3.7 مليون نازح.. هل تكتب الحرب نهاية الكنيسة في نيجيريا
الثلاثاء 15/سبتمبر/2026 - 11:11 ص
طباعة
روبيرالفارس
هل تستطيع الكنيسة النيجيرية أن تبقى في المناطق التي أفرغها العنف من سكانها؟ وهل يعود المسيحيون النازحون إلى قراهم، أم يتحول النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة تعيد رسم خريطة الوجود المسيحي في البلاد؟
هذه الأسئلة كانت محور تقرير بحثي جديد لمنظمة «الابواب مفتوحة» (Open Doors)، حمل عنوان «نيجيريا عند مفترق الطرق – هل هناك مستقبل للكنيسة النازحة في نيجيريا؟»، في محاولة لرسم صورة لمستقبل بلد يواجه واحدة من أكبر أزمات العنف والنزوح الداخلي في أفريقيا.
وبحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المحدثة في الأول من أغسطس الماضي يوجد في نيجيريا أكثر من 3.7 مليون نازح داخلياً، يعيش كثير منهم بعيداً عن منازلهم ومزارعهم ومجتمعاتهم الأصلية، في ظروف تجعل العودة أكثر صعوبة كلما طال أمد النزوح.
ولا تكمن خطورة الأزمة في عدد النازحين وحده، وإنما في احتمال أن يتحول النزوح إلى واقع دائم. فحين يترك السكان قراهم لسنوات، وتتدمر المنازل والمزارع، وتختفي المدارس والخدمات، يصبح السؤال أكبر من مجرد «متى يعود النازحون؟»؛ إذ يصبح السؤال: هل ما زالت هناك قرى يمكنهم العودة إليها أصلاً؟
وتحذر «ألابواب المفتوحة» من أن استمرار العنف والإفلات من العقاب قد يؤدي إلى مزيد من تفكك المجتمعات المسيحية، خصوصاً في شمال نيجيريا وشمال وسطها، حيث تعرضت مناطق عديدة لهجمات متكررة أدت إلى قتل وخطف ونزوح السكان.
وتكشف الأرقام حجم التصعيد. فقد قُتل 1,735 مدنياً خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025، مقابل 1,148 خلال الفترة نفسها من عام 2024، بزيادة بلغت 51%. أما عمليات الاختطاف فقد ارتفعت بصورة أكثر حدة، من 1,352 حالة إلى نحو 3,415 حالة، أي بزيادة بلغت 153%.
ويعتمد التقرير بصورة رئيسية على بيانات «مرصد الحرية الدينية في أفريقيا» (ORFA)، الذي أجرى دراسة امتدت ست سنوات، بالاستعانة بباحثين وشركاء محليين، إلى جانب بيانات مشروع مواقع النزاع المسلح وأحداثه (ACLED).
ورغم أن المسيحيين كانوا أكثر تعرضاً للقتل خلال معظم فترة الدراسة، فإن التقرير يحذر من اختزال الأزمة في صراع ديني فقط. فالعنف النيجيري تحركه عوامل متشابكة تشمل الدين والعرق والفقر والصراع على الأرض والموارد والتغيرات البيئية، وتشارك فيه جماعات مسلحة متعددة، بينها «بوكو حرام» وتنظيم داعش في غرب أفريقيا (ISWAP)، إضافة إلى جماعات مسلحة مثل الفولاني.
كما بدأت الهجمات تطال المسلمين بصورة متزايدة، وهو ما يكشف اتساع نطاق الانهيار الأمني، وتحول العنف إلى تهديد للمجتمع النيجيري بأكمله، وليس للمسيحيين وحدهم.
لكن بالنسبة إلى الكنيسة، فإن الخطر يتجاوز عدد الضحايا.
فالكنيسة ليست مبنى فقط. إنها قرية، وأسرة، ومدرسة، ومزرعة، وذاكرة، وشبكة من العلاقات التي تجعل المسيحيين جزءاً من المكان. وعندما يُجبر هؤلاء على الرحيل، فإن ما يتعرض للخطر هو المجتمع المسيحي نفسه، وليس الكنائس وحدها.
ويرى التقرير أن مستقبل الكنيسة يرتبط إلى حد كبير بالقدرة على كسر دائرة العنف والنزوح. ويطرح سيناريوهين: الأول استمرار القتل والخطف والإفلات من العقاب، بما يعني مزيداً من النزوح وتآكل الوجود المسيحي في المناطق المتضررة. والثاني تحرك حكومي أكثر حزماً، مدعوماً بمساندة دولية مستدامة، يوفر الأمن ويمهد لعودة النازحين وإعادة بناء مناطقهم.
وبين السيناريوهين تقف الكنيسة النيجيرية أمام اختبار تاريخي.
فإذا بقي النازحون خارج قراهم لسنوات، قد تصبح العودة أصعب، وقد تتحول خريطة الوجود المسيحي تدريجياً دون قرار معلن أو إعلان رسمي.
لهذا لا يسأل تقرير «ألابواب المفتوحة» فقط عن عدد المسيحيين الذين قُتلوا أو هُجّروا، بل يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: عندما ينتهي العنف يوماً ما، هل سيجد المسيحيون في نيجيريا وطناً يستطيعون العودة إليه؟
وهنا تكمن معركة الكنيسة الحقيقية: ليس فقط أن تبقى على قيد الحياة، وإنما أن تبقى حاضرة في المكان الذي عاشت فيه.
