حسام الحداد يكتب: السلفية المعاصرة وتصنيع "الوعي الزائف".. وليد اسماعيل وعبد الله رشدي نموذجا
الأربعاء 16/سبتمبر/2026 - 10:36 ص
طباعة
تمثل التحولات الرمزية والفكرية التي يمر بها الفضاء العام العربي مجالا حيويا لدراسة كيفية إعادة إنتاج الهيمنة الأيديولوجية لدى التيارات المحافظة؛ حيث تسعى هذه التيارات إلى التكيف مع وسائط التواصل الحديثة دون التنازل عن بنيتها التراتبية التقليدية. وفي هذا السياق، يقدم الحوار الدائر بين رموز الخطاب المحافظ—كالداعية عبد الله رشدي والإعلامي وليد إسماعيل—نموذجا شارحا ومكثفا للاستراتيجيات الدعائية والبلاغية التي يتوسل بها التيار السلفي/الأزهري المحافظ. تعتمد هذه الاستراتيجيات بالأساس على إعادة تأطير القضايا الحقوقية والإنسانية المعاصرة بوصفها "مؤامرات تفكيكية" تستهدف ثوابت الأمة، مستغلة العاطفة الدينية والشغف بالأصالة للتغطية على آليات الهيمنة الذكورية والوصاية اللاهوتية.
إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن فقط في مضامينه النقلية أو انحيازاته الأبوية الصريحة، بل في قدرته الحالية على التسرب إلى الوعي الجمعي عبر أدوات إعلامية ورقمية جاذبة تفرغ القضايا البنيوية الشائكة من عمقها المعرفي والمجتمعي. فمن إشكاليات العدالة الجندرية والمساواة إلى معضلات التأويل الفقهي وموقع المرويات التاريخية، يمارس هذا الطرح عملية اختزالية واسعة تحيل القضايا الاجتماعية والاقتصادية إلى مجرد أحكام طقوسية وثنائيات أخلاقية حادة (حق/باطل، فطرة/تمرد). تهدف هذه العملية الأيديولوجية إلى خلق حالة من "الوعي الزائف" لدى الجمهور، حيث يصور الخنوع للتراتبيات التقليدية والوصاية الدينية باعتباره صيانة للفطرة وتكريما للإنسان، بينما تدمغ المطالبات بالحرية والحقوق الفردية بالفساد والتبعية.
بناء على ذلك، يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية تفكيكية متكاملة لمقولات هذا الخطاب، مستندا إلى مناهج علم الاجتماع السياسي، والنقد العلمي للحركات الإسلامية، والنقد التاريخي للتراث. إن تشريح المقولات المركزية الواردة في الحوار—سواء المتعلقة بالموقوف من النسوية، والقوامة الأبوية، والتوسل بدعاء الصالحين، وسلطة السنة الشفهية، وصولا إلى ظاهرة "صناعة الترند"—يسعى للوقوف على التناقضات الذاتية والتهافت المنهجي الذي يستند عليه الخطاب المحافظ. ومن خلال خوض هذا النقاش الفكري، يتطلع المقال لتفكيك آليات التضليل الأيديولوجي وتأكيد أسبقية العقل والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في إدارة الشأن الاجتماعي والديني المعاصر.
تفكيك الخطاب المناهض للنسوية وحقوق المرأة:
وليد اسماعيل وعبد الله رشدي، يقولون بأن النسوية تحث النساء على التمرد والأنانية، وتؤدي حتما إلى الطلاق والفشل الأسري، وأن إعفاء المرأة من العمل ورعايتها في المنزل هو التكريم الحقيقي والبديل الفطري للقوامة الأبوية.
ويدلنا هذا الرأي على أن الخطابات المحافظة الراديكالية تستند في هجومها على الحركة النسوية إلى اختزال مخل يحملها المسؤولية المباشرة عن الطلاق والفشل الأسري، حيث تتجاهل هذه الخطابات الأسباب البنيوية المركبة للتفكك الأسري لتسلط الضوء على حالات فردية، وصمها إياها بالتمرد والأنانية، ومحاولة تحويل المطالبة بالعدالة والمساواة الجندرية إلى شماعة تعلق عليها أزمات المجتمع. إن هذا التسطيح يتعمد إغفال المعطيات العلمية والواقعية التي تظهر أن النضال النسوي يسعى بالأساس إلى تفكيك علاقات القوة النفعية وإعادة رسم العقد الاجتماعي داخل البيت بما يضمن الكرامة الإنسانية لكلا الطرفين.
