وفدا من منظمة عون الكنيسة المتالمة يبحث أوضاع المسيحيين في الأرض المقدسة

الثلاثاء 15/سبتمبر/2026 - 11:08 ص
طباعة وفدا من منظمة عون روبيرالفارس
 
..

استقبل غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، في دار البطريركية، وفدًا من مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» (Aid to the Church in Need – ACN)، حيث تناول اللقاء أوضاع الكنيسة والمسيحيين في الأرض المقدسة، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الوجود المسيحي في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وما تتركه الحرب من آثار إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة.
ويكتسب اللقاء أهمية خاصة في ظل الدور الذي تقوم به ACN في مساندة الكنائس والمجتمعات المسيحية التي تعاني من الحروب والاضطهاد والفقر، إذ لا يقتصر عمل المؤسسة على تقديم المساعدات المالية، وإنما يمتد إلى دعم المشروعات الكنسية والتعليمية والاجتماعية، ومساندة رجال الدين والرهبان والراهبات، وإعادة إعمار الكنائس والمنشآت المتضررة، إلى جانب تسليط الضوء دوليًا على أوضاع المسيحيين في المناطق التي تتعرض فيها حريتهم الدينية أو وجودهم المجتمعي للخطر.

مؤسسة دولية عمرها نحو 80 عامًا

تُعرف مؤسسة ACN، أو «عون الكنيسة المتألمة»، بأنها مؤسسة كاثوليكية دولية تأسست عام 1947 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في البداية لمساعدة اللاجئين والكنائس التي دمرتها الحرب. ثم تطور نشاطها ليشمل دعم المسيحيين المحتاجين والمتألمين في مناطق مختلفة من العالم.

وتعمل المؤسسة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية هي المعلومات والصلاة والعمل، وتصف نفسها بأنها مؤسسة بابوية ذات انتشار عالمي، وقد حصلت على صفة «مؤسسة بابوية» عام 2011. وتركز مساعداتها على الكنائس والمجتمعات المسيحية التي تواجه الاضطهاد أو النزاعات المسلحة أو الفقر أو الأزمات الإنسانية. 
وفي الأرض المقدسة، تعمل ACN بالتعاون مع الكنائس المحلية، وتوجه مساعداتها إلى مشروعات تحددها القيادات الكنسية نفسها وفقًا للاحتياجات الميدانية، بما في ذلك المساعدات الإنسانية للأسر، ودعم المدارس، وترميم المنشآت الكنسية، ومساندة الأنشطة الرعوية، ومساعدة رجال الدين والعاملين في المجال الكنسي.
وتؤكد المؤسسة أن هدفها لا يتمثل فقط في إغاثة المسيحيين من آثار الأزمات، وإنما في مساعدتهم على البقاء في أرضهم، والحفاظ على حضورهم التاريخي والديني والاجتماعي في المنطقة التي شهدت ميلاد المسيحية وانتشارها الأول.

 مسيحيون يتناقصون

ويأتي لقاء بيتسابالا مع وفد ACN في وقت أصبح فيه مستقبل الوجود المسيحي في الأرض المقدسة أحد أكثر الملفات إثارة للقلق لدى الكنائس المحلية والمؤسسات الكنسية الدولية.
فالمسيحيون في الأرض المقدسة ليسوا جالية وافدة أو جماعة حديثة الوجود، بل هم جزء أصيل من تاريخ المنطقة وتراثها، وتوجد تجمعاتهم في القدس وبيت لحم والناصرة والجليل والضفة الغربية، إلى جانب قطاع غزة.
لكن هذا الوجود تعرض خلال العقود الماضية لتراجع ديموغرافي متواصل، نتيجة الهجرة والظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية. ومع اندلاع الحرب في غزة بعد 7 أكتوبر 2023، دخلت المجتمعات المسيحية مرحلة أكثر صعوبة، بعدما انهارت قطاعات اقتصادية تعتمد عليها عائلات كثيرة، وعلى رأسها السياحة والحج.

وقد أشار مسؤولون كنسيون في أكثر من مناسبة إلى أن عودة الحجاج لا تمثل مجرد نشاط سياحي، بل تشكل شريانًا اقتصاديًا مهمًا للعائلات المسيحية التي تعمل في الفنادق والمطاعم والنقل والأدلاء السياحيين والحرف التقليدية، ولذلك فإن غياب الحجاج خلال سنوات الحرب انعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمسيحيين.

