من إسطنبول.. لاهوتيون وكنائس يفتحون النار علي المسيحية الصهيونية

الإثنين 07/سبتمبر/2026 - 12:19 م
طباعة من إسطنبول.. لاهوتيون روبير الفارس
 




 لم يكتفِ مؤتمر «المسيحية بلا صهيونية: رصد ومواجهة المسيحية الصهيونية في آسيا وأفريقيا» بتشخيص ظاهرة باتت حاضرة بقوة في المشهد الديني والسياسي العالمي، بل حاول الانتقال بها إلى ساحة المواجهة اللاهوتية والكنسية، عبر جمع أصوات من فلسطين وأفريقيا وآسيا والولايات المتحدة لبحث سؤال شديد الحساسية: كيف يمكن للكنائس أن تواجه المسيحية الصهيونية، وتعيد صياغة موقفها من فلسطين على أساس العدالة والسلام والحرية؟
وعلى مدار فعاليات المؤتمر في إسطنبول، الذي امتد من 1 إلى 6 سبتمبر 2026، ناقش لاهوتيون وقيادات كنسية ومسكونية وناشطون في مجال حقوق الإنسان والمناصرة جذور المسيحية الصهيونية، وأشكال انتشارها خارج البيئات الغربية، وتأثيرها على المواقف تجاه فلسطين، وصولًا إلى البحث عن أدوات عملية لمواجهتها.
ولم يكن اختيار آسيا وأفريقيا في عنوان المؤتمر عابرًا، إذ أراد المنظمون توسيع النقاش خارج الدائرة الأمريكية والأوروبية، وطرح سؤال حول انتقال الأفكار المرتبطة بالمسيحية الصهيونية إلى سياقات كنسية وثقافية جديدة، ومدى قدرة الكنائس في القارتين على تطوير خطاب لاهوتي مستقل تجاه القضية الفلسطينية.

.. فلسطين في قلب النقاش 

برز القس البروفيسور الدكتور متري الراهب، مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة في بيت لحم، باعتباره أحد أبرز الأصوات الفلسطينية في المؤتمر، كما تولى إدارة الجلسة الثانية في اليوم الأخير تحت عنوان «الطريق إلى الأمام».
ويحمل حضور الراهب دلالة خاصة؛ فهو يتحدث من قلب المجتمع المسيحي الفلسطيني، ومن مدينة بيت لحم التي تمثل واحدة من أهم مراكز الوجود المسيحي التاريخي في الأرض المقدسة.
ومن خلال حضوره، انتقل النقاش من كونه نقاشًا نظريًا حول مفهوم «المسيحية الصهيونية» إلى سؤال أكثر مباشرة: كيف تبدو هذه الأفكار من داخل فلسطين، وكيف تؤثر القراءات اللاهوتية والسياسية في حياة الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين؟
ويأتي ذلك في سياق مشروع فكري أوسع يرتبط بالراهب، من خلال مشاركته في تحرير كتاب «اللاهوت بعد غزة» مع اللاهوتي غراهام ماكغيوك، في محاولة لطرح أسئلة جديدة حول مستقبل اللاهوت المسيحي في ظل الحرب والدمار والمعاناة التي شهدها قطاع غزة.

 المسيحية الصهيونية كظاهرة تاريخية

ومن المحاور اللافتة في النقاشات دراسة الجذور التاريخية للمسيحية الصهيونية، وهي القضية التي تناولها القس الدكتور روبرت أو. سميث، عميد ونائب رئيس الشؤون الأكاديمية في مدرسة اللاهوت اللوثرية في شيكاغو.

وتقوم هذه المقاربة على رفض اختزال المسيحية الصهيونية في مجرد موقف سياسي معاصر، والنظر إليها باعتبارها ظاهرة تشكلت عبر تاريخ طويل من التفاعل بين اللاهوت والسياسة والتفسير الكتابي.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من أن المسيحية الصهيونية، بحسب منظمي الفعاليات، لم تعد مجرد قضية تخص تيارًا دينيًا محدودًا، وإنما أصبحت مرتبطة في بعض السياقات بمواقف سياسية تجاه إسرائيل وفلسطين، وبشبكات كنسية ومؤسساتية تمتلك تأثيرًا واسعًا.