وفي هذا السياق، يثبت علم اجتماع الأسرة الحديث أن الاستقرار الأسري الحقيقي والمستدام لا يمكن أن يستمر في ظل علاقات تراتبية أحادية قائمة على القمع المكتوم أو التسلط الأبوي، بل يتأسس بالضرورة على الشراكة المتكافئة والاعتماد المتبادل. إن المراهنة على مفهوم "الفطرة" لتكريس خضوع طرف لطرف آخر تنشئ بيئة هشة مشحونة بالاحتقان غير المعلن، في حين أن الاعتراف بالحقوق الفردية والتكافؤ الإنساني يعزز من التماسك الأسري ويبني بيئة صحية قائمة على المودة والترادي وليس على الخضوع القسري.
علاوة على ذلك، فإن الطرح الذي يكتفي باختزال دور المرأة في الرعاية المنزلية باعتباره التكريم الأوحد لها، يصطدم صدمة مباشرة بالواقع الاقتصادي والتاريخي المعاصر. لقد فرضت التغيرات الهيكلية في الاقتصاد الحديث واقعا جديدا أصبحت فيه مشاركة المرأة الاقتصادية ضرورة تنموية وحياتية ملحة لتأمين متطلبات العيش الكريم للأسرة، وليست مجرد خيار رفاهية أو نكوصا عن الفطرة كما يروج، مما يجعل دعوات تقييد دورها العائلي بالمنزل فقط منفصلة تماما عن تحديات الحياة اليومية.
وأخيرا، يتضح أن الاستقلال المالي للمرأة يشكل الحصن والأداة الأساسية لحمايتها من التهميش أو التعرض للعنف والابتزاز داخل العلاقات التسلطية، إذ يمنحها حرية الإرادة والقدرة على الاختيار المتكافئ. إن تفكيك الخطاب المحافظ يظهر أن الدفاع عن القوامة كبديل حصري لإعفاء المرأة من النفقة والعمل لا يعدو كونه محاولة للإبقاء على آليات السيطرة، بينما تظل الشراكة الاقتصادية والاجتماعية الفاعلة هي الضامن الأول لبناء أسرة معاصرة متوازنة وقادرة على الصمود أمام تقلبات الواقع.
القوامة هي نظام إداري طبيعي للكوكب:
يقوم كل من وليد اسماعيل وعبد الله رشدي بتشبيه القوامة بالمدير في الشركة أو قائد السفينة، واعتبار الغيرة الذكورية فرط حماية فطرية تحمي المراه من الاستغلال والابتذال.
لنجد ان خطابهم يعتمد على الترويج لمفهوم القوامة بوصفه نظاما إداريا طبيعيا يشبه إدارة الشركات أو قيادة السفن، وتأطير حرية المراه كرغبة في الفوضى تستدعي تقييدها لحماية غيرة الرجل الذكورية. يصور هذا الطرح الغيرة المفرطة والتسلط على قرارات المراه ولباسها وحركتها باعتبارها مظهرا من مظاهر الفطرة السليمة وفرط الحماية الحانية التي تهدف ل صيانة المراه من الاستغلال، غير أن هذا التبسيط الأيديولوجي يتعمد التغطية على آليات الهيمنة وتجريد العلاقات الإنسانية والزوجية من أبعادها التكافؤية المتوازنة.
ومن المنظور التحليلي والعلمي، فإن التشبيه المباشر بين الأسرة وبين المؤسسات الإنتاجية أو الإدارية ك الشركات والدول هو قياس فاسد ومع الفارق؛ فالمؤسسات التجارية والسياسية تقوم على الهياكل التراتبية الصارمة وضبط الأداء البيروقراطي للحصول على المخرجات. أما الأسرة، فهي حيز اجتماعي وإنساني قائم في أصله على السكن والعاطفة، وتكامل الحقوق والواجبات المتبادلة بين شريكين متكافئين، ولا يمكن إدارتها بمنطق "الرئيس والمرؤوس" دون تحويلها إلى ساحة للاستبداد بالقرار وقمع الإرادة المستقلة للطرف الآخر.
