بعد اعتماد أوراقه هل يفتح سفير الفاتيكان الجديد الامل أمام مسيحيي سوريا؟
الثلاثاء 08/سبتمبر/2026 - 11:51 ص
طباعة
روبيرالفارس
تقبّل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأحد، أوراق اعتماد سفير الفاتيكان والقاصد الرسولي لدى الجمهورية العربية السورية، المطران لويجي روبرتو كونا، خلال مراسم رسمية أُقيمت في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني.
ويأتي اعتماد كونا رسميًا في دمشق ليمنح مهمته الجديدة بعدًا يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة انتقالية دقيقة، فيما يبقى مستقبل المسيحيين ووجودهم التاريخي في البلاد واحدًا من الملفات التي تحظى باهتمام الكنيسة الكاثوليكية والكرسي الرسولي.
وكان البابا لاون الرابع عشر قد عيّن المطران لويجي روبرتو كونا قاصدًا رسوليًا في سوريا في 19 مارس 2026، خلفًا للكاردينال ماريو زيناري الذي شغل المنصب لمدة 17 عامًا. وكونا إيطالي المولد، وُلد عام 1965 في نيشيمي بصقلية، وانضم إلى السلك الدبلوماسي للكرسي الرسولي عام 2003، وخدم في عدد من السفارات البابوية، بينها الأردن وتركيا والمغرب والكاميرون والبرتغال وبنما، قبل أن يتولى منصب القاصد الرسولي في السلفادور.
لكن اللافت في مهمة كونا أنه لم يبدأ عمله من المكاتب الدبلوماسية في دمشق فقط، بل اتجه مبكرًا إلى البلدات والقرى المسيحية، في محاولة للتعرف بصورة مباشرة إلى واقع المسيحيين وهواجسهم.
ففي يونيو الماضي، زار كونا قرى اليعقوبية والقنية والغسانية في ريف إدلب، وهي من أقدم التجمعات المسيحية في سوريا، والتقى السكان واستمع إلى شهادات عن سنوات الحرب والتهجير والخطف وفقدان المنازل ومصادر الرزق، كما استمع إلى الشباب الذين تحدثوا عن الحاجة إلى فرص العمل والتعليم وإعادة بناء الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ولم تكن زيارة كونا إلى منطقة القصير أقل دلالة. ففي يوليو/تموز الماضي، شارك في احتفالات عيد القديس مار إلياس في دير مار إلياس في قرية جوسية بريف القصير، إلى جانب بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي، وسط حضور شعبي وكنسي واسع.
وكانت تلك الزيارة الأولى للمطران كونا إلى المنطقة منذ توليه مهمته الدبلوماسية في سوريا، وقد حملت، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية، رسالة سلام وأمل ومصالحة، كما عكست عودة النشاط الديني والاجتماعي إلى المنطقة.
ومن هنا تكتسب مراسم اعتماد كونا الرسمية أهمية خاصة؛ فالسفير البابوي لم يعد مجرد ممثل للكرسي الرسولي لدى الحكومة السورية، وإنما أصبح أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على تحويل الحضور الدبلوماسي للفاتيكان إلى دعم ملموس للمسيحيين السوريين.
المسيحيون يريدون البقاء
المعضلة الأساسية التي تواجه المسيحيين في سوريا اليوم ليست دينية فقط، وإنما ترتبط بمستقبل وجودهم نفسه. فسنوات الحرب وما رافقها من نزوح وعنف وتدهور اقتصادي وهجرة أدت إلى تراجع أعداد المسيحيين، بينما باتت قطاعات واسعة من الشباب تواجه سؤال المستقبل: هل يمكن بناء حياة مستقرة وآمنة داخل سوريا أم أن الهجرة ستظل الخيار الأكثر واقعية؟
وقد ظهر هذا السؤال بوضوح خلال زيارة كونا للقرى المسيحية في إدلب، حيث لم تقتصر مطالب السكان على الحماية الأمنية، بل تحدثوا عن العمل والتعليم وإعادة بناء المنازل والمرافق العامة وتنشيط الاقتصاد المحلي. وهو ما يعني أن حماية الوجود المسيحي لا يمكن اختزالها في تأمين الكنائس أو السماح بإقامة الشعائر، وإنما تحتاج إلى توفير الظروف التي تجعل المسيحي قادرًا على البقاء والعيش والعمل وتربية أسرته في أرضه.