ومن هنا جاء أحد الأسئلة الرئيسية للمؤتمر: هل تستطيع الكنائس أن تعيد فحص الأفكار اللاهوتية التي ساهمت في إنتاج أو دعم هذا النوع من الخطاب؟

من «النقد» إلى «البديل»

ربما كان أهم ما ميز المؤتمر أنه لم يتوقف عند نقد المسيحية الصهيونية.
فبعد الحديث عن جذورها وانتشارها وتأثيراتها، انتقل المشاركون إلى السؤال الأصعب: ماذا ستقدم الكنائس بديلًا عن هذا الخطاب؟
وهنا ظهرت مفاهيم «العدالة» و«التحرر» و«السلام» و«التضامن مع فلسطين» باعتبارها محاور أساسية في الرؤية التي حاول المؤتمر بلورتها.
فالمواجهة، وفق الاتجاه العام للمؤتمر، لا ينبغي أن تكون مجرد معركة فكرية مع تيار ديني، وإنما عملية إعادة بناء للخطاب الكنسي نفسه، من خلال التعليم اللاهوتي، وإعادة قراءة النصوص الكتابية، وإنتاج مواد تعليمية، وتعزيز حضور الكنائس الفلسطينية، وتطوير شبكات مسكونية قادرة على العمل المشترك.

أفريقيا وآسيا تدخلان على خط المواجهة

كان الحضور الأفريقي والآسيوي أحد أبرز عناصر المؤتمر.
وشارك ليسمور إزيكيال، القس واللاهوتي اللوثري ومدير البرامج في مؤتمر كنائس عموم أفريقيا، في النقاش حول الدور الذي يمكن أن تقوم به الكنائس الأفريقية في مواجهة الخطابات الدينية التي توظف اللاهوت لخدمة الصراعات السياسية.
كما حضرت آسيا من خلال يواندا يونغارا، المسؤولة الإقليمية للاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين في آسيا والمحيط الهادئ والمديرة العالمية لبرنامج الديمقراطية وحقوق الإنسان والأصوليات.

ويكشف هذا الحضور عن محاولة لبناء شبكة أوسع من التعاون الكنسي، بحيث لا تبقى قضية المسيحية الصهيونية حبيسة النقاشات الأمريكية، وإنما تصبح موضوعًا للنقاش داخل الكنائس في الجنوب العالمي.
ومن هنا، فإن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في عنوانه، وإنما في الخريطة التي حاول رسمها: فلسطين في المركز، لكن بأصوات قادمة من قارات متعددة.

الصوت الفلسطيني.. شريكًا

ومن بين الأسماء التي حملت هذا البعد بقوة منى نصار، الكاتبة والمناصرة الفلسطينية والأمينة التنفيذية للإرسالية والمناصرة في الشركة العالمية للكنائس المُصلحة.
ويعكس حضور شخصية فلسطينية تعمل داخل مؤسسة مسكونية دولية اتجاهًا واضحًا نحو نقل القضية الفلسطينية من موقع «الموضوع الذي تتم مناقشته» إلى موقع «الصوت الذي يشارك في صياغة النقاش».
وهذه النقطة شديدة الأهمية في ظل الجدل حول المسيحية الصهيونية، لأن الفلسطينيين المسيحيين يرون أن القراءات اللاهوتية المتعلقة بالأرض لا يمكن فصلها عن وجودهم التاريخي والمعاصر فيها.

الجلسة الحاسمة.. «الطريق إلى الأمام»

وفي اليوم الأخير، جاءت جلسة «الطريق إلى الأمام» لتختصر جوهر المؤتمر.
أدار الجلسة متري الراهب، وشارك فيها دوجلاس ديكس، مسؤول التواصل المسكوني العالمي في الوكالة الموحّدة المؤقتة للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة؛ وليسـمور إزيكيال؛ وجراهام ماكغيوك؛ ومنا نصار؛ ويواندا يونغارا.

واللافت في عنوان الجلسة أنها لم تحمل اسم «الاستنتاجات» أو «الخاتمة»، وإنما «الطريق إلى الأمام».

فالهدف كان البحث في كيفية استمرار العمل بعد إسدال الستار على المؤتمر، وكيف تتحول الأفكار التي طرحت إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد.
وناقش المشاركون أولويات المرحلة المقبلة، ودور الكنائس والمؤسسات اللاهوتية والشبكات المسكونية وحركات المناصرة في مواجهة المسيحية الصهيونية، إلى جانب دعم العدالة والتحرر والتضامن مع فلسطين.