وفي هذا السياق، يفسر علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع الأسرى أشكال الغيرة المفرطة والوصاية المتشددة على المرأة ليس كدافع حب أو حماية إنسانية نبيلة، بل بوصفها سلوكا استحواذيا ينبع من مفهوم "السيطرة الملكية" والتمركز الذكوري. إن ربط كرامة الرجل أو حمايته للمرأة بحرمانها من حريتها الذاتية واتخاذ قراراتها الخاصة يحول الحماية المفترضة إلى أداة للتحكم الاجتماعي والضبط القسري، مما يفرغ مفهوم الرعاية من جوهره ويستبدله بفرص متزايدة للهيمنة والابتزاز العاطفي.
ختاما، فإن جعل "قوامة السيطرة" وسلب أهلية المرأة شرطين لاستقرار الأسرة يعبر عن رؤية مأزومة ترى في الحرية الفردية والشراكة المتكافئة تهديدا للوجود الأبوي. إن بناء مجتمع سليم يتطلب تفكيك هذه الرؤية التقليدية لصالح نموذج أسر يتأسس على الحوار الديمقراطي والترادي والاحترام المتبادل بين الشريكين، حيث لا تتناقض حرية المرأة وحقوقها الإنسانية مع الاستقرار الأسري، بل تصبح هي الضامن الأساسي لاستدامته وصحته النفسية والاجتماعية.
التفنيد اللاهوتي لمسألة "دعاء الأموات والشرك"
تحول الشيخ عبد الله رشدي عن القول بجواز التوسل بالأولياء والصالحين اعتبارا بأن مجرد طلب الحاجة من غير الله هو عين الشرك الذي نهى عنه القران والعلماء، وأن النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد.
ويعكس تحول الطرح المحافظ نحو تعميم أحكام الشرك على ممارسات التوسل ودعاء الصالحين نكوصا جليا عن التراث الفقهي والكلامي الإسلامي القائم على التعدد والمجاز؛ حيث يختزل هذا الملف المعقد في مقولة راديكالية حاسمة ترى أن مجرد توجه الإنسان بطلب أو استغاثة إلى غير الله يعد شركا كليا يخرج الفاعل من الملة بغض النظر عن نيته وقصده باطنا. يصادر هذا التبسيط الأيديولوجي المساحات التفسيرية الواسعة، معتبرا أن "النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد"، ومسقطا المفاهيم الجاهلية للشرك الأصنامي بشكل مباشر على سلوكيات تعبدية وثقافية شعبية نابعة في أصلها من التعظيم والمحبة.
ومن المنظور التحليلي والتاريخي، يعبر هذا الموقف عن تبن صريح للمنهج السلفي الوهابي القائم على حرفية النصوص وتضييق مجالات التوحيد، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تفتيت التراث المذهبي وتجاهل التنوع الهائل داخل المذاهب الفقهية الأربعة والمدرسة الأشعرية والماتوريدية. لقد ميزت الأغلبية الكاثرة من علماء الكلام والفقهاء تاريخيا بين التوسل بالسبب والشفاعة القائم على اعتقاد أن الخالق والمحيي والمميت هو الله وحده، وبين شرك الجاهلية القائم على اعتقاد الخلق والتدبير المستقل للند والمتبوع؛ غير أن الخطاب الوهابي المعاصر يتغافل عمدا عن هذا الفارق الدقيق ليصدر أحكاما مسبقة بالشرك والفسوق على جغرافية واسعة من الممارسات الإسلامية الشعبية.
إلى جانب ذلك، يؤدي إسقاط أحكام الشرك الجاهلي على ثقافة التوسل بالصالحين إلى تسييس مفهوم الشرك وتحويله من مقولة إيمانية قلبية إلى أداة للهيمنة والإقصاء المذهبي؛ حيث يصبح مفهوم "التوحيد" اختزاليا وحصريا على القراءة السلفية، ويستخدم كمعيار لتصنيف المسلمين بين موحدين ومشركين. إن هذا التوظيف الأيديولوجي يلغي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية التي شكلت التدين الشعبي عبر القرون، ويحيل التعبير العاطفي عن محبة آل البيت والصالحين إلى جناية عقائدية تستوجب المحاكمة والتكفير، بدلا من قراءتها في سياقها الرمزي والتاريخي.
يتضح في الختام أن محاولة فرض رؤية أحادية لا تسمح بالتأويل الفقهي لا تخدم صيانة التوحيد بقدر ما تؤسس لخطاب استبدادي يلغي التعددية المذهبية والفكرية؛ إذ إن الاختلاف في مسائل التوسل والزيارة ظل تاريخيا مجالا للاجتهاد والنظر الفقهي وليس مظهرا للمنازعة في أصل الإيمان. إن العودة إلى قراءة تراثية نقذية ومتوازنة تفرض فك الارتباط بين المقاصد الإيمانية والسلوكيات التعبيرية، والاعتراف بأن التوحيد أعمق من اختزاله في ظواهر الأفعال دون اعتبار لعقيدة الفاعل وقصده.
