومحلًا تجاريًا فقد مصدر دخله، ومزارعًا فقد أرضه أو طريق الوصول إليها، وقرية فقدت جزءًا من بنيتها الاجتماعية والاقتصادية.
والدمار لا يقتصر على المساكن. فالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية والخدمات البلدية تعرضت أيضًا لأضرار، فيما لا تزال مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة تهدد حركة السكان وتعرقل أعمال الإصلاح.
حتى اليونيفيل، التي يفترض أن ينتهي تفويضها مع نهاية عام 2026، ما زالت تقوم بعمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة وفتح الطرق ومرافقة القوافل الإنسانية. وفي يونيو الماضي، أعلنت القوة أنها كانت تزيل يوميًا مخلفات متفجرة من الطرق وتعمل على إعادة فتح طرق حيوية تربط القرى الجنوبية ببعضها. 

لماذا لا تبدأ إعادة الإعمار إذن؟

المشكلة الأساسية أن إعادة الإعمار في الجنوب ليست مسألة أموال فقط؛ إنها مسألة أمن وسياسة وسيادة.
فالجهة التي ستدفع تكاليف البناء تحتاج أولًا إلى معرفة أن المبنى الذي ستعيد تشييده لن يتحول بعد أشهر إلى ركام جديد. وهذا الشرط لا يبدو متوافرًا بعد.
فحتى الآن ما زالت مناطق من الجنوب تشهد توترات وعمليات عسكرية. وفي 4 سبتمبر، أعلنت إسرائيل السيطرة على تلة علي الطاهر الاستراتيجية قرب النبطية، في تطور يعكس استمرار الصراع الميداني رغم الاتفاقات السياسية القائمة. كما أن المفاوضات المتعلقة بتطبيق الترتيبات الأمنية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح حزب الله، لا تزال تواجه عقبات كبيرة. 
وبالتالي، فإن إعادة بناء قرية كاملة في منطقة لا تزال معرضة للقصف أو العمليات العسكرية تشبه بناء منزل فوق أرض لم تستقر بعد.

السلام أولًا.. ثم الإسمنت

هذا هو التناقض الذي يعيشه الجنوبيون.
لبنان يريد إعادة الإعمار، والدول المانحة تريد المساعدة، والأمم المتحدة لديها برامج للتعافي، لكن المجتمع الدولي لا يريد أن يتحول التمويل إلى دورة جديدة من «الإعمار ثم الحرب ثم الإعمار».
ولهذا أصبح مستقبل إعادة الإعمار مرتبطًا بصورة مباشرة بالترتيبات الأمنية والسياسية.
الرئيس اللبناني جوزاف عون تحدث بالفعل عن توافق المسار السياسي مع مسار إعادة الإعمار، وعن ضرورة أن تتم عملية الإعمار عبر الدولة اللبنانية. كما طرحت بيروت بقاء اليونيفيل بوصفه الخيار الأفضل في المرحلة المقبلة، أو إنشاء قوة بديلة إذا تعذر تمديد مهمتها. 
وهنا تحديدًا تكمن حساسية اللحظة الحالية: الجنوب يحتاج إلى إعادة إعمار عاجلة، لكن الدولة اللبنانية نفسها لم تستكمل بعد بسط سيادتها الأمنية على كامل المنطقة، فيما يستمر الخلاف حول سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي والترتيبات الحدودية.

من سيدفع فاتورة الجنوب؟

السؤال المالي لا يقل صعوبة عن السؤال الأمني.
كان البنك الدولي قدّر قبل التصعيد الجديد أن احتياجات لبنان الإجمالية للتعافي وإعادة الإعمار تصل إلى نحو 11 مليار دولار، منها 3 إلى 5 مليارات تحتاج إلى تمويل عام، فيما يتطلب الجزء الأكبر تمويلًا خاصًا، خصوصًا في الإسكان والتجارة والصناعة والسياحة. وكانت محافظتا الجنوب والنبطية من أكثر المناطق تضررًا. 
وفي فبراير 2026، أطلق البنك الدولي مشروعًا لإعادة الإعمار بقيمة إطار تصل إلى مليار دولار، مع تمويل أولي قدره 250 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات والبنية التحتية في المناطق المتضررة. 

لكن المشكلة أن حاجات لبنان أصبحت أكبر بينما قدرته على التمويل أضعف.
فالبنك الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال عام 2026 بسبب تجدد الصراع، بعدما كان الاقتصاد قد بدأ مسار استقرار هش في العام السابق. وهذا يعني أن الدولة التي تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء الجنوب والبنية التحتية، تعاني في الوقت نفسه من أزمة مالية عميقة تحد من قدرتها على الإنفاق والاستثمار. 