. الكنيسة أمام مسؤولية جماعية

وجاءت مشاركة دوجلاس ديكس لتضيف إلى النقاش البعد المؤسسي الكنسي، في ظل ارتباط الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة بجهود بحث المسيحية الصهيونية ونقدها.
فالمواجهة هنا لا تتعلق بموقف فردي من رجل دين أو لاهوتي، وإنما بالسؤال عن كيفية تعامل المؤسسات الكنسية نفسها مع هذه الظاهرة، وكيف يمكنها مراجعة خطابها وتعليمها وشبكاتها وعلاقاتها السياسية والمجتمعية.

 ماذا يعني «اللاهوت بعد غزة»؟

أما جراهام ماكغيوك، العامل مع مجلس الإرسالية العالمية والمشارك مع متري الراهب في تحرير كتاب «اللاهوت بعد غزة»، فقد حمل إلى النقاش سؤالًا يتجاوز المسيحية الصهيونية نفسها.
فالحرب في غزة لم تطرح أسئلة سياسية وإنسانية فقط، وإنما دفعت أيضًا عددًا من اللاهوتيين إلى التساؤل عن قدرة الخطاب المسيحي على تفسير العدالة والحرب والسلام والمعاناة الإنسانية، وعن مسؤولية الكنيسة عندما تتحول النصوص الدينية إلى جزء من الصراع.
ومن هنا، يبدو عنوان «اللاهوت بعد غزة» متصلًا بصورة مباشرة بالسؤال الذي طرحه مؤتمر «المسيحية بلا صهيونية»: ما هو الخطاب اللاهوتي الذي يمكن أن تقدمه الكنيسة بعد كل ما حدث؟

 في مواجهة الأصوليات

وتضيف مشاركة يواندا يونغارا بُعدًا آخر للمؤتمر، يتمثل في الربط بين الدين والديمقراطية وحقوق الإنسان والأصوليات.
فالمؤتمر لم ينظر إلى المسيحية الصهيونية باعتبارها قضية تفسير كتابي فقط، وإنما وضعها ضمن سياق أوسع يتعلق بالعلاقة بين الدين والقومية والسياسة والسلطة، وهي قضايا تتقاطع بصورة واضحة مع تجارب العديد من المجتمعات الآسيوية والأفريقية.

من إسطنبول إلى الكنائس حول العالم

تكمن أهمية مؤتمر «المسيحية بلا صهيونية» في أنه حاول نقل النقاش من سؤال «هل توجد مسيحية صهيونية؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا ستفعل الكنائس تجاهها؟

فإذا كان المشاركون يرون أن هذه الظاهرة تمتلك جذورًا لاهوتية وتاريخية، فإن مواجهتها تحتاج بدورها إلى أدوات لاهوتية وتعليمية وكنسية.
وهذا يعني أن المعركة، وفق الرؤية التي عكستها جلسات المؤتمر، لن تنتهي بانتهاء فعاليات إسطنبول، وإنما تبدأ من هناك.
فالكنائس والمؤسسات اللاهوتية مطالبة، بحسب المشاركين، بتطوير برامج للتعليم والتوعية، وإعادة النظر في بعض القراءات الكتابية، وتعزيز التعاون بين الكنائس في الجنوب العالمي، وإعطاء مساحة أكبر لأصوات المسيحيين الفلسطينيين، وتحويل التضامن مع فلسطين إلى ممارسة كنسية مستمرة.

 تبحث عن مسيحية أخرى

في نهاية المطاف، يمكن قراءة مؤتمر إسطنبول باعتباره محاولة لإعادة رسم العلاقة بين المسيحية والقضية الفلسطينية.
فالمؤتمر لم يطرح فقط رفض المسيحية الصهيونية، بل حاول البحث عن بديل: مسيحية تضع العدالة والسلام والحرية والكرامة الإنسانية في قلب رسالتها، وتمنح الفلسطينيين، ومن بينهم المسيحيون الفلسطينيون، موقعًا أساسيًا في النقاش حول مستقبل الأرض المقدسة.
وبينما حملت جلسات المؤتمر عناوين تتعلق بالرصد والمواجهة والتحليل، جاءت الجلسة الأخيرة بعنوان «الطريق إلى الأمام» لتقول إن المعركة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء المؤتمرات.
فالسؤال لم يعد فقط: كيف نواجه المسيحية الصهيونية؟
بل أصبح: كيف تبني الكنائس خطابًا مسيحيًا جديدًا تجاه فلسطين، وكيف يتحول هذا الخطاب إلى تعليم وممارسة وتضامن وشراكة؟
ومن إسطنبول، حاول المشاركون تقديم إجابة أولية: المواجهة تبدأ من اللاهوت، لكنها لا تتوقف عنده.

.

شارك