الموقف من الحديث وسلطة السنة ومناهضة "القرآنيين"
ينتقد حوار عبد الله رشدي ووليد اسماعيل التيار القرآني ويعتبر الدعوة للاقتصار على القرآن نكرانا للغة والتاريخ وتفكيئا للدين، مؤكدا أن الفهم المعصوم للنص يستلزم الاتباع الكامل لمرويات السنة والتطبيقات التاريخية للصحابة.
وهنا نجد ان الخطاب السلفي والمحافظ بشن هجوم حاد على "التيار القرآني" والداعين إلى مراجعة مكانة المرويات الشفهية، حيث يرى هذا الخطاب أن الدعوة للاقتصار على القرآن الكريم تعد نكرانا للغة والتاريخ وتفكيكا لهيكل الدين. ويذهب هذا الطرح إلى أدق من ذلك باعتبار أن التأويل المستقل للنص القرآني بعيدا عن المرويات التاريخية يفتح الباب أمام التأويلات العشوائية وحتى الفكر الداعشي المتطرف، مصرا على أن الفهم الصحيح للنص التأسيسي يستلزم بالضرورة الاتباع الكامل والمطلق للروايات الحديثية المنسوبة للنبي والتطبيقات التاريخية للسلف والصحابة.
ومن المنظور النقدي والتحليلي، يتعمد هذا الطرح المحافظ الخلط الجسيم بين "النص الإلهي التأسيسي" المتواتر والمجرد، وبين "النص التاريخي البشري" المتمثل في المدونات الروائية؛ فهو يتجاهل المناهج النقدية والتاريخية الحديثة (كالهيرمينوطيقا والتفكيك التاريخي) التي تميز بوضوح بين ثبات النص القرآني وبين ظنية التراث الروائي الشفهي. إن السنة المدونة خضعت لآليات جمع وتدوين شفهية وبشرية معقدة، وتأثرت بالسياقات السياسية والاجتماعية والصراعات المذهبية التي شهدها العصران الأموي والعباسي، مما يجعل إضفاء طابع العصابة أو الإطلاق العقدي عليها مجافاة لحقيقة التاريخ وتطوره البشري.
إلى جانب ذلك، يؤدي ربط فهم القرآن حصرا بمرويات تاريخية وسياقات تراثية محددة إلى إعادة إنتاج سلطة "كهانة دينية" واحتكار تأويلي تجعل من طبقة من رجال الدين أوكلاء وأوصياء حصريين على معنى النص الإلهي. إن هذا الاحتكار يصادر حق العقل البشري المباشر والحر في التدبر والمواجهة المباشرة مع النص الشارع، كما يعطل قدرة المجتمعات المعاصرة على إعادة القراءة والاستنباط بما يتماشى مع العصر ويضمن ملاءمة القيم التأسيسية كالعدالة والحرية مع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان.
ويتضح أن الادعاء بأن ترك المرويات التاريخية يفتح الباب للفكر المتطرف هو ادعاء معكوس تحليليا؛ إذ إن القراءات الراديكالية والجماعات المتطرفة (كداعش وغيرها) تستند بالأساس إلى ذات المرويات التاريخية والفقهيات التراثية التي يصر الخطاب المحافظ على قداستها. إن الحل العلمي لمواجهة الفكر المغلق لا يكون بالارتهان لسلطة التاريخ والرواية البشرية، بل بفتح باب النقد التاريخي المنهجي وتفكيك المركزية التراثية، لتستعيد الأمة حقها في التفكير والتأويل العقلاني القائم على مقاصد النص التأسيسي الكبرى دون وصاية من المدونات البشرية.
ظاهرة "صناعة الترند" وخطاب الاستقطاب الإعلامي:
يرى وليد اسماعيل أن ظهوره المستمر وتناوله للقضايا المثيرة للجدل في منصات التواصل ليس بحثا عن الشهرة، بل هو تلبية لواجب ديني وأخلاقي للتصدي للأفكار الفاسدة.