كما أن المساعدات الإنسانية نفسها تعاني نقص التمويل. ففي يوليو/تموز، قالت الأمم المتحدة إن نداءها الإنساني المعدل للبنان، البالغ نحو 640 مليون دولار لمساعدة 1.4 مليون شخص، لم يكن قد حصل سوى على نحو 42% من التمويل المطلوب. 

أي أن المجتمع الدولي لا يزال يكافح لتأمين أموال الإغاثة العاجلة، فكيف يمكن الانتقال بسهولة إلى مليارات إعادة الإعمار؟

جنوب لبنان.. ضحية أزمة ثقة أيضًا

هناك سبب آخر أقل وضوحًا وراء بطء الإعمار، وهو أزمة الثقة.
المجتمع الدولي يريد أن تمر الأموال عبر مؤسسات الدولة وأن تكون عملية البناء شفافة وقابلة للرقابة. وفي الوقت نفسه، لا تريد بعض الدول أن تستخدم أموال إعادة الإعمار بطريقة تعيد إنتاج نفوذ حزب الله أو تمول بنية عسكرية بصورة غير مباشرة.
ولهذا تحاول الحكومة اللبنانية تقديم الجيش والدولة باعتبارهما الجهة المسؤولة عن إعادة بناء الجنوب.
وفي بعض المناطق التجريبية، بدأت الدولة بالفعل في الدفع باتجاه نموذج جديد يقوم على تولي المؤسسات الرسمية والجيش إصلاح الطرق والبنية التحتية، بدل ترك عملية الإعمار لجهات مرتبطة سياسيًا بحزب الله. لكن استمرار العمليات الإسرائيلية، وضعف الخدمات الحكومية، ونقص التمويل كلها عوامل تجعل هذا النموذج هشًا. 
وهكذا يصبح الجنوب عالقًا بين مشروعين: مشروع يريد إعادة الدولة إلى المنطقة، ومشروع إعادة إعمار يحتاج إلى دولة مستقرة وقادرة، بينما لم تحسم بعد الملفات التي تمنع اكتمال هذه الدولة.

لماذا يبدو العالم صامتًا؟

الواقع يقول إن هناك حديث دولي وأممي عن التعافي وإعادة البناء، وهناك بالفعل برامج وتمويلات بدأت، لكن ما يغيب هو مشروع إعادة إعمار واسع وسريع بحجم الدمار الذي أصاب الجنوب.
والسبب أن المجتمع الدولي يتعامل مع الجنوب حاليًا باعتباره جزءًا من ملف سياسي وأمني أكبر، وليس مجرد منطقة منكوبة تحتاج إلى الإسمنت والمال.
فالملف الجنوبي مرتبط في الوقت نفسه بـ

الانسحاب الإسرائيلي.

انتشار الجيش اللبناني.

مصير سلاح حزب الله.

مستقبل اليونيفيل.

الترتيبات الأمنية على الحدود.

عودة النازحين.

إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة.

إعادة تشغيل الاقتصاد والزراعة.

وأخيرًا، ضمان ألا تعود الحرب بعد إنفاق مليارات الدولارات على إعادة البناء.

ولهذا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لن تكون مجرد مؤتمر للمانحين، بل تحتاج إلى اتفاق سياسي قادر على توفير ضمانة أمنية طويلة الأمد.

القرى لا تستطيع الانتظار

المشكلة أن سكان الجنوب لا يعيشون داخل البيانات الدولية والمؤتمرات. إنهم يعيشون بين الركام.

وفي بعض المناطق، لم تعد القضية بالنسبة إلى السكان هي الحصول على منزل أفضل أو شارع أجمل، بل القدرة على العودة أصلًا.

وتشير تقارير حديثة إلى استمرار نزوح مئات الآلاف من سكان الجنوب، مع تضرر كبير في البنية التعليمية والخدماتية. وتؤكد الأمم المتحدة أن الوصول إلى بعض مناطق النبطية ما زال يواجه نقصًا في المياه والكهرباء والوقود.

وفي المناطق التي بدأت فيها ترتيبات «المناطق النموذجية»، لا تزال عودة السكان محدودة بسبب استمرار المخاطر الأمنية وغياب الخدمات. وتكشف شهادات من سكان قرى جنوبية أن بعضهم عاد ليجد منزله مدمرًا أو متضررًا، فيما لم تعد الخدمات الأساسية إلى مستواها الطبيعي.
وهنا تتحول إعادة الإعمار من ملف اقتصادي إلى قضية بقاء.

شارك