60 يومًا بلا نفط إيراني.. الحصار الأمريكي يحول هرمز إلى بوابة مغلقة أمام طهران؟
الثلاثاء 15/سبتمبر/2026 - 10:59 ص
طباعة
روبيرالفارس
ستون يومًا مرّت، والنفط الإيراني لا يعبر خط الحصار البحري الأمريكي. هكذا تلخص بيانات منصة «تانكر تراكرز» المتخصصة في تتبع حركة ناقلات النفط واحدة من أبرز نتائج المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران، في وقت بدأت فيه تداعيات الحصار تتجاوز المجال العسكري إلى قلب الاقتصاد الإيراني ومصدره الأهم للعملة الصعبة.
وقالت «تانكر تراكرز» في بيانات لها ، إن متوسط صادرات النفط الخام التي عبرت خط الحصار البحري الأمريكي خلال الستين يومًا السابقة بلغ نحو 7.85 مليون برميل يوميًا، قادمة من العراق والكويت والسعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان، بينما لم يعبر الخط خلال الفترة نفسها «برميل واحد» من النفط الخام الإيراني.
واللافت أن هذا الرقم لا يعني توقف حركة النفط في منطقة الخليج بالكامل، بل يكشف تحولًا أكثر تعقيدًا في خريطة الطاقة. فبينما تمكنت الدول العربية المنتجة من استعادة جزء كبير من صادراتها عبر إعادة تنظيم حركة الناقلات، وتغيير مساراتها، واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، بقي النفط الإيراني محاصرًا خلف الخط البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة.
وتقول «تانكر تراكرز» إن بياناتها تعتمد على تتبع إشارات السفن عبر نظام التعريف الآلي، إلى جانب صور الأقمار الصناعية، بما في ذلك السفن التي تغلق أجهزة التتبع الخاصة بها. كما أفادت بأن دول الخليج بدأت في استخدام ناقلات ومسارات بديلة لتجاوز اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
لماذا يمثل الرقم أزمة لطهران؟
تكمن أهمية التطور في أن النفط ليس مجرد سلعة تصديرية بالنسبة إلى إيران، بل أحد الأعمدة الأساسية لتمويل الدولة. ولذلك فإن منع وصول النفط الإيراني إلى الأسواق الخارجية يعني عمليًا تضييق شريان رئيسي للحصول على الدولار والعملات الأجنبية، وهو ما ينعكس سريعًا على سعر العملة المحلية والأسعار والقدرة على تمويل الواردات.
وكانت وكالة «رويترز» قد أشارت في الأول من سبتمبر إلى أن الحصار البحري الأمريكي أدى عمليًا إلى وقف صادرات النفط الخام الإيرانية عبر مضيق هرمز منذ منتصف يوليو/تموز، في وقت تراجعت فيه عمليات تحميل النفط الإيراني من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميًا في أغسطس.
وتشير البيانات المتقاطعة التي أوردتها «رويترز» عن شركات تتبع الناقلات إلى أن المشكلة الإيرانية لا تكمن فقط في إنتاج النفط أو تحميله، وإنما في القدرة على إخراجه من المنطقة والوصول به إلى المشتري النهائي، وفي مقدمة هؤلاء الصين.
وبحسب بيانات «تانكر تراكرز»، تراجع إنتاج وصادرات المنطقة بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، إلا أن المنتجين العرب بدأوا تدريجيًا في استعادة جزء من التدفقات. ففي أغسطس، كانت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط أقل بنحو 39% من متوسط يناير وفبراير، وفق بيانات المنصة، بعدما كانت الفجوة أكبر بكثير في ذروة الاضطرابات.
أما إيران، فكان مسارها مختلفًا تمامًا.
من «المخزون العائم» إلى نفاد الوقت
قبل تشديد الحصار، كانت إيران تعتمد بدرجة كبيرة على أسطول من الناقلات، بما في ذلك ناقلات مرتبطة بما يعرف بـ«الأسطول المظلم»، لنقل النفط بعيدًا عن أعين العقوبات الأمريكية. ومع إغلاق الطريق البحري أمام الناقلات الإيرانية، اضطرت طهران إلى الاعتماد على كميات من النفط المخزنة بالفعل في البحر أو في موانئ ومناطق تخزين خارجية.
لكن هذا المخزون ليس بلا نهاية.
وذكرت «وول ستريت جورنال» أن مخزونات النفط الإيراني العائمة تراجعت بصورة كبيرة، وأن إيران باتت تستهلك ما لديها من مخزون دون قدرة مماثلة على تجديده. ووفق التقرير، تراجعت المخزونات العائمة من نحو 90 مليون برميل إلى قرابة 29 مليون برميل، مع توقعات بنفاد جزء كبير منها في الخريف إذا استمر الوضع على حاله.
وهنا تظهر أهمية رقم «صفر برميل» الذي أعلنته «تانكر تراكرز». فالرقم لا يعني أن إيران توقفت عن إنتاج النفط، وإنما يعني أن النفط الإيراني لم يتمكن من عبور خط الحصار البحري الذي تراقبه القوات الأمريكية خلال فترة الرصد. وهذه نقطة فارقة؛ لأن إنتاج النفط دون القدرة على تصديره لا يوفر لطهران العائدات التي تحتاج إليها.
الحصار لا يوقف النفط الخليجي بالكامل
في المقابل، لم تنجح اضطرابات مضيق هرمز في إيقاف صادرات الدول الخليجية بالكامل.
