في القرن 21مؤتمر دولي بالفاتيكان يبحث عن شهداء المسيحية الجدد
الثلاثاء 15/سبتمبر/2026 - 11:09 ص
طباعة
روبير الفارس
.
..
هل يعيش المسيحيون زمنًا جديدًا للاستشهاد؟ السؤال الذي يطرحه الفاتيكان لم يعد سؤالًا تاريخيًا عن اضطهادات القرون الأولى، وإنما أصبح سؤالًا عن واقع يعيشه مسيحيون في مناطق مختلفة من العالم، من إفريقيا وآسيا إلى الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
ويعقد الفاتيكان، اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر، مؤتمرًا دوليًا في روما بعنوان «القرن الحادي والعشرون: زمن جديد للشهداء؟»، في محاولة لقراءة ظاهرة قتل المسيحيين واضطهادهم في العصر الحديث، ليس فقط باعتبارهم ضحايا العنف الديني، وإنما بوصفهم أيضًا شهودًا على الإيمان والعدالة والدفاع عن الفقراء والمهمشين. ويشارك في المؤتمر الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، فيما يختتم المشاركون أعمالهم بلقاء البابا لاون الرابع عشر.
أكثر من 1700 شهيد
أنشأ البابا فرنسيس عام 2023 «لجنة الشهداء الجدد – شهود الإيمان»، بهدف جمع أسماء وقصص المسيحيين الذين قُتلوا خلال القرن الحادي والعشرين بسبب إيمانهم أو شهادتهم للمسيح، من دون أن تكون اللجنة جزءًا من إجراءات إعلان القديسين.
وبعد أكثر من عام ونصف من العمل، كانت اللجنة قد وثّقت 1624 حالة لمسيحيين من مختلف الكنائس والطوائف قتلوا بسبب إيمانهم بين عامي 2000 و2025. وفي سبتمبر 2026 تجاوز العدد 1700 شهيد، مع إضافة نحو 100 إلى 150 حالة جديدة خلال العام الجاري.
لكن الفاتيكان يستخدم مفهوم «الشهداء» هنا بمعناه الأوسع، فلا تقتصر القائمة على من قتلوا داخل الكنائس أو بسبب رفضهم التخلي عن المسيحية. فهناك كهنة وراهبات ورهبان ومبشرون وعاملون اجتماعيون ومدافعون عن الفقراء وحقوق الإنسان، قتل بعضهم على يد جماعات مسلحة أو عصابات إجرامية، بينما سقط آخرون بسبب دفاعهم عن الفقراء أو البيئة أو العدالة.
وهذا ما يجعل «شهداء القرن الحادي والعشرين» ظاهرة مختلفة عن الصورة التقليدية للشهيد في التاريخ المسيحي.
إفريقيا.. مركز الثقل الجديد
إذا كانت أرقام الفاتيكان ترسم خريطة للشهادة المسيحية خلال ربع قرن، فإن أرقام الاضطهاد الحالية تكشف بوضوح أن إفريقيا جنوب الصحراء أصبحت مركز الثقل الأخطر للعنف ضد المسيحيين.
ووفق أحدث بيانات «أبواب مفتوحة» في تقريرها لعام 2026، قُتل 4849 مسيحيًا حول العالم بسبب إيمانهم خلال فترة الرصد، مقابل 4476 في التقرير السابق. والمثير أن 4491 من هؤلاء، أي نحو 93%، قتلوا في إفريقيا جنوب الصحراء.
وتأتي نيجيريا في مقدمة الدول بفارق هائل، إذ وثقت منظمة «ألابواب المفتوحة» مقتل 3490 مسيحيًا خلال فترة التقرير، أي ما يقرب من 72% من إجمالي الحالات التي رصدتها المنظمة عالميًا.
وهنا تظهر نيجيريا باعتبارها واحدة من أهم بؤر الاستشهاد المسيحي في العالم المعاصر.
