من ذاكرة دمشق إلى تحديات البقاء.. ندوة تستعيد تاريخ الأرمن في سوريا
الإثنين 26/أكتوبر/2026 - 11:04 ص
طباعة
روبيرالفارس
في مدينة دمشق، التي احتضنت على امتداد تاريخها شعوبًا وثقافات وديانات متعددة، عاد التاريخ الأرمني إلى الواجهة من خلال محاضرة ثقافية بعنوان «تاريخ الأرمن في دمشق»، نظمتها عائلات سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك، وقدمها الدكتور سركيس برونزوسيان، في محاولة لاستعادة صفحات من الذاكرة الأرمنية، وإبراز الدور الذي لعبته هذه الجماعة في تشكيل الملامح الاجتماعية والثقافية للعاصمة السورية.
ولم تكن المحاضرة مجرد استعادة لأحداث تاريخية، بل جاءت لتسلط الضوء على وجود إنساني وحضاري عريق، أصبح جزءًا من هوية دمشق وتنوعها، في وقت يواجه فيه الأرمن السوريون، شأنهم شأن بقية المكونات المسيحية، تحديات تتعلق بالهجرة وتراجع أعداد السكان وصعوبة المحافظة على المؤسسات الثقافية والتعليمية والكنسية التي شكلت عبر عقود طويلة ضمانة لاستمرار هويتهم.
وتناولت المحاضرة محطات من تاريخ الوجود الأرمني في دمشق، وعمق جذوره في النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة، مؤكدة أهمية المحافظة على الذاكرة الجماعية ونقل التراث إلى الأجيال الجديدة، حتى لا يتحول تاريخ الأرمن في سوريا إلى مجرد صفحات محفوظة في الكتب، بعد أن كان حضورًا حيًا في الأسواق والمدارس والكنائس والأحياء القديمة.
جذور أقدم من مأساة الإبادة
على الرغم من ارتباط الوجود الأرمني الحديث في سوريا بأحداث الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن في الدولة العثمانية عام 1915، فإن العلاقات التاريخية بين الأرمن وبلاد الشام تعود إلى قرون أقدم، بفعل الحركة التجارية والتنقلات السكانية والعلاقات السياسية والدينية التي ربطت أرمينيا بالمدن السورية.
وقد شهدت المنطقة موجات من الاستقرار الأرمني خلال العصور الوسطى، ولا سيما في المناطق الشمالية القريبة من الأناضول، حيث ارتبطت حلب ومناطق أخرى بشبكات التجارة والهجرة الأرمنية. كما أسهمت العلاقات بين مملكة أرمينيا الصغرى في كيليكيا والمراكز التجارية الشامية في تعزيز هذا التواصل.
غير أن التحول الديموغرافي الأكبر جاء خلال الحرب العالمية الأولى، عندما تعرض الأرمن للترحيل القسري والمجازر على أيدي السلطات العثمانية، ووصل الناجون إلى مناطق سورية متعددة، كان أبرزها حلب ودير الزور ودمشق.
وتحمل دير الزور مكانة مأساوية خاصة في الذاكرة الأرمنية، بعدما أصبحت مناطقها الصحراوية إحدى المحطات الرئيسية لترحيل الأرمن وموت أعداد كبيرة منهم نتيجة القتل والجوع والعطش والمرض. ولهذا ارتبط اسم المدينة في الوجدان الأرمني بذكرى الإبادة، بينما تحولت حلب ودمشق لاحقًا إلى مراكز لإعادة بناء الحياة وتأسيس الأسر والمؤسسات.
الأرمن في دمشق.. من اللجوء إلى صناعة الحياة
استطاع الأرمن الذين استقروا في دمشق، إلى جانب الجماعات الأرمنية الأقدم، بناء حضور اجتماعي واقتصادي متميز، خصوصًا في الحرف اليدوية والتجارة والصناعات الصغيرة، إلى جانب المهن الفنية والتعليمية.
واشتهر حرفيون أرمن بالصياغة وصناعة الأحذية والخياطة والتصوير الفوتوغرافي والطباعة وغيرها من المهن، وأسهموا في تطوير بعض القطاعات الحرفية والصناعية، بينما برزت شخصيات أرمنية في الحياة الثقافية والفنية السورية.
ولم يقتصر الاندماج على النشاط الاقتصادي، بل امتد إلى الحياة العامة، إذ أصبح الأرمن جزءًا من المجتمع السوري، مع احتفاظهم بلغتهم وتقاليدهم وخصوصيتهم الدينية. وشكل هذا التوازن بين الانتماء الوطني والمحافظة على الهوية الثقافية إحدى السمات الرئيسية للتجربة الأرمنية في سوريا.
أما مدينة حلب، فقد ظلت تاريخيًا المركز السكاني والثقافي الأكبر للأرمن السوريين، حيث ازدهرت المدارس والجمعيات والنوادي والصحف والمؤسسات الدينية، وأصبحت المدينة واحدة من أهم مراكز الحياة الأرمنية في الشرق الأوسط.