وهنا يبرر الخطاب الدعوي المحافظ انخراطه الدائم في المعارك الرقمية وتناوله المستمر للقضايا الأكثر إثارة للجدل بوصفه واجبا شرعيا وأخلاقيا يهدف إلى حماية الدين والتصدي للأفكار الفاسدة. ويقدم الدعاة المحافظون حضورهم المكثف على المنصات الرقمية ومشاركتهم في "المناظرات" والسجالات الرمزية على أنها تطبيق لمبدأ "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة"، نفيا لاتهامات الركوب على موجات الشهرة أو البقاء في دائرة الضوء، ومؤكدين أن دافعهم الوحيد هو تبصير الجماهير ونشر التوعية الدينية في مواجهة الانحرافات الفكرية.
إلا أن التحليل العلمي والاجتماعي لهذه الظاهرة يكشف عن الاستناد إلى آليات "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) التي ترعاها خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يتحول الدين إلى جزء من "الشعبوية الرقمية" وتستحيل المعارك الثقافية (Culture Wars) إلى أداة أساسية لحشد المتابعين. إن الاعتماد على تبسيط المعارف الشائكة وتنميط المخالفين واختزال القضايا الفلسفية والإنسانية الكبرى في ثنائيات حادة (حق مقابل باطل، مؤمن مقابل فاسق) يمثل استراتيجية شائعة للسيطرة على الجمهور وتغذية ظاهرة الاستقطاب التي تجذب التفاعل وتصنع "الترند".
إلى جانب ذلك، يتسم هذا الخطاب بغياب المنهج التفكيكي والتاريخي النقدي، واستبداله بآليات "التجييش العاطفي" والردود السريعة الاستعراضية الشبيهة بثقافة البوب (Pop-Culture). إن اختزالية المناظرات الرقمية تفرغ النقاشات الفكرية والفقهية من عمقها البنيوي، حيث لا يكون الهدف الوصول إلى الحقيقة بقدر ما هو تحقيق انتصار خطابي ينال إعجاب الجمهور المستهدف، وهو ما يكرس الاستعلاء اللاهوتي والخطابة الذكورية الموجهة لإغلاق حدود المذهب وتثبيت مرجعية الجماعة المغلقة ضد أي نقد خارجي.
ليتضح أن الادعاء بتقديم "البيان الشرعي الواجب" عبر وسائط التواصل ليس سوى غطاء أيديولوجي لممارسة تجارية ورمزية تعزز حضور الداعية الشمولي في الفضاء العام. إن تحويل المفاهيم الدينية والحقوقية إلى وجبات سريعة للاستهلاك الرقمي لا يخدم التوعية الفكرية، بل يساهم في تغييب العقل الناقد وتسليخ القضايا من سياقاتها الاجتماعية والسياسية، مما يجعل "صناعة الترند" في جوهرها أداة لتأطير الوعي وتوجيهه نحو سجالات استقطابية تعطل التفكير العلمي والحر في قضايا العصر.
الخاتمة:
في ختام هذه القراءة النقدية، يتضح أن الحوار بين عبد الله رشدي ووليد اسماعيل يمثل نموذجا شارحا لكيفية تشكل الخطاب المحافظ المعاصر في ظلال الحداثة الرقمية؛ فهو خطاب يستعيض عن التحليل الاجتماعي والسياسي الهيكلي للقضايا الإنسانية بالقراءات النصية النمطية والتبريرات الأبوية الذكورية. إن تحويل الاختلافات الفقهية والتغيرات الاجتماعية إلى معارك استقطابية عبر منصات التواصل ليس سوى انعكاس ل "شعبوية رقمية" تتغذى على آليات اقتصاد الانتباه، حيث يسخر الدين والتراث كأدوات لتثبيت مرجعية السلطة التقليدية وحماية أوهام التمركز الذكوري ضد أي مراجعة نقدية أو تفكيكية حرة.
تأسيسا على ذلك، يؤكد المقال أن مواجهة هذا التدفق الهائل من "الوعي الزائف" والخطابات الوصائية لا يمكن أن تتحقق بالانجرار إلى المهاترات السطحية أو الملاسنات الرقمية، بل بالتمسك ب العلمانية الشاملة والمنهج النقدي التاريخي وقيم العدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية الشاملة. إن بناء مجتمع مدني ديمقراطي ومتحرر يتطلب بالضرورة فك الارتباط بين المقاديس الدينية وسلطة الرجال والأوصياء، واستعادة حق العقل البشري في التأويل والتفكير الحر، ليكون الإنسان—برجلا كان أو امرأة—هو مركز الغاية والكرامة والعدالة في هذا العالم.