لكن من الخطأ اختزال الأزمة النيجيرية في عامل ديني واحد. فالعنف هناك تتداخل فيه الجماعات الجهادية، والصراع على الأرض والموارد، وعمليات الخطف، والجريمة المنظمة، والصراعات المحلية، وضعف قدرة الدولة على حماية السكان.
بوكو حرام وتنظيم داعش
في شمال شرق نيجيريا، لعب تنظيم «بوكو حرام» دورًا أساسيًا في استهداف المسيحيين، كما نشط «داعش في غرب إفريقيا» المعروف باسم ISWAP، المنشق عن بوكو حرام والمرتبط بتنظيم داعش.
وتعرضت قرى مسيحية وكنائس ورجال دين ومدارس ومؤسسات مسيحية لهجمات وعمليات خطف وقتل، بينما أجبرت أعمال العنف أعدادًا كبيرة من السكان على النزوح.
ولا يقتصر الخطر على الشمال الشرقي؛ فقد امتدت الهجمات إلى مناطق أخرى من البلاد، مع استمرار عمليات الخطف والقتل على نطاق واسع. وتشير بيانات حديثة إلى استمرار النشاط المسلح في عدد من الولايات النيجيرية، فيما لا تزال بوكو حرام والجماعات الجهادية جزءًا أساسيًا من المشهد الأمني.
ومن المهم هنا تجنب التعميم؛ فليس كل هجوم على المسيحيين في نيجيريا يمكن نسبته إلى جماعة إرهابية إذ توجد أيضًا عصابات إجرامية وميليشيات محلية وصراعات قبلية وعرقية على الأرض والماشية.
الكونغو داعش على ضفاف الدم
تأتي جمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن أكثر الدول التي تشهد قتلًا للمسيحيين في إفريقيا، ولا سيما في شرق البلاد.
ويبرز «القوات الديمقراطية المتحالفة» ADF، وهي جماعة مسلحة ارتبطت بتنظيم داعش وأعلنت ولاءها له، باعتبارها أحد أبرز مصادر العنف في مناطق شرقي الكونغو وأوغندا.
وقد شهدت مناطق مسيحية وقرى وكنائس عمليات قتل وخطف وحرق وتدمير، في ظل صراع مسلح شديد التعقيد.
بوركينا فاسو..
بوركينا فاسو أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر ساحات العنف الجهادي خطورة في غرب إفريقيا. وتنتشر فيها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها «جماعة النصرة » JNIM، إلى جانب جماعات مرتبطة بتنظيم داعش في منطقة الساحل.
وأصبح المسيحيون، ولا سيما في المناطق الريفية، عرضة للقتل والخطف والتهجير، كما تعرضت كنائس لهجمات، واضطر عدد من رجال الدين والمسيحيين إلى مغادرة مناطقهم.
وتكشف بوركينا فاسو عن تحول مهم في خريطة الاستشهاد المعاصر: فالمسيحي قد لا يُقتل داخل كنيسة أو بسبب رفضه اعتناق الإسلام، وإنما يصبح هدفًا لأنه ينتمي إلى جماعة دينية يُراد إخضاعها أو طردها من منطقة تسيطر عليها جماعة مسلحة.
الكاميرون وموزمبيق والصومال
ولا تتوقف الخريطة عند نيجيريا والكونغو وبوركينا فاسو.
في شمال الكاميرون، يمتد خطر بوكو حرام والجماعات المرتبطة بها عبر الحدود مع نيجيريا، وقد أدى الصراع إلى آلاف القتلى ومئات الآلاف من النازحين.
وفي موزمبيق، وخصوصًا في إقليم كابو ديلغادو، نشط تنظيم الدولة الإسلامية في موزمبيق، وتعرض السكان المدنيون، وبينهم المسيحيون، لعمليات قتل وخطف وتهجير.
أما الصومال، فتظل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة من أخطر التنظيمات الجهادية في القارة، ويواجه المسيحيون هناك خطرًا مضاعفًا بسبب شدة التطرف وغياب الحماية القانونية والاجتماعية.