وكان الكاردينال بيتسابالا قد شدد في حديث سابق على أن القدس لا تكتمل من دون الحجاج، وأن عودتهم تمثل دعمًا اقتصاديًا وروحيًا في الوقت نفسه للمسيحيين المقيمين في الأرض المقدسة. 

غزة.. كنيسة تحولت إلى ملجأ

وتكشف أوضاع المسيحيين في قطاع غزة عن حجم الأزمة التي تعيشها الكنيسة المحلية.

فكنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية في غزة لم تعد مجرد مكان للعبادة، وإنما تحولت خلال الحرب إلى ملجأ للنازحين، واستقبل مجمع الكنيسة مسيحيين ومسلمين فروا من القتال، بينما واصلت الرعية تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية والتعليم للأطفال، رغم الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية.

وبحسب تقارير نقلت شهادات من داخل الرعية، تمكنت بطريركية القدس للاتين منذ بداية الهدنة من إيصال مساعدات إلى أكثر من 12 ألف أسرة، فيما ظل الاحتياج أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة. كما استمرت الكنيسة في توفير التعليم للأطفال النازحين، في وقت تضررت فيه المدارس الكاثوليكية في القطاع. 
ومن هنا، فإن اهتمام ACN بالكنيسة في الأرض المقدسة لا ينفصل عن الدور الذي تلعبه الكنيسة المحلية في تقديم الخدمات الإنسانية، إذ ترى المؤسسة أن دعم الكنيسة يعني في الوقت نفسه دعم المجتمع الذي تخدمه، مسيحيين وغير مسيحيين.

القدس.. أزمة تتجاوز الحرب

أما في القدس، فتواجه الكنائس والمدارس المسيحية تحديات من نوع آخر، تتعلق بحرية الحركة والعمل والتعليم، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وفي مارس 2026، حذرت ACN من أزمة تهدد المدارس المسيحية في القدس بعد إعلان عدم إصدار تصاريح عمل للعام الدراسي 2026-2027 لأكثر من 200 مدرس فلسطيني من الضفة الغربية، وهو ما كان من شأنه أن يترك عددًا كبيرًا من المعلمين المسيحيين خارج العملية التعليمية ويضع المدارس أمام أزمة حقيقية. 

وتزداد أهمية هذه القضية لأن المدارس المسيحية ليست مؤسسات تعليمية تخدم المسيحيين وحدهم، بل لعبت تاريخيًا دورًا في تعليم أبناء مختلف الطوائف والمكونات في القدس والأراضي الفلسطينية، وبالتالي فإن إضعافها ينعكس على المجتمع الأوسع.

كما تواجه الكنائس تحديات مرتبطة بتراجع عدد السكان المسيحيين، والهجرة، والضغوط الاقتصادية، وغياب الاستقرار السياسي، إضافة إلى حوادث الاعتداء أو المضايقات التي تتعرض لها بعض الجماعات والمؤسسات المسيحية.

وتشير ACN إلى أن المجتمعات المسيحية في الأرض المقدسة أصبحت في حاجة متزايدة إلى المساندة، ليس فقط بسبب الحرب، وإنما بسبب مسار طويل من التراجع السكاني والاقتصادي. و
المشكلة الأساسية التي تواجه الكنيسة في الأرض المقدسة ليست فقط كيف تساعد المسيحيين على تجاوز الحرب، وإنما كيف تضمن استمرار وجودهم بعد انتهاء الحرب.

فالمسيحي الذي يغادر بيت لحم أو القدس أو الناصرة أو غيرها لا يغادر مجرد مكان للسكن، بل يترك جزءًا من الحضور المسيحي التاريخي في المنطقة. وكل موجة هجرة جديدة تقلل من قدرة الكنائس على الاستمرار، وتضع المدارس والمؤسسات الاجتماعية أمام أعداد أقل من المستفيدين، وتزيد في الوقت نفسه من شعور العائلات المسيحية بأن مستقبل أبنائها قد يكون خارج المنطقة.

وفي هذا السياق، تحدثت ACN في أبريل 2026 عن التراجع المتواصل للوجود المسيحي في الأرض المقدسة، ونقلت شهادات تؤكد أن المجتمع المسيحي أصبح صغيرًا للغاية مقارنة بالماضي، وسط مخاوف من استمرار الهجرة والظروف الاقتصادية الصعبة. 
لكن الكنيسة المحلية ترفض اختزال القضية في فكرة «مسيحيين مهددين بالاختفاء»، إذ يؤكد قادتها أن هناك مجتمعًا مسيحيًا لا يزال حيًا وفاعلًا، وأن المطلوب هو مساعدته على البقاء والنمو بدل التعامل معه باعتباره مجرد بقايا تاريخية.
وهنا تظهر أهمية المؤسسات الدولية مثل ACN، لأن المساعدة لا تعني فقط تقديم الطعام أو ترميم مبنى ديني، وإنما توفير الظروف التي تسمح للأسرة المسيحية بأن تستمر في العيش والعمل والتعليم داخل أرضها.