وهنا يمكن أن يلعب الفاتيكان دورًا مهمًا، ليس باعتباره طرفًا سياسيًا في الصراع السوري، وإنما باعتباره جهة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الكنسية والدبلوماسية والإنسانية، وتستطيع أن تنقل المسيحيين السوريين إلى دوائر دولية أوسع.
الحضور المسيحي كجسر للحوار
المطران كونا نفسه تحدث، قبل وصوله إلى سوريا، عن أمله في أن يظل المسيحيون جزءًا من مستقبل البلاد وأن يؤدوا دورًا كجسر للحوار. وهذه الرؤية تتقاطع مع ما أكد عليه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر خلال استقباله كونا في دمشق، حين شدد على أصالة الوجود المسيحي في سوريا وعلى قيم المواطنة والتعايش بين جميع مكونات المجتمع.
وتبدو هذه الرسالة مهمة في المرحلة السورية الجديدة؛ فالمسيحيون لا يريدون أن يُنظر إليهم باعتبارهم جماعة تحتاج إلى حماية خارجية فحسب، وإنما باعتبارهم مكونًا أصيلًا من مكونات المجتمع السوري، له جذور تاريخية وثقافية واجتماعية تمتد إلى بدايات المسيحية نفسها.
ومن المتوقع أن يكون ملف المواطنة المتساوية والحريات الدينية والأمان وإعادة إعمار المناطق المسيحية ودعم المؤسسات التعليمية والصحية والكنسية، إلى جانب الحد من الهجرة، من الملفات التي ستفرض نفسها على أجندة القاصد الرسولي خلال المرحلة المقبلة.
من دمشق إلى القرى
ولعل أهمية كونا تكمن تحديدًا في أنه بدأ مهمته من الطرفين: من دمشق عبر اللقاء مع المسؤولين السوريين، ومن القرى المسيحية عبر الاستماع المباشر إلى السكان.
ففي يونيو التقى وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري، وبحث معه تعزيز الحوار والتعايش والسلم الأهلي والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع السوري. كما ناقش لاحقًا مع وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات التعاون الإنساني والتنموي وتعزيز التماسك الاجتماعي ودعم مسيرة التعافي في البلاد.
هذه اللقاءات تكشف أن مهمة القاصد الرسولي لا تنحصر في الشأن الكنسي الضيق، بل تمتد إلى ملفات إنسانية واجتماعية وتنموية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في قدرة المسيحيين وغيرهم على البقاء في مناطقهم.
كما أن شخصية كونا نفسها تحمل خبرة دبلوماسية واسعة؛ فقد عمل في عدد من البعثات البابوية، بينها الأردن وتركيا، كما شغل منصبًا في أمانة سر دولة الفاتيكان قبل انتقاله إلى العمل كسفير بابوي. وهذه الخبرة قد تساعده على التعامل مع التعقيدات السياسية والكنسية والاجتماعية التي تحيط بالملف السوري.
اختبار صعب ورسالة أمل
لكن نجاح مهمة كونا لن يقاس بعدد اللقاءات التي يعقدها أو الزيارات التي يقوم بها، وإنما بمدى قدرة هذه التحركات على ترجمة نفسها إلى واقع يشعر به المسيحي السوري.
فالمطلوب هو أن تتحول الزيارات إلى دعم للمؤسسات الكنسية والمدارس والمراكز الصحية والمبادرات التنموية، وأن تتحول الدبلوماسية البابوية إلى صوت يدافع عن المواطنة والحرية الدينية وحق جميع السوريين، مسيحيين ومسلمين، في الأمن والعيش الكريم.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التواصل مع الحكومة السورية والقيادات الدينية الإسلامية والمسيحية يمكن أن يمنح الفاتيكان فرصة للمساهمة في بناء ثقافة جديدة تقوم على المواطنة بدلًا من الخوف، وعلى الشراكة بدلًا من الانقسام.
ومن دير مار إلياس في جوسية إلى قرى إدلب، يبدو أن كونا اختار منذ الأيام الأولى لمهمته أن يرى سوريا من داخل مجتمعاتها المحلية، لا من خلف أبواب السفارة فقط.
ولهذا فإن استقبال أوراق اعتماده رسميًا في قصر الشعب ليس مجرد إجراء دبلوماسي؛ بل يمكن أن يكون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق والكرسي الرسولي، ونافذة أمل للمسيحيين السوريين الذين لا يبحثون فقط عن ضمانات للبقاء، بل عن مستقبل يستطيعون فيه أن يعيشوا كمواطنين كاملين في وطنهم.