وتظهر بيانات «تانكر تراكرز» أن الدول العربية المنتجة بدأت في استخدام مزيج من المسارات والعمليات البحرية لتقليل تأثير الحصار والاضطرابات. وشملت هذه العمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في خليج عمان، قبل أن تواصل الناقلات رحلتها نحو الأسواق الآسيوية.
وتقول المنصة إن عمليات نقل النفط الخام من سفينة إلى أخرى في خليج عمان بلغت في المتوسط 7.15 مليون برميل يوميًا خلال 14 يومًا، بزيادة 56% مقارنة بالشهر السابق.
وهكذا بدأ المشهد يأخذ شكلًا غير متوقع: مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر تعبره الناقلات بالطريقة التقليدية، وإنما أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التحويلات والمسارات البديلة والتنسيق العسكري.
100 سفينة أُعيد توجيهها
وتزامن الكشف عن توقف النفط الإيراني مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أن القوات الأمريكية أعادت توجيه 100 سفينة تجارية خلال الستين يومًا السابقة، منذ استئناف ما تسميه واشنطن «الحصار بالجدار الفولاذي» ضد إيران.
وقالت «سنتكوم» إن «صفر» سفن عبرت الحصار من دون إذن القوات الأمريكية، في إشارة إلى أن واشنطن تعتبر نفسها صاحبة السيطرة الفعلية على حركة الملاحة ضمن نطاق العملية.
وهذا التطور يكشف أن الحصار ليس مجرد عقوبات اقتصادية تقليدية، وإنما آلية تجمع بين العقوبات والرقابة البحرية والضغط العسكري على حركة السفن.
من العقوبات إلى الحصار
على مدى سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة على العقوبات الاقتصادية لمنع إيران من بيع نفطها، لكن طهران طورت في المقابل شبكة واسعة للالتفاف على العقوبات، شملت تغيير أسماء السفن وأعلامها، وإغلاق أجهزة التتبع، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، واستخدام شركات ووسطاء في دول مختلفة.
إلا أن الحصار البحري يختلف عن العقوبات التقليدية؛ لأنه يستهدف الحلقة التي يصعب على إيران تجاوزها بسهولة: حركة السفينة نفسها.
وهذا ما يفسر لماذا أصبحت ناقلات النفط الإيرانية العالقة أو المتوقفة في البحر جزءًا أساسيًا من المعركة الاقتصادية. فحتى عندما تجد إيران مشتريًا لنفطها، فإن المشكلة تصبح في كيفية إخراج الشحنة من منطقة الخليج والوصول بها إلى وجهتها.
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن إيران أصبحت عاجزة تمامًا عن تصدير النفط. فقد كشفت «رويترز» في تقرير حديث أن طهران طورت آليات سرية للمقايضة مع الصين، بحيث يجري الحصول على سلع وخدمات صينية مقابل النفط، بعيدًا عن القنوات المصرفية التقليدية. وتشير الوكالة إلى أن هذه الآلية وفرت لإيران منفذًا مهمًا لمواصلة التجارة رغم العقوبات.
لكن هذه الآليات لا تحل المشكلة البحرية الأساسية: كيف يصل النفط إلى المشتري؟
أزمة تتجاوز إيران
المشكلة لا تتوقف عند الاقتصاد الإيراني. فمضيق هرمز يظل واحدًا من أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد فيه ينعكس على أسعار النفط والتضخم وتكاليف النقل والطاقة عالميًا.
وقد بدأت الأسواق بالفعل في استيعاب المخاطر المتزايدة. وأشارت تقارير حديثة إلى ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل وسط تصاعد المخاطر في المنطقة، بينما حذرت الأسواق من أن استمرار الاضطرابات قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على الإمدادات العالمية.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع اضطراب طرق بديلة لتصدير النفط، بما فيها خطوط الأنابيب التي كان يُنظر إليها كوسيلة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. فقد أدت هجمات حديثة إلى تعطيل أجزاء من البنية التحتية النفطية السعودية، ما يعيد طرح السؤال حول مدى قدرة المنتجين الخليجيين على حماية طرق تصدير بديلة إذا طال أمد الحرب.
المعركة الحقيقية على «البرميل»
بعد ستين يومًا من الحصار، يبدو أن المعركة حول مضيق هرمز لم تعد فقط معركة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت إلى اختبار لقدرة كل طرف على تحمل حرب اقتصادية طويلة.
واشنطن تقول إن الحصار نجح في منع السفن من تجاوز خطوطه دون إذن، وبيانات تتبع الناقلات تظهر أن النفط الإيراني لم يعبر خط الحصار طوال شهرين، بينما تحاول دول الخليج إعادة بناء تدفق صادراتها عبر مسارات ووسائل بديلة.
أما طهران، فتواجه معادلة أكثر صعوبة: النفط موجود، لكن تحويله إلى أموال أصبح أكثر تعقيدًا. والمخزونات التي يمكن الاعتماد عليها مؤقتًا تتراجع، بينما تتزايد الضغوط على العملة والأسواق الداخلية.
وبذلك يصبح «صفر برميل» أكثر من مجرد رقم في تقرير لتتبع الناقلات؛ إنه مؤشر على أن الحرب انتقلت إلى مرحلة جديدة، عنوانها: من يستطيع أن يصمد اقتصاديًا لفترة أطول؟
ففي النهاية، قد لا تكون نتيجة المعركة محسومة بعدد الصواريخ التي تطلق أو السفن التي تتحرك، وإنما بعدد براميل النفط التي تستطيع إيران إخراجها من الخليج وتحويلها إلى دولارات.