الكنائس والمدارس.. حارسة الهوية الأرمنية
لعبت الكنائس الأرمنية دورًا محوريًا في المحافظة على الهوية الدينية والثقافية للجماعة، ولم تقتصر رسالتها على إقامة الصلوات والشعائر، بل امتدت إلى التعليم والعمل الاجتماعي ورعاية الأسر وتنظيم الأنشطة الثقافية.
ويتوزع الأرمن السوريون بين ثلاث كنائس رئيسية، هي الكنيسة الأرمنية الرسولية، التي تضم الغالبية، والكنيسة الأرمنية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمنية الإنجيلية.
وفي دمشق، تمثل كنيسة القديس سركيس للأرمن الرسوليين أحد أبرز الشواهد على قدم الحضور الأرمني، إذ تعود جذور الموقع الكنسي إلى قرون سابقة، وقد تعرض للتدمير خلال أحداث عام 1860، قبل إعادة بناء الكنيسة عام 1866.
أما كاتدرائية سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك، فتمثل مركزًا دينيًا واجتماعيًا مهمًا لأبناء الطائفة. وتعود بدايات الجماعة الأرمنية الكاثوليكية المنظمة في دمشق إلى القرن الثامن عشر، بينما تأسست النيابة البطريركية للأرمن الكاثوليك في دمشق عام 1984
ومن هنا تكتسب المحاضرة التي نظمتها عائلات سلطانة العالم أهميتها، باعتبارها امتدادًا لدور المؤسسات الكنسية في المحافظة على الذاكرة التاريخية، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي لم تعش المراحل الأولى من تأسيس المجتمع الأرمني الحديث في سوريا.
وقد شكلت المدارس الأرمنية ركيزة أساسية في حماية اللغة الأرمنية من الاندثار، إلى جانب تدريس المناهج الوطنية السورية، فيما ساعدت الجمعيات الثقافية والرياضية والكشفية والفرق الموسيقية على استمرار التقاليد الشعبية.
وتشير دراسة متخصصة عن أرمن دمشق إلى الدور الذي أدته الجمعيات الثقافية الأرمنية، ومنها الاتحاد الخيري الأرمني العام والجمعية الثقافية التعليمية «هامازكايين»، وكذلك الجمعيات التابعة للأرمن الكاثوليك، في تنظيم الأنشطة الاجتماعية والمحافظة على الروابط بين أبناء الجماعة.
الحرب السورية.. هجرة جديدة بعد قرن من اللجوء
إذا كانت سوريا قد مثلت ملاذًا آمنًا لعشرات الآلاف من الأرمن الفارين من الإبادة العثمانية، فإن الحرب التي اندلعت عام 2011 أعادت إلى الذاكرة الأرمنية تجربة النزوح وفقدان المنازل والابتعاد عن الأرض التي استقرت عليها العائلات طوال أجيال.
وتعرضت أحياء أرمنية في حلب ودمشق ومناطق أخرى لأضرار نتيجة العمليات العسكرية، كما تضررت كنائس ومدارس ومؤسسات اجتماعية، واضطرت عائلات كثيرة إلى الهجرة نحو أرمينيا ولبنان وأوروبا وأمريكا الشمالية.
وكانت بلدة كسب، ذات الحضور الأرمني التاريخي في محافظة اللاذقية، من المناطق التي شهدت اضطرابات ونزوحًا خلال سنوات الحرب، بينما تعرضت أحياء حلب التي كانت تضم تجمعات أرمنية كبيرة لأضرار واسعة.
وتكشف الدراسات الحديثة عن تراجع حاد في أعداد الأرمن السوريين، مع وجود تفاوت ملحوظ في التقديرات. فبينما قدرت تقارير عددهم قبل الحرب بنحو 100 ألف نسمة، أشارت دراسة أكاديمية تناولت أزمة الجماعة الأرمنية خلال الفترة من 2012 إلى 2018 إلى بقاء نحو 10 آلاف من أصل 80 ألفًا، وهي أرقام مرتبطة بفترات ومناهج تقدير مختلفة
ولم تكن الخسارة عددية فقط، بل امتدت إلى تفكك شبكات اجتماعية ومهنية تراكمت عبر عقود، وانخفاض أعداد الطلاب في بعض المؤسسات التعليمية، وغياب أجيال شابة كانت تمثل مستقبل الجمعيات والكنائس.
الأرمن في سوريا اليوم.. بين الأمل والقلق
مع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا منذ ديسمبر 2024، دخلت الجماعات المسيحية، ومن بينها الأرمن، مرحلة جديدة تحمل آمالًا في الاستقرار وإعادة الإعمار، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول الضمانات القانونية والأمنية اللازمة للمحافظة على التعددية الدينية والثقافية.
وأشارت تقارير نُشرت خلال عام 2025 إلى تطلع شخصيات من المجتمع الأرمني إلى مستقبل أكثر استقرارًا، في ظل تأكيدات السلطات الجديدة احترام حقوق الأقليات وحرية العبادة. في المقابل، وثقت تقارير دولية مخاوف لدى بعض الجماعات المسيحية بشأن الأمان والحريات الدينية ومدى مشاركتها في صياغة مستقبل البلاد.