ولهذا جاءت الصومال في المرتبة الثانية عالميًا، بعد كوريا الشمالية، في «قائمة المراقبة العالمية 2026» الخاصة بأخطر الدول على المسيحيين، بينما جاءت نيجيريا في المركز السابع، وسوريا في السادس، وباكستان في الثامن، وليبيا في التاسع، وإيران في العاشر.
وماذا عن الشرق الأوسط؟
الشرق الأوسط لا يزال حاضرًا بقوة في قصة الشهداء الجدد، وإن كانت أرقام القتل الحالية أقل من إفريقيا جنوب الصحراء.
العراق وسوريا وليبيا ومصر وغيرها شهدت خلال السنوات الماضية موجات من العنف ضد المسيحيين، وكان تنظيم داعش واحدًا من أبرز التنظيمات التي حولت استهداف المسيحيين إلى مشروع معلن للقتل والتهجير وتدمير الوجود المسيحي التاريخي.
وتظل مجزرة الأقباط المصريين في ليبيا عام 2015 واحدة من أشهر صور الاستشهاد المسيحي في القرن الحادي والعشرين، بعدما قتل تنظيم داعش 21 قبطيًا مصريًا على ساحل البحر المتوسط.
وفي سوريا والعراق، أدت الحرب وصعود تنظيم داعش إلى تهجير جماعي للمسيحيين من مناطق تاريخية تعود فيها المسيحية إلى قرونها الأولى.
لكن الوضع الحالي أكثر تعقيدًا من مجرد قائمة بالتنظيمات الإرهابية؛ فالحرب الأهلية والانهيار السياسي والصراعات الطائفية والتدخلات الإقليمية وانهيار مؤسسات الدولة كلها عوامل ساهمت في تراجع الوجود المسيحي.
آسيا.. اضطهاد بلا مجازر جماعية أحيانًا
في آسيا تأخذ المأساة شكلًا مختلفًا.
ففي باكستان، لا يمثل تنظيم إرهابي واحد الخطر الرئيسي على المسيحيين بالضرورة، وإنما تتداخل قوانين التجديف، والتحريض الديني، وعنف الجماعات المتطرفة، واعتداءات الحشود، مع ضعف حماية الأقليات.
أما في أفغانستان، فتواجه الجماعات المسيحية السرية خطر طالبان والتنظيمات الجهادية، بينما يظل المسيحيون في كوريا الشمالية معرضين للسجن والتعذيب والعمل القسري إذا اكتُشفت ممارستهم للإيمان المسيحي.
ولهذا جاءت كوريا الشمالية في المركز الأول عالميًا في قائمة «ألابواب المفتوحة»، تليها الصومال واليمن والسودان وإريتريا وسوريا ونيجيريا وباكستان وليبيا وإيران.
وهنا تظهر نقطة مهمة: «الاستشهاد» ليس دائمًا رصاصة أو قنبلة. قد يكون سجنًا طويلًا، أو اختفاءً قسريًا، أو تعذيبًا، أو تهجيرًا، أو فقدان العمل، أو حرمانًا من التعليم، أو إجبارًا على إخفاء العقيدة.
ليس كل شهيد يقتله إرهابي
وهذه ربما أهم نقطة في قراءة ظاهرة «الشهداء الجدد».
فالفاتيكان نفسه لا يحصر الشهادة في ضحايا الجماعات الإرهابية. فقد وثقت اللجنة حالات لمسيحيين قتلوا على يد جماعات إجرامية أو مافيات، وآخرين دفعوا حياتهم ثمنًا للدفاع عن الفقراء أو البيئة أو حقوق الإنسان.
وفي الاحتفال الفاتيكاني الذي أقيم عام 2025 لإحياء ذكرى شهداء القرن الحادي والعشرين، عرضت بيانات اللجنة توزيعًا جغرافيًا شمل 643 حالة في إفريقيا جنوب الصحراء، و357 في آسيا وأوقيانوسيا، و304 في الأمريكتين، و277 في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إضافة إلى 43 في أوروبا، فضلًا عن 110 من المبشرين الأوروبيين الذين قتلوا خارج أوروبا.