. الكنيسة جسر لا حاجز

ويمثل الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا أحد أبرز الأصوات الكنسية الدولية التي تحاول الحفاظ على حضور الكنيسة في قلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومنذ توليه قيادة بطريركية القدس للاتين، أصبح حديثه عن المسيحيين مرتبطًا بصورة أوسع بمستقبل المنطقة كلها، إذ يرفض النظر إلى المسيحيين باعتبارهم طرفًا إضافيًا في الصراع، ويؤكد على رسالتهم في أن يكونوا جسرًا بين الجماعات المختلفة.
وقد وصف بيتسابالا في حديث سابق مهمة المسيحيين في القدس بأنها الحفاظ على أبواب مفتوحة أمام الآخر، وتحويل المدينة الجريحة إلى مساحة للشفاء بدلًا من أن تصبح رمزًا للانقسام والكراهية. 
ومن هذه الزاوية، يصبح لقاء البطريرك مع وفد ACN ذا دلالة تتجاوز البحث عن مساعدات مالية أو مشروعات إغاثية، لأنه يتعلق بالسؤال الأكبر: كيف يمكن للمسيحيين أن يستمروا في أداء دورهم في الأرض التي ولدت فيها المسيحية، رغم الحرب والهجرة والأزمة الاقتصادية؟

الدعم الدولي..

وتشير خبرة ACN في الأرض المقدسة إلى أن الدعم الخارجي للكنائس لا يقتصر على حالات الطوارئ. فالمؤسسة ساهمت في دعم مشروعات أطلقتها البطريركية، وقدمت مساعدات للأسر المتضررة، كما تواصل تمويل مشروعات تساعد الكنيسة على الاستمرار في خدمة مجتمعها.
وهذا النوع من الدعم يكتسب أهمية خاصة في ظل تراجع موارد الكنائس المحلية، وانخفاض أعداد الحجاج، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع كلفة المعيشة.
فالمسيحيون في الأرض المقدسة يحتاجون إلى الغذاء والمأوى في أوقات الحرب، لكنهم يحتاجون كذلك إلى المدرسة والمستشفى وفرصة العمل والكنيسة المفتوحة والبيت الذي يستطيع الأبناء أن يعودوا إليه بعد الدراسة.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية التي تخوضها الكنائس ليست فقط مع تداعيات الحرب، وإنما مع خطر أن يصبح الوجود المسيحي نفسه هشًا إلى درجة تجعل الهجرة الخيار الوحيد أمام أجيال جديدة.
ويحمل لقاء الكاردينال بيتسابالا مع مؤسسة ACN رسالة واضحة في هذا الاتجاه: أن الحفاظ على المسيحيين في الأرض المقدسة لا يمكن أن يكون مسؤولية الكنائس المحلية وحدها، بل يحتاج إلى شبكة دولية من الدعم والمساندة، سياسيًا وإنسانيًا واقتصاديًا وكنسيًا.
فالأرض المقدسة ليست فقط موقعًا للحج أو مجموعة من الكنائس والأديرة القديمة، وإنما هي أيضًا وطن لمجتمعات مسيحية عاشت فيها قرونًا طويلة، وحافظت على مدارسها وكنائسها وتقاليدها وخدماتها الاجتماعية.
ولهذا فإن إنقاذ الوجود المسيحي هناك لا يعني الحفاظ على صفحات من الماضي، بل الحفاظ على مجتمع حي، وعلى جزء أساسي من التنوع الديني والثقافي للشرق الأوسط.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الكنيسة، وبيتسابالا والمؤسسات الداعمة مثل ACN، هو الانتقال من سياسة «إنقاذ ما يمكن إنقاذه» إلى بناء شروط تسمح للمسيحيين بالبقاء في أرضهم، والعمل فيها، وتربية أبنائهم، واستعادة دورهم التاريخي بوصفهم جزءًا من حاضر المنطقة ومستقبلها، وليس مجرد حراس لذاكرة دينية عريقة.

شارك