العراق يفتح باب العودة أمام المسيحيين.. لكن هل تغيّر العراق الذي غادره أبناؤه؟

الثلاثاء 08/سبتمبر/2026 - 11:49 ص
طباعة العراق يفتح باب العودة روبير الفارس
 


«عودوا إلى العراق».. دعوة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها بالنسبة إلى آلاف المسيحيين العراقيين الذين يعيشون منذ سنوات في أستراليا وأوروبا وأمريكا وكندا، ليست قرارًا يمكن اتخاذه بمجرد الحصول على قطعة أرض أو فرصة استثمار. فالسؤال الذي يواجه بغداد اليوم ليس فقط كيف تستعيد المسيحيين الذين غادروا البلاد، وإنما كيف تقنعهم بأن الأسباب التي دفعتهم إلى الرحيل لم تعد موجودة.

الحكومة العراقية أعلنت مؤخرًا أن عودة المسيحيين أصبحت «أولوية وطنية»، وتعهد رئيس الوزراء علي الزيدي بإدراج العائلات المسيحية العائدة ضمن مشروع توزيع مليون قطعة أرض سكنية، فضلًا عن تقديم تسهيلات للمستثمرين من أبناء الجالية في الخارج، خصوصًا في مجالي التعليم والصحة. وجاء الإعلان خلال لقاء رئيس الوزراء بالبطريرك الكلداني بولس الثالث نونا، في رسالة سياسية واضحة بأن بغداد تريد استعادة المكون المسيحي والمشاركة في إعادة بناء البلاد. 

لكن الكنيسة نفسها تدرك أن الطريق إلى «الهجرة العكسية» أطول بكثير من توزيع الأراضي. فقد رحب أساقفة بالمبادرة الحكومية، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على ضرورة معالجة الأسباب التي دفعت المسيحيين إلى مغادرة العراق أصلًا. فالعودة لا تبدأ من مكتب توزيع الأراضي، وإنما من استعادة الثقة بالدولة.

خلال أكثر من عقدين، انكمش الوجود المسيحي في العراق بصورة غير مسبوقة؛ فبعدما كان عدد المسيحيين يقدر بنحو 1.5 مليون شخص، تشير تقديرات حديثة إلى أن العدد أصبح أقل من 300 ألف. وقد تسببت الحرب التي أعقبت عام 2003، والعنف الطائفي، ثم اجتياح تنظيم «داعش» للموصل وسهل نينوى عام 2014، في موجات متتالية من النزوح والهجرة. وتؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن عدد المسيحيين انخفض من نحو 1.5 مليون إلى أقل من 250 ألفًا وفق تقديراتها. 
ولعل سهل نينوى يمثل الاختبار الأصعب لأي مشروع لعودة المسيحيين. فهناك بلدات وقرى مسيحية تاريخية لم تستعد بعد كثافتها السكانية السابقة، فيما لا تزال ملفات الملكية والمنازل والأراضي والخدمات والأمن تشكل عوائق أمام عودة واسعة ومستدامة. وقد ظلت قرى مسيحية بأكملها شبه خالية حتى بعد هزيمة «داعش»، بسبب غياب الخدمات الأساسية ومخاوف السكان من المستقبل. 
المشكلة الأخرى هي الأمن. صحيح أن خطر «داعش» تراجع بصورة كبيرة، لكن المسيحيين لا ينظرون إلى الأمن باعتباره غياب التنظيمات الإرهابية فقط. ما يريدونه هو دولة واحدة، وسلاح واحد، وقانون يطبق على الجميع، وضمانات تمنع تكرار سنوات التهديد والابتزاز والخطف والاستيلاء على الممتلكات.

ثم يأتي الاقتصاد. فالمسيحي الذي بنى حياته في المهجر لن يترك عمله ومستقبل أبنائه ومدارسهم ونظام الرعاية الصحية الذي اعتاد عليه لمجرد الحصول على أرض. العودة تحتاج إلى وظائف، ومؤسسات تعليمية قوية، وخدمات صحية، وبنية تحتية، وبيئة استثمارية مستقرة، والأهم إلى ضمان أن أبناء الجيل الجديد يستطيعون بناء مستقبلهم داخل العراق.

وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقًا: «فقدان الأمل». فالبطريرك بولس الثالث نونا تحدث عن تراجع ثقة الشباب المسيحي بمستقبل العراق، حتى وصل الأمر إلى انخفاض معدلات الزواج، بينما لا يزال التفكير في الهجرة حاضرًا بقوة بين الشباب. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد فقط في استعادة من هاجروا، وإنما في منع الجيل الموجود داخل العراق من أن يصبح هو الآخر جيلًا مهاجرًا. 
كما أن السنوات الطويلة التي عاشتها العائلات المسيحية في الخارج خلقت واقعًا جديدًا. أطفال ولدوا في المهجر، وشباب درسوا وعملوا هناك، وعائلات أصبحت مرتبطة اجتماعيًا واقتصاديًا ببلدان جديدة. لذلك فإن «العودة» بالنسبة إليهم ليست عودة إلى بيت قديم، وإنما انتقال إلى حياة مختلفة تمامًا.

ومن هنا فإن المبادرة الحكومية العراقية يمكن أن تكون بداية مهمة، لكنها لن تصبح مشروعًا حقيقيًا لعودة المسيحيين إلا إذا تحولت من حوافز مالية وعقارية إلى مشروع متكامل لاستعادة الثقة.

فالمسيحي العراقي لا يبحث فقط عن قطعة أرض، بل عن وطن يستطيع أن يعيش فيه دون خوف. ولا يحتاج فقط إلى مستشفى ومدرسة، بل إلى دولة تحمي حقه في امتلاك الأرض والمشاركة في الحياة العامة. ولا يريد مجرد العودة إلى قرية أجداده، وإنما يريد أن يعرف أن أبناءه لن يضطروا بعد سنوات إلى الرحيل عنها من جديد.

لقد غادر مئات الآلاف العراق لأنهم فقدوا الإحساس بالأمان والمستقبل. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس أن تقول لهم «عودوا»، بل أن تقدم لهم ما يجعلهم يجيبون: «سنعود».

شارك