حرب معلوماتية بمالي: هكذا توظف داعش والقاعدة الذكاء الاصطناعي للتجنيد والدعاية
الجمعة 11/سبتمبر/2026 - 11:43 ص
طباعة
علي رجب
شهدت منطقة الساحل الإفريقي تحولات دراماتيكية في طبيعة الصراعات الدائرة هناك، حيث باتت دولة مالي تمثل بوضوح "مختبراً حقيقياً للحرب المعلوماتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي".
وفي هذا السياق، كشف تقرير حديث صادر عن معهد "تمبكتو" في العاصمة السنغالية داكار، ونُشر في التاسع من سبتمبر 2026، عن تفاصيل مقلقة تتعلق بسعي الجماعات المسلحة والمتمردة لتطوير أساليب دعائية غير مسبوقة تهدف إلى تعزيز التجنيد ونشر أيديولوجياتها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
تقدم "داعش" واتساع فجوة الدعاية الجهادية
أشار التقرير البحثي إلى أن تنظيم داعش يتقدم بخطى واسعة مقارنة بغيره من التنظيمات في توظيف الذكاء الاصطناعي لأغراض الدعاية والتجنيد الرقمي. في المقابل، فإن استخدام "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (فرع تنظيم القاعدة في الساحل) لهذه التقنيات الحديثة لا يزال في مراحله الأولية والبدائية نسبياً.
ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن هذا الاستخدام المبدئي قد يشكل بداية لطفرة هائلة في قدرات الاتصال الخاصة بالتنظيم، مما قد يمكنه مستقبلاً من تقليص الفجوة ومنافسة التفوق الإعلامي الرقمي الذي يحتفظ به تنظيم داعش حاليا على شبكات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.
آليات التوظيف والترجمة الفورية لأكثر من 15 لغة
يوضح التقرير أن الذكاء الاصطناعي يمنح التنظيمات قدرات خارقة على مستوى الكم والسرعة؛ فهو يتيح إنتاج رسائل دعائية ضخمة وترجمتها بشكل فوري إلى نحو 15 لغة ولهجة إقليمية ومحلية رئيسية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
وتشمل هذه اللغات واللهجات: الحسانية، والفولفولدية (أو الفولانية)، والبامبارا، والموري، والتماشقية، والصونغية، إضافة إلى الوولوف وغيرها. هذا التنوع اللغوي الهائل يزيل العقبات الثقافية والجغرافية، ويوسع بشكل غير مسبوق دائرة وصول الخطاب المتطرف إلى مجتمعات محلية واسعة ومتنوعة التركيبة.
استراتيجيات التخصيص واستهداف الفئات المختلفة
لا يتوقف الأمر عند حدود الترجمة، بل يتعداه إلى التخصيص الدقيق للرسائل الدعائية بناءً على الفئة المستهدفة، بفضل الذكاء الاصطناعي، بات بإمكان الجماعات تصميم رسائل موجهة تكاد تكون مفصلة خصيصاً لكل قطاع اجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، يمكن توجيه نسخة من رسائل التجنيد إلى رعاة الفولاني عبر التركيز على حماية مصالحهم الرعوية، واستقلالهم الاقتصادي، والدفاع عنهم ضد أي تهميش حكومي مفترض.
وفي المقابل، تُصاغ النسخ الموجهة لشباب المدن المهمشين بلغة أخرى تحمل وعوداً بالكرامة، والاندماج الاقتصادي، والمكانة الاجتماعية داخل "المجتمع" البديل الذي تطرحه الجماعة، تماماً على غرار الإعلانات الرقمية الموجهة بدقة على وسائل التواصل الاجتماعي.
الوصول إلى المناطق الريفية وصناعة البودكاست
يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تجاوز عوائق الأمية وضعف التعليم؛ إذ تتيح التقنية إنتاج مقاطع فيديو قصيرة وبودكاست مسموعة تُبث بسلاسة عبر تطبيقات المراسلة الفورية المتاحة على الهواتف المحمولة، والتي انتشرت بشكل واسع حتى في أعماق المناطق الريفية والنائية بمنطقة الساحل. هذا المحتوى البصري والصوتي يسهل وصول الأفكار المتطرفة إلى فئات شبابية قد لا تملك القدرة أو الوقت لقرأة المنشورات الطويلة أو زيارة المواقع الإلكترونية المعقدة.
جبهة تحفز الابتكار: الشخصيات الوهمية والمؤثرون الافتراضيون
على صعيد متصل، لفت التقرير الانتباه إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي وإتقانه يبدو أكثر تقدماً لدى أطراف أخرى في الصعيد المالي، مثل جبهة تحرير أزواد، حيث رصد الباحثون انتشار منشورات وحسابات وهمية يديرها "مؤثرون" تم إنشاؤهم بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي. تتحدث هذه الشخصيات الافتراضية بوضوح لمتابعيها لنشر الخطاب والمطالب، مما يساهم في إضفاء طابع إنساني مزيف وبناء جسور من الألفة والثقة النفسية مع الجمهور المستهدف.
ويمثل هذا التحول تحدياً أمنياً وعقبات قانونية بالغة التعقيد، نظراً لصعوبة رصد أو القبض على أو استجواب كائن افتراضي غير موجود أصلاً في الواقع.
التطبيع التدريجي ومخاطر الحرب المعلوماتية
يؤكد معهد تمبكتو في خلاصة تقريره أن هذه الأساليب المتطورة تؤدي في نهاية المطاف إلى "تطبيع تدريجي للعناصر المتطرفة" وخفض الحواجز النفسية أمام عمليات التجنيد.
ومع إمكانية قيام أي جهة بإنتاج ونشر هذا المحتوى الرقمي المضلل بسهولة بالغة، تتفاقم حدة التدفق الإعلامي القائم أصلاً، لتتحول مالي ومنطقة الساحل إلى ساحة صفتها الأساسية حرب معلوماتية ضروس تستغل أحدث منجزات التكنولوجيا الحديثة لتأجيج النزاعات واستقطاب العناصر الجديدة.