ومن هنا فإن «شهيد القرن الحادي والعشرين» ليس بالضرورة شخصًا قُتل وهو يصلي. قد يكون كاهنًا رفض ترك الفقراء، أو راهبة واجهت عصابة، أو مبشرًا بقي في منطقة خطرة، أو ناشطًا دافع عن العدالة، أو مسيحيًا رفض التخلي عن إيمانه.
لماذا يبدو القرن الحادي والعشرون مختلفًا؟
المفارقة أن المسيحية لم تعد تواجه إمبراطورية واحدة أو نظامًا واحدًا كما حدث في عصور الاضطهاد القديمة.ايام الرومان
اليوم تتوزع مصادر الخطر بين الإرهاب الجهادي، والحروب الأهلية، والدول الاستبدادية، والجريمة المنظمة، والميليشيات، والصراعات القبلية، والقوانين التمييزية، وأحيانًا جماعات مسلحة تستغل الدين لتبرير العنف.
وفي إفريقيا جنوب الصحراء تحديدًا، أصبحت الجماعات الجهادية أكثر قدرة على استغلال انهيار الدولة والفقر والنزاعات المحلية. ولذلك فإن قتل المسيحيين هناك لا يمكن تفسيره دائمًا بالدين وحده، وإن كان الانتماء الديني يجعل المسيحيين في بعض المناطق هدفًا واضحًا.
وهنا تكمن أهمية المبادرة الفاتيكانية؛ فهي لا تريد فقط إحصاء الموتى، وإنما تريد استعادة أسماء أشخاص قد يتحولون في الإحصاءات إلى مجرد رقم.
1700 اسم.. لكن الرقم الحقيقي أكبر
والأهم أن رقم 1700 لا يعني أن الفاتيكان يقول إن عدد المسيحيين الذين قتلوا في القرن الحادي والعشرين هو 1700 فقط.
إنه عدد الحالات التي تمكنت لجنة «الشهداء الجدد» من توثيقها والتحقق منها وفق معاييرها الخاصة. أما أرقام «أبواب مفتوحة» فتقيس القتل المرتبط بالهوية أو الإيمان المسيحي خلال فترة زمنية محددة وبمنهجية مختلفة.
وفي أحدث رصد للمنظمة، بلغ عدد المسيحيين الذين قتلوا بسبب إيمانهم 4849 شخصًا خلال فترة التقرير وحدها، بينهم 3490 في نيجيريا. كما سجل التقرير أكثر من 3300 حالة خطف لمسيحيين وقرابة 4700 حالة اعتقال مرتبطة بالإيمان.
وهذا يكشف أن الأرقام ليست متعارضة بقدر ما هي تقيس ظواهر مختلفة.
السؤال الذي يطرحه الفاتيكان إذن ليس: «هل عاد اضطهاد المسيحيين؟»؛ فالإجابة واضحة من واقع الأرقام.
السؤال الأصعب هو: هل أصبح القرن الحادي والعشرون، بعد قرون من التقدم العلمي وحقوق الإنسان والقوانين الدولية، عصرًا جديدًا للاستشهاد؟
والإجابة التي تبدو واضحة من إفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا هي أن المسيحية ما زالت تدفع ثمنًا باهظًا في مناطق عديدة من العالم.
لكن الشهادة الجديدة لا تُختصر في الموت.
فبعض هؤلاء الشهداء اختاروا البقاء عندما كان الرحيل أسهل، وبعضهم وقف إلى جوار الفقراء عندما كان الصمت أكثر أمانًا، وبعضهم رفض أن تتحول الكنيسة إلى جزيرة معزولة عن المجتمع.
ولهذا يبدو أن الفاتيكان يريد أن يقول إن «شهيد القرن الحادي والعشرين» ليس فقط من مات بسبب كونه مسيحيًا، وإنما أيضًا من مات لأنه عاش إيمانه حتى النهاية: دفاعًا عن الإنسان، وعن الفقير، وعن العدالة، وعن السلام.
وربما لهذا تحديدًا اختار الفاتيكان أن يسميهم «الشهداء الجدد – شهود الإيمان».
